الحسم الصعب في الشهر الثالث للحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران... القادم سيقزم آثار الأزمة الاقتصادية في ثلاثيات القرن الماضي

أربعاء, 2026-05-06 00:08

بعد مرور ما يقارب الشهرين على إنطلاق النسخة الثانية الموسعة من الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران يجد العالم نفسه أمام تحولات إستراتيجية عميقة وتعديلات في موازين القوى سواء على الصعيد الإقليمي في الشرق الأوسط الكبير أو على المستوى العالمي. وتظهر الإدارة الأمريكية مضطربة ومنقسمة حول المسار المقبل للمواجهة، وفي آخر تصريحاته قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يوم الأحد 26 أبريل 2026 إن إيران بوسعها الاتصال إذا أرادت التفاوض على إنهاء الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل عليها. وذكر ترامب في مقابلة مع برنامج (ذا صنداي بريفينغ) على شبكة فوكس نيوز "إذا أرادوا التحدث معنا، فيمكنهم القدوم إلينا. كما تعلمون، لدينا هاتف. ولدينا خطوط جيدة وآمنة". وأضاف "يعرفون ما يجب أن يشمله الاتفاق. الأمر بسيط جدا، لا يمكنهم امتلاك سلاح نووي. وإذا لم (يتضمن الاتفاق) ذلك، فلا يوجد أي داع لعقد الاجتماع".

وسط طوفان التصريحات والمواقف المتبدلة أو المتناقضة تمر في أحيان كثيرة تفاصيل صغيرة يتم تجاهلها رغم أنها كجبل الجليد العائم يخفي الجسم الأكبر منه تحت سطح الماء.

تحدثت تقارير إعلامية ومواقع إخبارية مختلفة خلال منتصف شهر أبريل عن حدوث خلافات بين الرئيس الأمريكي ترامب ومجموعة من مستشاريه ورئيس أركان القوات الأمريكية الجنرال جون دانيال كاين حول تمكينه من "الأكواد النووية" (رموز الإطلاق النووي) في سياق مناقشات حول الحرب مع إيران وأزمات دولية ممكنة الوقوع مثل صدام مع الصين أو روسيا بشأن الملاحة في المياه الدولية أو غيرها وكذلك بشأن التعامل مع تقارير لمراكز رصد مفادها أن إيران تسرع من عملية بناء أسلحة نووية جديدة أضخم قوة وأخف وزنا بعد نجاحها في تحويل مخزونها 480 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب إلى ما بين 8 و 11 قنبلة نووية كما أكد ذلك البروفيسور والخبير السابق في البنتاغون الأمريكي "روبرت بيب" (Robert Pape) خلال تصريحات له في شهر مارس 2026 والذي أضاف أن التطورات العسكرية الأخيرة خلقت قناعة لدى الإيرانيين بأن امتلاك "السلاح النووي" ليس خيارا أيديولوجيا بل "ضرورة بيولوجية" للبقاء، وقدر أن طهران حولت رصيدها من اليورانيوم المخصب إلى ما يقارب 8 إلى 11 قنبلة نووية.

الجدل حول "الأكواد النووية" وحسب بعض المصادر جاء في نطاق نقاش حول التصرف الأمريكي في حالة إستخدام تل أبيب أسلحة نووية ضد إيران وقيام طهران بالرد بالمثل والكشف عن إمتلاكها سلاحا نوويا.

يذكر أن تقارير إعلامية نقلت في يونيو 2025 تصريحات عن ستيف ويتكوف، المبعوث الأمريكي الخاص إلى الشرق الأوسط، يحذر فيها من أن إيران إذا طورت قدرة نووية، فإن قنبلة واحدة يمكن أن تؤدي إلى إبادة إسرائيل ومحوها من الوجود.

البيت الأبيض نفى قضية الخلاف بشأن الرموز النووية، ويوم الخميس 23 أبريل 2026 استبعد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشكل قاطع استخدام الأسلحة النووية ضد إيران، واصفا السؤال حول هذا الاحتمال بأنه "غبي"، كما دعا إلى منع أي جهة في العالم من استخدام هذا السلاح.

وصرح ترامب للصحفيين في البيت الأبيض ردا على سؤال حول ما إذا كان يمكنه استخدام الأسلحة النووية ضد إيران: "لا. لماذا أحتاج إليها؟ يا له من سؤال غبي. لماذا سأستخدم الأسلحة النووية؟!" وأضاف: "لا ينبغي أبدا السماح لأي شخص باستخدام الأسلحة النووية".

وتابع: "لماذا سأستخدم سلاحا نوويا؟ لقد دمرناهم بالكامل بالوسائل التقليدية. قضيت على الجيش الإيراني في الأسابيع الأربعة الأولى. لم نعد بحاجة إلى ذلك".

وكان ترامب قد ذكر في 20 أبريل أن إسرائيل لم تحرضه على بدء الحرب على إيران، وذلك في منشور له على شبكة التواصل الاجتماعي "تروث سوشيال". مضيفا – ما فعل ذلك هو تداعيات 7 أكتوبر (هجوم طوفان الأقصى لحماس وفصائل فلسطينية على إسرائيل)، إلى جانب قناعتي الراسخة بأن إيران لا يمكنها أبدا امتلاك أسلحة نووية".

مع دخول الصراع المفتوح والمركب عسكريا وإقتصاديا وسياسيا ونفسيا شهره الثالث على جبهات تمتد من مضيق هرمز والخليج العربي وبحر العرب وخليج عمان ومضيق باب المندب والبحر الأحمر حتى هضاب وسواحل لبنان وفلسطين على البحر الأبيض المتوسط، تواجه واشنطن وتل أبيب ما يعتبره أغلب المحللين والمراقبين ومراكز الرصد فشلا إستراتيجيا وتراجعا في قدرة الردع الأمريكية وبداية أزمة اقتصادية وطاقية عالمية تقزم إسقاطات وأبعاد الأزمة الاقتصادية العالمية في ثلاثينيات القرن الماضي.

من مفارقات الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران أن هذه الأخيرة استطاعت خلال أقل من شهرين من المواجهات العسكرية والاقتصادية المباشرة إلحاق خسائر وأضرار بإقتصاد الدول الغربية ومن تحالف مع واشنطن وتل أبيب أكثر مما استطاعت العقوبات الأمريكية إلحاقه خلال سنوات بالدول الخصم، كما أن طهران بالتحكم في مضيق هرمز مكنت روسيا أساسا وأطراف أخرى منتجة للنفط من خارج منطقة الخليج العربي من تحقيق مكاسب ضخمة بفضل ارتفاع أسعار النفط والغاز غير المسبوقة السريعة والكبيرة بالإضافة إلى تمكين الدول والشركات المنتجة للمخصبات الزراعية من تصريف منتجاتها بسرعة كذلك غير مسبوقة وبأسعار عالية.

 

موارد عسكرية ضخمة 

 

تصريحات ترامب عن انجازات القوات الأمريكية والإسرائيلية الحاسمة ضد إيران لم تجد إثباتا فيوم 22 أبريل 2026 ذكرت قناة NBC أن الاستخبارات الأمريكية ترى أن إيران احتفظت بموارد عسكرية ضخمة بالرغم من تصريحات الإدارة الأمريكية.

وأوضحت القناة نقلا عن تصريحات مشرعين أمريكيين: "تعتقد الاستخبارات العسكرية الأمريكية أن إيران لا تزال تمتلك موارد عسكرية ضخمة"، مشيرة إلى أن معطيات الاستخبارات العسكرية تتعارض مع تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ووزير الدفاع بيت هيغسيث، اللذين أكدا السيطرة الكاملة على المجال الجوي الإيراني وتدمير الصناعة الدفاعية الإيرانية.

وبحسب شهادة مدير وكالة الاستخبارات الدفاعية التابعة للبنتاغون، الفريق الثاني جيمس آدامز، المقدمة سابقا إلى الكونغرس الأمريكي، فإن إيران لا تزال تحتفظ في مخزونها بآلاف الصواريخ والطائرات المسيرة، التي قد تشكل تهديدا للقوات الأمريكية وحلفائها في الشرق الأوسط.

في نفس الوقت ويوم 23 أبريل 2026 ذكرت وكالة "رويترز" أن صادرات النفط الإيراني تستمر عبر مضيق هرمز رغم الحصار الأمريكي لهذا الممر البحري وتأكيد البيت الأبيض حرمان طهران من مبيعات النفط.

وأفادت الوكالة بأن حوالي 10.7 مليون برميل من النفط الإيراني مرت عبر مضيق هرمز وغادرت منطقة الحصار الذي تفرضه البحرية الأمريكية خلال الفترة من 13 إلى 21 أبريل، بحسب ما نقلته الوكالة عن بيانات شركة التحليلات "فورتكسا".

وأضاف التقرير أن عمليات الشحن تمت عبر ست ناقلات نفط تم إيقاف تشغيل أنظمة التتبع الخاصة بها.

وذكر عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني علي خضريان، يوم الأربعاء 22 أبريل، أن إيران تواصل تصدير النفط رغم الحصار البحري الأمريكي، بل إن الصادرات لم تتوقف فقط، بل أصبحت أكبر مما كانت عليه قبل التصعيد، خصوصا خلال الأسبوعين السابقين.

وأفادت "فورتكسا" أنها رصدت بين 13 و22 أبريل ما مجموعه 35 عملية عبور عبر منطقة الحصار الأمريكي، شاركت فيها سفن مرتبطة بإيران أو خاضعة للعقوبات، وكانت تقوم برحلات في الاتجاهين، وفقا لرويترز.

وبدأت البحرية الأمريكية في 13 أبريل فرض حصار على جميع الحركة البحرية الداخلة والخارجة من الموانئ الإيرانية على جانبي مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20 في المئة من إمدادات النفط العالمية والمنتجات النفطية والغاز الطبيعي المسال. وتؤكد واشنطن أن السفن غير المرتبطة بإيران يمكنها العبور بحرية إذا لم تكن قد دفعت رسوم مرور لطهران. ولم تعلن السلطات الإيرانية رسميا فرض أي رسوم، لكنها تحدثت عن خطط محتملة لذلك، فيما أكدت مصادر شركات التأمين في لندن أن حاملات النفط العملاقة تدفع لطهران مليوني دولار بالعملة الصينية بدل الدولار لعبور المضيق.

 

أكاذيب البنتاغون

 
يوم الاثنين 27 أبريل كشف تقرير لصحيفة "ذا أتلانتيك" أن نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس أعرب في اجتماعات مغلقة عن شكوكه حول كيفية تصوير البنتاغون للحرب في إيران.
 
ووفقا لمسؤولين كبار في الإدارة تحدثوا للصحيفة، استفسر فانس عن دقة المعلومات التي قدمها البنتاغون حول سير الحرب. كما أعرب عن مخاوفه بشأن توافر أنظمة صاروخية معينة خلال مناقشاته مع الرئيس دونالد ترامب.
ويرى بعض المقربين من فانس أن وصف وزير الحرب بيت هيغسيث للحرب كان "إيجابيا للغاية" لدرجة أنه مضلل، على حد تعبيرهم.
وتشير التقارير إلى أن القوات الأمريكية أطلقت أكثر من 850 صاروخ توماهوك خلال الأسابيع الأربعة الأولى من الضربات على إيران، ووصف أحد المصادر عدد الصواريخ المتبقية في الشرق الأوسط بأنه "منخفض بشكل ينذر بالخطر".
وذكر مسؤولون مطلعون على التقييمات الاستخباراتية إن تصورات قادة البنتاغون الإيجابية "تقدم صورة غير مكتملة في أحسن الأحوال"، مشيرين إلى أن إيران لا تزال تحتفظ بثلثي سلاحها الجوي، ومعظم قدرتها على إطلاق الصواريخ، ومعظم قواربها الصغيرة والسريعة التي يمكنها زرع الألغام وتعطيل حركة الملاحة في مضيق هرمز.
ويحذر مسؤولون من أن عواقب الانخفاض الحاد في احتياطيات الذخائر قد تكون وخيمة، حيث ستحتاج القوات الأمريكية إلى السحب من هذه المخزونات نفسها للدفاع عن تايوان ضد الصين، وكوريا الجنوبية ضد كوريا الشمالية، وأوروبا ضد روسيا.
وتشير تقديرات إلى أن المخزون الأمريكي من الصواريخ البعيدة المدى قد ينضب خلال ثلاثة أسابيع فقط في حال نشوب نزاع كبير، وفقا لتحليلات سابقة.
في المقابل، صرح كل من وزير الحرب بيت هيغسيث والجنرال دان كين، رئيس هيئة الأركان المشتركة، علنا أن مخزونات الأسلحة الأمريكية كبيرة، ووصفا الضرر الذي لحق بالقوات الإيرانية بعد ثمانية أسابيع من القتال بأنه كبير.
وصرح هيغسيث في إفادة صحفية سابقة إن "القوات الجوية الإيرانية تم محوها، وأن برنامجها الصاروخي دمر وظيفيا".
أما الرئيس ترامب، فردد العديد من التصريحات الإيجابية لهيغسيث وكين، معلنا أن الضرر الذي أحدثته القوات الأمريكية يشكل "انتصارا"، وأن مخزونات الولايات المتحدة من الأسلحة الرئيسية "غير محدودة تقريبا"، كما امتدح هيغسيث ووصفه بأنه "يقوم بعمل رائع".
وفي تناقض صارخ مع هذه التصريحات، تعيد إيران تشغيل المزيد من قاذفات الصواريخ كل يوم، ووفقا لأشخاص مطلعين على التقييمات، فقد أصبح حوالي نصفها متاحا مرة أخرى بعد وقف إطلاق النار الأولي.
ويرى مستشارون أن تصوير هيغسيث المتفائل ونهجه العدائي أحيانا مع الصحافة - حيث تجري إحاطات البنتاغون الصحفية في الساعة 8 صباحا عندما يعرف أن ترامب يشاهد قناة "فوكس نيوز" - يبدو مصمماً لإسماع الرئيس ما يريد سماعه. وقال أحد المسؤولين السابقين: "خبرة بيت التلفزيونية جعلته ماهرا حقا في معرفة كيفية التحدث مع ترامب".
يذكر أن هيئة تحرير صحيفة "نيويورك تايمز" كانت قد وجهت انتقادات لاذعة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب بسبب ما وصفته بسيل الأكاذيب حول الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران.
وحذرت الصحيفة الأمريكية من أن هذه الممارسة قد تأتي بنتائج عكسية عليه شخصيا وعلى مصالح بلاده.
وأكدت أن الكذب سلوك معتاد بالنسبة لترامب، مشيرة إلى أنه أدلى خلال ولايته الأولى بأكثر من 30 ألف تصريح مضلل أو غير صحيح وفق تحليل لـ"واشنطن بوست".
غير أن الهيئة شددت على أن الكذب بشأن الحرب يحمل خصوصية خطيرة، لأنه يخلق ثقافة يمكن أن تنتشر فيها الأخطاء القاتلة وحتى جرائم الحرب، الأمر الذي يقوض في النهاية القيم والمصالح الأمريكية.
وأقرت الهيئة بوجود نقاش مشروع حول حكمة خوض هذه الحرب.
ولفتت إلى أن ترامب لا يقدم هذه الحجة المنطقية، بل يكتفي بالكذب بشأن أسباب الحرب وتطوراتها، في محاولة واضحة لإخفاء سوء تخطيطه والأساس الهش للحرب.
وأشارت الهيئة إلى تناقضات ترامب وحلفائه في تفسير أهداف الحرب ومدتها والجوانب الأساسية الأخرى، معتبرة أن الأكاذيب في الحروب ليست وليدة اللحظة، بل سبق أن تعلم رؤساء أمريكيون سابقون خلال حرب فيتنام وغزو العراق عام 2003 أن الأكاذيب ترتد على قائليها.
واختتمت هيئة تحرير الصحيفة تقييمها بالقول إن أي مكسب قصير المدى قد يحققه ترامب من أكاذيبه حول الحرب في إيران يتضاءل أمام التكلفة الباهظة التي سيدفعها هو وبلاده والعالم.
 

خطوة إلى الأمام

 

 

عن دراسة الإيرانيين حطام الصواريخ الأمريكية لإنتاج مثيلتها، كتبت الباحثة الروسية إيكاترينا فولكوفيتسكايا، في "أرغومينتي إي فاكتي" يوم 22 أبريل 2026:

أعلنت إيران عبر وسائل التواصل الاجتماعي عن تسليم الصواريخ الأمريكية الساقطة إلى خبراء لإجراء هندسة عكسية عليها، أي لدراستها وفهم تصميمها وآلية عملها. صرح بذلك المتحدث باسم قيادة خاتم الأنبياء التابعة للقوات المسلحة الإيرانية، إبراهيم ذو الفقاري.

وفي الصدد، قال المحلل العسكري الروسي أليكسي ليونكوف لـ "أرغومينتي إي فاكتي": "سيمكنهم ذلك من تحليل تقنيات إنتاج الصاروخ وخصائصه، وتطوير نماذج مماثلة للمكونات الأمريكية. وبالنظر إلى تطور الصناعات الدفاعية الإيرانية، يمكنهم حتى ابتكار أسلحة مشابهة".

وأضاف: "تمتلك الجمهورية الإسلامية مدرسة هندسية متطورة للغاية، قادرة على إعادة بناء بعض الأنظمة حتى من أجزاء منفردة. والجدير بالذكر أنهم لم يتجاهلوا الأسلحة الروسية أيضا، فاستنادا إلى خبراء معدات الدفاع الجوي الصينية، طور خبراء إيرانيون أنظمة خاصة بهم، أثبتت فاعليتها العالية".

وكانت صحيفة فايننشال تايمز قد ذكرت سابقا أن الجيش الإيراني يدرس بنشاط الصراع الروسي الأوكراني، ويعمل على تكييف أسلحته مع ظروف القتال الحديثة. فبعد تحليل أكثر من 300 مقال في المجلات العسكرية الإيرانية، كشفت فايننشال تايمز أن الجمهورية الإسلامية درست تجربة روسيا في استخدام الطائرات المسيرة، واكتشفت أيضا كيف كانت أوكرانيا تطبع مكونات الطائرات المسيرة بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد. كما قررت تزويد قواتها بأعداد كبيرة من الطائرات المسيرة الرخيصة، والتي، بحسب صحيفة نيويورك تايمز، باتت تشكّل عبئا على الجيش الأمريكي الذي يعتمد على أنظمة عالية التقنية باهظة التكلفة في الإنتاج والتشغيل.

 

شبح أزمة السويس

 

يرى المؤرخ الأمريكي ألفريد دبليو ماكوي، أستاذ التاريخ في جامعة ويسكونسن-ماديسون، في تقرير له نشر في الثلث الأخير من شهر أبريل 2026 أن الحرب التي يخوضها الرئيس ترامب ضد إيران تمثل نموذجا كلاسيكيا لما يعرف بـ“العسكرة المصغرة”، وهي مغامرات عسكرية تلجأ إليها الإمبراطوريات في مراحل تراجعها في محاولة لاستعادة هيبتها، لكنها غالبا ما تسرع انهيارها بدلا من إنقاذها.

ويشير ماكوي—وهو مؤلف كتاب “في ظلال القرن الأمريكي: صعود وتراجع القوة العالمية للولايات المتحدة”— إلى أن التاريخ يقدم أمثلة متكررة على هذا النمط. فالقوى الإمبراطورية حين تبدأ بالانحدار تميل إلى شن ضربات عسكرية استعراضية لتعويض فقدان النفوذ، لكنها تنتهي بكوارث سياسية واقتصادية تكشف ضعفها وتعمق أزماتها.

ويعتبر أن الولايات المتحدة تسير في هذا المسار، وأن حرب ترامب ضد إيران قد تتحول إلى واحدة من تلك المغامرات الفاشلة التي أسهمت في إسقاط إمبراطوريات كبرى عبر التاريخ، من أثينا القديمة إلى بريطانيا الحديثة، وغالبا ما تقف خلفها قيادات تعكس اختلالات أعمق داخل النخبة الحاكمة.

ويحذر الكاتب من أن مثل هذه الحروب، حتى لو حققت نجاحات عسكرية تكتيكية، فإنها تفرض كلفة باهظة، وتضعف التحالفات، وتكشف حدود القوة الإمبراطورية. فمع انتهاء القتال، تظهر النتائج الحقيقية: تآكل النفوذ، وتصاعد الفوضى الدولية، وتراجع المكانة الاقتصادية.

ويستعرض التقرير أمثلة تاريخية بارزة، منها هزيمة أثينا في صقلية عام 413 قبل الميلاد، حين قاد قرار متهور إلى تدمير أسطولها وفقدان إمبراطوريتها. كما يشير إلى كارثة البرتغال في المغرب عام 1578، التي أضعفتها ومهدت لهيمنة إسبانيا عليها، إضافة إلى إخفاقات إسبانيا في شمال أفريقيا مطلع القرن العشرين (حرب الريف)، والتي أسهمت في زعزعة استقرارها الداخلي وصعود الحكم الديكتاتوري.

أما المثال الأبرز، وفق ماكوي، فهو أزمة السويس عام 1956، التي كشفت تراجع بريطانيا كقوة عالمية بعد تدخل عسكري فاشل في مصر، أدى إلى فقدان هيبتها وتسريع نهاية إمبراطوريتها.

وبالعودة إلى الحاضر، يرى الكاتب أن الحرب على إيران تحمل سمات مشابهة. فعلى الرغم من الضربات الأمريكية والإسرائيلية المكثفة، تمكنت طهران من قلب المعادلة عبر إغلاق مضيق هرمز، ما أدى إلى أزمة طاقة عالمية وضغط اقتصادي واسع. ويؤكد أن هذا النوع من الردود غير المتكافئة يبرز حدود القوة الأمريكية، حيث تستطيع واشنطن تحقيق تفوق عسكري، لكنها تعجز عن تحقيق أهداف إستراتيجية حاسمة.

ويضيف أن عزلة الولايات المتحدة تتزايد، إذ رفض حلفاؤها دعم الحرب ضد إيران بقواتهم، بينما تتعرض لانتقادات دولية حادة بسبب تصعيدها. وفي المقابل، تبدو قوى منافسة مثل الصين أكثر استقرارا في نظر كثيرين، ما يعزز التحول نحو نظام عالمي جديد.

ويخلص ماكوي إلى أن الولايات المتحدة، حتى لو دمرت بنية إيران التحتية أو توصلت إلى تسوية تحفظ ماء الوجه، تكون قد خسرت الحرب فعليا وفق المعايير الإستراتيجية الأهم. فكما حدث مع إمبراطوريات سابقة، قد تؤدي هذه المغامرة العسكرية إلى تسريع تراجع الهيمنة الأمريكية، والدفع نحو نظام دولي أكثر اضطرابا وغموضا بعد نهاية حقبة "السلام الأمريكي".

 

السقوط في الفخ

 

بتاريخ يوم السبت 25 أبريل 2026 رأت محللة سياسية في صحيفة "معاريف" العبرية أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لم يربك إيران، إنما الإدارة الأمريكية ورئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو هما من وقع في هذا الفخ. 

وجاء في مقال المحللة آنا بارسكي: "الرئيس الأمريكي يحاول أن يظهر بمظهر من كسر إيران ومن يعرف كيف ينهي الحروب في آن واحد، والنظام الإيراني تعرض للضرب لكنه لم يخضع، ويصر على عدم دخول غرفة المفاوضات وهناك مسدس بحري-اقتصادي بيد طهران موجه إلى رأس واشنطن، وإسرائيل، مرة أخرى، في الموقع غير المريح حيث تدير حليفتها الكبرى الحدث وفق المصلحة الأمريكية الواسعة - وليس وفق قائمة أمنيات القدس: هذه هي الصورة المألوفة (لا البطولية البتة) الكامنة وراء العناوين الكبرى".

لذلك، فإن الحديث عن "عدم الوصول إلى المحادثات في باكستان"، وفقا للمقال، هو سرد لوصف القصة فقط. لم تصل إيران إلى محادثات إسلام آباد لأنها، من وجهة نظرها، لا تعتبرها مفاوضات بل اختبار استسلام. لقد مددت واشنطن وقف إطلاق النار، لكنها أبقت الحصار على الموانئ الإيرانية قائما واستمرت في بث التهديد العسكري. بالنسبة لطهران، هذه طاولة تحقيقات وليست مفاوضات. أما بالنسبة لترامب، فهذا هو النموذج بالضبط: أقصى قدر من الضغط مع باب طوارئ مفتوح لصفقة.

وهنا تدخل باكستان، ليس كلاعب خارق، بل كوسيط يحاول شراء الوقت لجانبين غير مستعدين بعد للحسم. وبالتزامن مع طلب تمديد وقف إطلاق النار، أُفيد بأن إيران لم تبلور بعد "مقترحاً موحداً".

في كل من تل أبيب وواشنطن يعرفون كيفية قراءة مثل هذه الصياغات: هناك خلاف في القمة الإيرانية، والوسطاء يطلبون بضعة أيام إضافية للتأكد من الذي يدير العرض حقا. وبالفعل، لا يقتصر الأمر على الفجوة بين الولايات المتحدة وإيران، بل يتعلق أيضا بصعوبة إيجاد صيغة حوار يمكن لكلا الجانبين عدم الظهور من خلالها وكأنهما تراجعا.

وهذه، حسب بارسكي، واحدة من أهم النقاط لفهم صورة الوضع: المشكلة ليست فقط فيما يريده دونالد ترامب، بل فيمن هو المفوض بالضبط حاليا للتعبير عن إرادته في إيران. يجب التعامل بحذر مع التقارير التي تتحدث عن قيادة إيرانية "منقسمة": فبعضها يأتي من مصادر أمريكية أو باكستانية وقد ينطوي على عنصر من عناصر الحرب النفسية.

ولكن حتى بعد انقشاع الدخان، تبقى حقيقة أساسية: هناك فجوة بين المنطق السياسي المتمثل في العودة للمحادثات، وبين المنطق النظامي المتمثل في عدم الظهور بمظهر من يجرجَر إلى الطاولة من موقع ضعف. فالحرس الثوري الإيراني، والمؤسسة السياسية، والمستوى الأعلى لا يتحدثون بالضرورة بصوت واحد.

ووفقا للمقال، الموقف الإيراني واضح تماما: بدون تخفيف حقيقي للحصار والإغلاق، لا توجد "مفاوضات حقيقية". إن المحادثات التي يتحدث فيها طرف عن الدبلوماسية وفي الوقت نفسه يحتفظ لنفسه بالحق في خنق الطرف الآخر اقتصاديا وبحريا، هي سابقة خطيرة لمفاوضات تحت الإذلال. وهذا ليس مجرد موقف تكتيكي، بل موقف كرامة نظامية.

وترامب من جانبه يحاول اللعب على خيط رفيع للحفاظ على صورتين لا تتوافقان بشكل طبيعي: رئيس استخدم قوة حازمة ضد إيران، ورئيس يمكنه "إبرام صفقة" وإعادة الاستقرار. وإذا نجح، فسيبيع للجمهور الأمريكي نصرا مزدوجا من الحزم والحكمة.

وإذا فشل، فقد تنقلب الصورة: ليس كزعيم داهية، بل كرئيس يتأرجح بين التهديد والتردد، وبين عملية عسكرية وعنوان تلفزيوني عن المفاوضات. وفي السياسة الأمريكية - كما في السياسة الإسرائيلية - لا يوجد شيء أقسى من زعيم يبدأ في الظهور وكأنه يستجيب للأحداث بدلا من إدارتها.

وهنا تبرز مشكلة ترامب - الرسائل المزدوجة. يمكن تسمية ذلك "استراتيجية الضغط الأقصى مع فتح مخرج"، ويمكن تسميته أيضا "تذبذبا". هناك من يعتقد أن هذا الازدواج هو السر بالضبط: إجبار إيران على فهم أن الباب مفتوح، لكن الممر لا يزال مفخخا. ويخشى آخرون أن تكون الرسائل المتناقضة لا تخلق ردعا، بل ارتباكا - لدى الخصم، ولدى الحلفاء، وأحيانا داخل الإدارة نفسها.

 

حسم أم استنفار مستمر؟

 

لم يتحول ترامب إلى حمامة سلام بين عشية وضحاها، بل أدرك أن الاستمرار التلقائي للضغط العسكري حاليا لن يخدمه بالضرورة سياسيا أو استراتيجيا. واعتادت إسرائيل على التفكير بمصطلحات التهديد المتراكم، أما الولايات المتحدة، خاصة في سنة انتخابات وفي مناخ اقتصادي حساس، فكثيرا ما تفكر بمصطلحات إدارة الأزمة. 

وفي تل أبيب، لا يحبون ما يرونه، لكنهم أيضا لا يستطيعون قول ذلك بصوت عال جدا - فإسرائيل لا تريد أن تظهر بمظهر من يعمل علانية على تقويض رئيس أمريكي يوفر لها غطاء سياسيا وعسكريا واسعا.

لكنها تخشى - وبحق - من تجميد الزخم قبل تحقيق جميع الأهداف التي تراها ضرورية: تقليص كبير لتهديد الصواريخ، ضربة أعمق للقدرات الإقليمية لإيران، وآلية تضمن ألا يكون وقف إطلاق النار مجرد هدنة استعدادا للجولة القادمة.

لذلك، يستمعون في إسرائيل بشكل أقل للتصريحات حول "الفرصة السياسية" وبشكل أكثر للتفاصيل الصغيرة: هل سيخفف الحصار، هل سيفتح هرمز، هل ستستأنف المحادثات؟ وماذا عن حرية العمل الإسرائيلية إذا تبين أن التسوية مجرد خدعة مؤقتة؟.

بالنسبة لإسرائيل، هناك خطر مزدوج. الخطر الأول هو تسوية منقوصة للغاية: صفقة تحقق الاستقرار في هرمز، وتهدئ الساحة وتسمح لترامب بإعلان إنجاز - لكنها تترك في يد إيران قدرات ومساحة تنفس كافية لتعود وتزعج المنطقة بعد بضعة أشهر. 

الخطر الثاني هو العكس: فترة انتقالية ممتدة من "لا حرب ولا سلام" تستمر فيها إيران في استنزاف المنظومة البحرية والاقتصادية، ويبقى المحور الإقليمي قابلا للانفجار. 

بالنسبة لإسرائيل، قد يكون السيناريو الثاني أكثر خطورة، لأنه يتطلب استنفارا مستمرا دون الحسم الواضح الذي كانت تل أبيب تأمل فيه.

كما أن القلق الإسرائيلي لا ينبع فقط من سؤال ما إذا كان سيكون هناك وقف لإطلاق النار، بل من سؤال ماهيته. إذا كان الأمر يتعلق بهدنة لغرض بلورة آلية أكثر صرامة تجاه إيران - فيمكن لإسرائيل التعايش مع ذلك. أما إذا انزلقت هذه الهدنة إلى صفقة جزئية تركز على هرمز، وأسعار النفط، وعنوان أمريكي عن "الاستقرار" وتدفع إلى الهامش مشروع الصواريخ، وأدوات النفوذ الإيرانية، وقضية الأذرع الإقليمية - فهذه ستكون بداية لعدم استقرار حقيقي.

وفوق كل ذلك تخيّم المسألة السياسية: ماذا يفعل هذا لنتنياهو؟ هنا يجب الحذر من التبسيط: فهو لا "يخسر" تلقائيا من كل هدنة، كما أنه لا "يربح" من كل مواجهة. لكنه بالفعل يجد نفسه مرة أخرى في ذلك الموقع المألوف حيث لا تترجم النجاحات العسكرية بالضرورة إلى ربح سياسي، خاصة إذا بدت النهاية وكأنها فرضت من الخارج أو توقفت قبل اكتمال صورة "النصر".

بالنسبة له، المشكلة مزدوجة: إذا جلب ترامب تسوية، فسيذهب الفضل للبيت الأبيض، وإذا تبين أن التسوية هشة، فسيكون السؤال الشعبي في إسرائيل هو لماذا انتهت الحملة مرة أخرى دون تغيير استراتيجي واضح. هذا هو المأزق بالضبط: إذا نجح ترامب، يدفع نتنياهو إلى الهامش، وإذا فشل ترامب، سيتعين على نتنياهو شرح سبب ثقته، وانتظاره، ومسايرته، أو على الأقل عدم كبحه للأمور.

 

لعبة نتنياهو

 

لدى نتنياهو أيضا مصلحة سياسية فورية. طالما ظل الوضع غامضا، يمكنه تبني أسلوب قديم والاستمرار في التحدث بلغتين: تجاه قاعدته - سيتحدث عن "الإصبع على الزناد"، والحزم، وعدم الثقة الأساسي بإيران، وتجاه واشنطن - سيتحدث عن التنسيق، والمسؤولية، وفهم الحاجة لاستنفاد القناة السياسية. المشكلة في هذا الأسلوب: أنه يعمل فقط حتى اللحظة التي يطرح فيها الجمهور السؤال البسيط - إذا كان الأمر كذلك، فلماذا انتهى هذا مرة أخرى في المنتصف؟.

استقرار أم تغيير؟ ماذا بعد؟

حالياً هناك أربعة سيناريوهات محتملة.

الأول: استئناف المحادثات خلال أيام إذا نجحت باكستان في صياغة معادلة وسيطة، وبلورت إيران موقفا أكثر توافقا.

الثاني: استمرار وقف إطلاق نار هش وسط حرب استنزاف بحرية-اقتصادية في مضيق هرمز.

الثالث: انهيار الاتصالات والعودة إلى تصعيد أوسع إذا قرر ترامب أن إيران تماطل فقط.

الرابع: صفقة جزئية، لا سلام - تسوية محدودة حول هرمز، لجم معين، والكثير جدا من المشاكل التي تؤجل لشهرين آخرين أو نصف عام آخر.

في الوقت الراهن، يبدو السيناريو الثاني والرابع أكثر احتمالية من الأول، كما أن الثالث لم يرفع عن الطاولة.

مشكلة إسرائيل هي أنها في ثلاثة من أصل هذه السيناريوهات الأربعة لا تنهي الحدث حقا. في السيناريو المتفائل، ستبدأ واشنطن وطهران في إنشاء مسار سيحد بطبيعته من حرية العمل الإسرائيلية. في السيناريو الهش، ستبقى إسرائيل معتمدة على مزاج البيت الأبيض ووتيرة الخروقات الإيرانية. في سيناريو التصعيد، ستنجر مرة أخرى إلى مواجهة واسعة. وفي سيناريو الصفقة الجزئية، سيطلب منها التعايش مع حل لا يحل المشكلة.

هذا هو، بكلمات أخرى، الفرق بين المصلحة الأمريكية والمصلحة الإسرائيلية: الولايات المتحدة يكفيها أحيانا استقرار جزئي، أما إسرائيل فكثيرا ما تبحث عن تغيير هيكلي عميق.

 

عجز القرار والغرق

 

بعيدا نسبيا عن سواحل الخليج العربي تتواصل المواجهة بين حزب الله اللبناني والجيش الإسرائيلي في نطاق ما يطلق عليه وحدة الساحات وتجتهد واشنطن للبحث عن طرق لنزع سلاح الحزب الذي لا تزال تل أبيب عاجزة عن تحقيق نصر حاسم عليه حتى بعد أن اغتالت زعيمه حسن نصر الله وعدد من قياداته يوم  الجمعة 27 سبتمبر سنة 2024. 

يوم الأحد 26 أبريل 2026 قال رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو خلال الجلسة الأسبوعية للحكومة إن "خروقات "حزب الله" تؤدي إلى تفكيك اتفاق وقف إطلاق النار في لبنان.

وأضاف نتنياهو :"يتكون انطباع وكأن الجيش الإسرائيلي لا يعمل هناك. هو يعمل، ويعمل بقوة. يجب أن نفهم أن خروقات حزب الله تؤدي عمليا إلى تفكيك وقف إطلاق النار.

لذلك، من جهتنا، ما يلزمنا هو أمن إسرائيل، وأمن جنودنا، وأمن بلداتنا. ونحن نعمل بشكل حازم وفق القواعد التي اتفقنا عليها مع الولايات المتحدة، وأيضا بالمناسبة مع لبنان.

وهذا يعني حرية عمل، ليس فقط للرد على الهجمات، وهذا واضح، بل لإحباط تهديدات فورية، وأيضا إحباط تهديدات آخذة بالتشكّل".

إلا أن أصواتا إسرائيلية تشكك في جدوى الحرب الإسرائيلية على "حزب الله" اللبناني

حيث شكك مسؤول إسرائيلي رفيع المستوى في جدوى الحرب الإسرائيلية على "حزب الله" اللبناني، وأكد أنه لا حل عسكريا لمنع الحزب من استهداف إسرائيل.

ونقلت صحيفة "يسرائيل هيوم" عنه قوله إن الكابينيت الأمني والسياسي لم يوعز للجيش بالقضاء على القوة العسكرية لـ"حزب الله" بخلاف كل ما نشر عن الأمر، مشيرا إلى أن أي خطط عسكرية للقضاء على الحزب غير واقعية لما تتطلبه من زيادة القوى البشرية في الجيش.

كما أشارت صحيفة "يديعوت أحرونوت" إلى أن الاعتقاد بإمكانية تفكيك العدو في غزة ولبنان وإيران من قوته وحتى من عقيدته يجسد مدى عجز صناع القرار في إسرائيل والولايات المتحدة عن تعلم دروس إخفاقات ماضيهم.

من جهتها، نقلت صحيفة "معاريف" أن المستوى السياسي مشلول، والجيش الإسرائيلي يغرق، وبينما يدير الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الحرب من واشنطن، يتحول الجنود الإسرائيليون في لبنان إلى أهداف ثابتة.

 

إنهيار الجيش

 

يوم 24 أبريل 2026 حذر مسؤول عسكري إسرائيلي رفيع المستوى من أن أي تغيير في الوضع الميداني، قد ينعكس مباشرة على فعالية المنظومة الدفاعية الإسرائيلية في مواجهة هجوم واسع لحزب الله.

ونقلت صحيفة يديعوت أحرنوت عن المسؤول العسكري قوله إن "عودة السكان اللبنانيين إلى ما وراء الخط الأصفر قد تجعل الدفاع غير محكم في ظل حجم القوات الحالي"، في إشارة واضحة إلى صعوبة الحفاظ على السيطرة الكاملة دون تعزيزات إضافية.

وتتسع داخل الجيش الإسرائيلي أزمة حادة مرتبطة بنقص كبير في القوى البشرية، في ظل استمرار القتال على عدة جبهات منذ أكتوبر 2023، بما يشمل غزة والضفة الغربية وجنوب لبنان.

ونقلت صحيفة يديعوت أحرنوت العبرية عن مصادر عسكرية إسرائيلية قولها أن "مساحة العمليات تتوسع بينما الجيش لا يتوسع"، ما يهدد بضغط غير مسبوق على منظومة الاحتياط واستنزاف طويل الأمد قد يصل إلى نحو ألف يوم خدمة لبعض الجنود في المستقبل.

وبحسب تقديرات المؤسسة العسكرية، يعاني الجيش من نقص يتراوح بين 12 و15 ألف جندي، من بينهم نحو 8 آلاف مقاتل، فيما يحذر قادة عسكريون من أن استمرار الوضع دون تمديد خدمة الجيش النظامي إلى 36 شهرا قد يفاقم العجز إلى مستويات أعلى.

وفي هذا السياق، حذر رئيس الأركان أيال زامير من "احتمال تآكل قدرة الجيش على تنفيذ مهامه"، محذرا من انهياره رغم تحسن الوضع في سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد.

ويواصل الجيش الإسرائيلي انتشارا واسعا في عدة ساحات، ألوية وألوية احتياطية في غزة، عشرات الكتائب في الضفة الغربية، خمس فرق عسكرية في جنوب لبنان، إلى جانب قوات منتشرة في سوريا ضمن مناطق عازلة. هذا الانتشار المتزامن يفرض ضغطا كبيرا على القوات النظامية والاحتياط، في ظل غياب أفق واضح لتقليص الالتزامات العسكرية.

بالتوازي مع الأزمة العسكرية، يواجه الائتلاف الحكومي خلافات سياسية حادة بشأن قانون إعفاء أو تجنيد الحريديم، حيث تتعثر المفاوضات داخل الحكومة وسط انقسامات حول الصيغة النهائية للقانون، واعتراضات من بعض الأحزاب الدينية على البنود المطروحة. كما يحذر سياسيون من أن تمرير القانون بصيغته الحالية قد لا يحظى بأغلبية في الكنيست مع اقتراب نهاية الدورة التشريعية.

وفي ظل هذه التطورات، يحاول الجيش الإسرائيلي إدارة النقص عبر تغيير نمط الانتشار العسكري، بالاعتماد على نقاط تمركز محدودة وعمليات اقتحام دقيقة مدعومة بالمعلومات الاستخبارية، إلا أن قادة عسكريين يؤكدون أن هذا النموذج لا يمثل حلا طويل الأمد، بل مجرد إدارة مؤقتة لأزمة تتفاقم مع اتساع الجبهات وتزايد الاستنزاف البشري.

 

الثمن الذي تدفعه إسرائيل

حول الثمن الذي تدفعه إسرائيل نتيجة استهتارها بقوة حزب الله، كتب المحلل الروسي يفغيني كروتيكوف، يوم 20 أبريل 2026 في "فزغلياد": 

دخل اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان حيز التنفيذ نظريا يوم 17 أبريل 2026. في البداية، تحركت قوات الجيش الإسرائيلي في أرتال باتجاه قريتي مارون الرأس ويارون، وكذلك بين قريتي عديسة وطيبة المدمرتين. وسرعان ما ظهرت مشاكل مثيرة للدهشة بالنظر إلى ريادة إسرائيل في تطوير الطائرات المسيرة، فقد كانت إسرائيل من أوائل دول العالم التي أدركت أهمية هذا النوع من الأسلحة، حتى إن روسيا اشترت في وقتٍ ما تراخيص من إسرائيل لإنتاج طائرات مسيرة، فقد احتفظت دبابات ميركافا الإسرائيلية التي دخلت لبنان بتجهيزاتها التقليدية التي تعود إلى القرن العشرين، ولكن يبدو أن حزب الله قد استوعب الدرس. فبعد أسبوع واحد فقط من الغزو الإسرائيلي، رصد تحرك وحدة القوات الخاصة التابعة لحزب الله "الرضوان" في جنوب لبنان. صممت هذه الوحدة لتنفيذ كمائن ضد المدرعات باستخدام صواريخ مضادة للدبابات تقليدية، لكن سرعان ما اتضح أنها تستخدم طائرات الاستطلاع والهجوم المسيرة. كان حزب الله على دراية مسبقة بمعظم مسارات القوات المدرعة الإسرائيلية، واستطاع استغلال هذه الميزة لتدميرها.

تفرض إسرائيل رقابة عسكرية صارمة، ما يجعل من المستحيل تحديد الخسائر بدقة، لكن من المرجح أن الجيش الإسرائيلي تكبد خسائر فادحة في المرحلة الأولى من العملية، حتى في نقاط التجمع وأثناء الانتشار. وبحلول نهاية مارس، أفادت التقارير بفقدان الجيش الإسرائيلي 21 دبابة ميركافا. وبحلول منتصف أبريل ارتفع العدد أكثر إلى حوالي 100 دبابة، انهارت تماما العملية العسكرية التي خطط لها أن تكون سهلة في جنوب لبنان. والآن، يتعين على تل أبيب الخروج من هذا المأزق عبر الوسائل السياسية. 

عمر نجيب

[email protected]