
يظهر أن العالم على وشك إعادة مشاهد تجربة كوريا الشمالية مع تعديلات في التحول إلى قوة نووية وذلك في إيران، فقد أفادت تقارير وتحليلات لخبراء أمريكيين، في سياق تصعيد عسكري وسياسي يشهده الشرق الأوسط في أبريل 2026، بأن إيران قد تحولت إلى قوة نووية أو أصبحت على وشك إعلان ذلك، في ظل تطورات دراماتيكية كالتالي:
تأكيدات "الردع النووي: "يرى البروفيسور والخبير السابق في البنتاغون الأمريكي "روبرت بيب" (Robert Pape) أن التطورات العسكرية الأخيرة خلقت قناعة لدى الإيرانيين بأن امتلاك "السلاح النووي" ليس خيارا أيديولوجيا بل "ضرورة بيولوجية" للبقاء، وقدر أن طهران حولت رصيدها من اليورانيوم المخصب إلى ما يقارب 8 إلى 11 قنبلة نووية.
وأشار إلى أن وقف إطلاق النار الحالي يقترب من نهايته، محذرا من أن الأيام القليلة المقبلة قد تشهد استئناف الضربات العسكرية، ليس فقط داخل إيران، بل ربما تمتد إلى دول خليجية، في ظل غياب مؤشرات حقيقية على التهدئة.
وأكد أن كل المؤشرات الفعلية تتجه نحو التصعيد، معتبرا أن الأمل في العودة إلى مسار السلام خلال الساعات المقبلة لا يستند إلى معطيات واقعية حتى الآن.
وحذر بيب من أن استمرار الأزمة، خصوصا مع إغلاق مضيق هرمز لفترة طويلة، قد يؤدي إلى تراجع حاد في اقتصاديات دول الخليج، مشيرا إلى احتمال انخفاض الناتج المحلي في بعض الدول بنسبة تتراوح بين 20 و30 في المئة.
وأضاف أن قطاع السياحة، الذي يمثل جزءا مهما من اقتصاديات المنطقة، بدأ بالفعل في التراجع، ما ينذر بانتقال الأزمة من مرحلة التعطيل إلى الانكماش الاقتصادي.
وفي ما يتعلق بالموقف الأمريكي، اعتبر بيب أن ترامب يواجه ضغوطا تجعله أقل استعدادا للتراجع، مشيرا إلى أن رفض الهزيمة قد يدفعه إلى الاستمرار في التصعيد رغم كلفته. ولفت إلى أن التجارب التاريخية تظهر أن القادة في مثل هذه الظروف يميلون إلى تصعيد الأزمات بدلا من احتوائها.
وتوقع خبراء عسكريون (بحسب ما نقلته "فوكس نيوز") أن تعلن إيران نفسها قوة نووية بحلول نهاية عام 2026، مستغلة حالة عدم اليقين السياسي في الولايات المتحدة.
وتصف التحليلات الغربية والشرقية الوضع الحالي بأن إيران فرضت "ردعا جغرافيا" جديدا، متحولة إلى مركز قوة عالمي رغم الضغوط العسكرية الغربية.
ويوم الأحد 12 أبريل 2026 أفادت صحيفة "وول ستريت جورنال" نقلا عن خبراء: إيران تحتفظ بأدوات صنع القنبلة النووية رغم القصف الأمريكي الإسرائيلي، وأكد مسؤولون وخبراء أن إيران خرجت من خمسة أسابيع من القصف الأمريكي والإسرائيلي المكثف ومعها معظم الأدوات التي تحتاجها لصنع قنبلة نووية سليمة، مانحة مفاوضيها ورقة ضغط إضافية.
ووفقا لصحيفة "وول ستريت جورنال"، بينما اكتسبت إيران نقطة قوة اقتصادية جديدة من خلال سيطرتها على مضيق هرمز، كانت الولايات المتحدة وإسرائيل تركزان منذ فترة طويلة على منع طهران من الحصول على سلاح نووي. وكان إحباط الطموحات النووية الإيرانية أحد أهم أسباب واشنطن لخوض الحرب ولكن المخطط تعثر.
يوم الأحد 19 أبريل 2026 وفي مشهد جديد يعكس توتر العلاقة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ووسائل الإعلام خاصة الأمريكية التي يتهمها بنشر ما يصفه بالأخبار الكاذبة عن تعثر الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ووصفها تصريحاته بالمتناقضة والبعيدة عن الواقع، رفض الرئيس الأمريكي الإجابة على سؤال طرحته أوليفيا رينالدي مراسلة "سي بي إس نيوز" حول تقارير عن إطلاق زوارق إيرانية النار على سفن في مضيق هرمز ونجاحها في التحكم بالممر البحري رغم تأكيدات البيت الأبيض عن تصفية البحرية الإيرانية. ويظهر الفيديو الذي نشرته "سي بي إس نيوز" مراسلتها وهي تسأل ترامب حول استهداف إيران سفنا في مضيق هرمز في وقت يعلن فيه البنتاغون إحكامه الحصار على الخليج، الأمر الذي دفع ترمب ليشير إلى موظفة بالبيت الأبيض وهو يقول (out) في أمر لإخراج الصحفية من القاعة. وجاء السؤال في توقيت حساس، بعد إعلان مركز عمليات التجارة البحرية البريطاني رصد هجمات على سفن في المضيق ترفض الرضوخ للتعليمات الإيرانية، وهو ما عززته لاحقا تأكيدات عسكرية بريطانية عن إطلاق زورقين إيرانيين النار على ناقلة.
جاء هذا بعد أن أفادت صحيفة "وول ستريت جورنال" يوم الأحد 19 أبريل 2026 بأن مستشاري ترامب يوصونه بأن يقلل من مقابلاته الصحفية، لأن مثل هذه المقابلات تزيد من إبراز الطبيعة المتناقضة لتصريحاته.
وذكرت مصادر الصحيفة أن المقربين من الرئيس الأمريكي نصحوه مرارا بتقليل تفاعله مع الصحافة. وقد وافق لفترة، ولكنه عاد إلى ممارساته السابقة. بل إن ترامب كان يمازح أحيانا المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت، قائلا لها إنه تحدث إلى صحفي وأطلعه على أخبار مهمة، وكان على ليفيت الانتظار لمعرفة ذلك من تقرير منشور.
وأشارت الصحيفة إلى أن ترامب يلجأ أيضا إلى "الارتجال" بشكل منتظم عند النشر على منصة "تروث سوشيال". فعلى سبيل المثال، صرح مسؤول أمريكي لم يكشف عن اسمه للصحيفة بأن منشورا نُشر في 7 أبريل، والذي هدد فيه بتدمير الحضارة الإيرانية، كان مرتجلا وليس جزءا من خطة للأمن القومي.
وأكدت مصادر "وول ستريت جورنال" أن الرئيس الأمريكي صرخ في وجه مساعديه لساعات بعد أن علم في أوائل أبريل أن طائرة مقاتلة أمريكية من طراز أف-15 قد أسقطت بصاروخ داخلإيران.
كما ذكرت الصحيفة نقلا عن مصادر أن ترامب عارض استيلاء الجيش الأمريكي على جزيرة خارك أو خرج في إيران، خشية أن تؤدي العملية البرية إلى خسائر فادحة في القوات الأمريكية.
يوم 16 أبريل ذكرت شبكة CNN الأمريكية أن الخطاب المتقلب والمتناقض للرئيس ترامب بات يثير قلقا متصاعدا داخل الأوساط السياسية الأمريكية، مشيرة إلى أن هذا الخطاب ينم عن ارتباك ويأس.
وقالت الشبكة في تقرير نشرته إن هذا التقلب يعكس في الوقت ذاته رغبة ملحة في التوصل إلى صفقة مع إيران بأي ثمن، لافتة إلى أن استراتيجية إبقاء الخصم في حالة من الغموض تبقى محدودة الجدوى في سياق التفاوض.
وأشارت إلى أن التحولات المتواصلة في مواقف ترامب سواء أكانت مقصودة أم لا تكشف مدى حاجته الماسة إلى إبرام هذه الصفقة، لا سيما في ظل الضغوط الداخلية المتمثلة في ارتفاع معدلات التضخم وأسعار الوقود، فضلا عن تصاعد حدة التمرد داخل قاعدة "ماغا" الشعبية الموالية له.
ويرى كاتب التقرير أنه يصعب الجزم بما إذا كانت التحولات المتواصلة في مواقف ترامب ناجمة عن شح الانتباه أو قصور في الذاكرة أو أسلوب مغاير في إدارة التفاوض.
ذكر أحد المحللين أن النصر بالنسبة لواشنطن قد يكون مجرد الخروج الآمن أو تحقيق الحد الأدنى من المصالح، مما يسمح لها بالانسحاب من جبهات خاسرة دون أن تفقد الدولة هويتها. في الغرف المغلقة حيث تصنع السياسة، نتوهم غالبا أن المحرك الأساسي هو لغة الأرقام وموازين القوى العسكرية، لكن الحقيقة أن الدول والجماعات لا تقاد فقط بالحسابات الباردة، بل بسرديات كبرى تمنح الفعل السياسي شرعيته الأخلاقية والتاريخية. المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه السرديات من بوصلة إلى سجن، حيث لا يعود القرار السياسي خيارا براغماتيا قابلاً للنقاش، بل يتحول إلى قدر محتوم أو واجب مقدس لا يمكن التراجع عنه دون انهيار الهيكل بالكامل.
غموض نوعية الأسلحة
يوم السبت 18 أبريل 2026 صعد مستشار قائد الحرس الثوري الإيراني، محمد رضا نقدي، من لهجة بلادة تجاه التطورات العسكرية، محذرا من أن استمرار المواجهة الحالية قد يدفع نحو "حرب عالمية".
وأكد نقدي أن إيران تحتفظ بخيارات تصعيدية كبيرة، مشيرا إلى أن بلاده قادرة على إطلاق صواريخ وطائرات مسيرة حديثة الإنتاج تعود إلى يناير 2026، في رسالة واضحة حول استمرار القدرات العسكرية وتطورها رغم الضغوط. وشدد على أن إنتاج الصواريخ والطائرات المسيرة لم يتوقف، بل يتواصل بوتيرة مستمرة.
وفي معرض رده على مزاعم استهداف البنية العسكرية الإيرانية، تساءل نقدي عن عجز الخصوم عن فتح مضيق هرمز، رغم ادعائهم تدمير القوة البحرية الإيرانية، معتبرا ذلك دليلا على بقاء القدرة العملياتية لطهران.
ووصف المستشار الإيراني الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأنه "متهور"، مؤكدا أن الشعب الإيراني لن يخدع في أي مسار تفاوضي. كما كشف عن امتلاك بلاده "أوراق لعب رابحة" لم تستخدم بعد، في تلميح إلى أدوات ضغط إضافية قد تدخل المعركة إذا تطلب الأمر.
وفي سياق متصل، أشار نقدي إلى أن ما وصفه بالتفوق الإيراني يرتكز بشكل أساسي على القوات البرية، مؤكدا أنها لم تدخل ساحة المواجهة حتى الآن، ما يعزز من رواية الاحتفاظ بقدرات غير مستخدمة.
ترتيب القوى العالمية
جاء في تحليل نشرته وكالة RT الروسية يوم 16 أبريل: يعتقد عدد من الخبراء الغربيين أن إيران ستخرج من حرب الأربعين يوما مع الولايات المتحدة وإسرائيل كدولة عظمى، فيما يرى آخرون أنها تحتاج لمزيد من الوقت للوصول إلى هذه المرتبة.
من جهة، يذهب الخبير السياسي والأستاذ في جامعة شيكاغو روبرت بيب إلى أن الحرب الأخيرة تحول إيران إلى "مركز قوة عالمي رابع" إلى جانب الولايات المتحدة والصين وروسيا، ويعود ذلك بشكل كبير إلى سيطرتها على مضيق هرمز وما يترتب عليه من نفوذ على إمدادات النفط العالمية.
الأستاذ في جامعة شيكاغو والخبير السياسي البارز جون ميرشايمر يرى من جانبه أن إيران برزت كـ"منتصر واضح" في الحرب، معتبرا أن الصراع الذي جرى كان بمثابة هزيمة استراتيجية كبيرة للولايات المتحدة، وأنه عزز موقف إيران في أي مفاوضات مستقبلية.
يضيف ميرشايمر، وهو أحد أهم منظري المدرسة الواقعية الهجومية في العلاقات الدولية، أن إسرائيل ضللت الولايات المتحدة ودفعتها إلى حرب لم تكن في مصلحتها الوطنية، وأنها الآن منيت بهزيمة إستراتيجية.
يتطرق إلى نفس المسألة اللورد بيتر ريكيتس، مستشار الأمن القومي البريطاني السابق، فيذكر أن إيران بعد الحرب "أقوى استراتيجيا"، بعد أن أثبتت قوتها وهشاشة جيرانها، بغض النظر عن الأضرار الاقتصادية والعسكرية التي لحقت بها.
أما الكاتب والمؤرخ الإيراني الأمريكي والأستاذ في جامعة بيل، فيعرب عن اعتقاده أن النظام الإيراني سيصمد ويتحول إلى شكل أكثر براغماتية، مندمجا في المنطقة وحائزا على اعتراف كقوة عظمى، بدلا من الانهيار.
بالمقابل، يذكر الأستاذ في العلوم السياسية والعلاقات الدولية أندرو لاثام أن النظام الإيراني، على الرغم من أنه قد ينجو وربما حتى يعزز سلطته داخليا، إلا أن قدراته الاستراتيجية، لا سيما برامجه النووية والصاروخية بعيدة المدى، قد تدهورت بشدة. من هذا المنظور، تبرز إيران، بحسب الخبير، كدولة ضعيفة لكنها باقية، إذ تضاءلت قوتها حتى وإن بقي النظام قائما.
بنفس الطريقة، يصف تقرير صادر عن مركز برشلونة للشؤون الدولية الموقف الإيراني الجديد بأنه "دفاعي، وأكثر عسكرة، وأكثر محدودية"، مشيرا في الوقت نفسه إلى أنه لم يعد قادرا على التأثير في المنطقة كما كان يفعل سابقا.
كما يشير الباحث والمحلل السياسي الإيراني الأمريكي البارز كريم سجادبور إلى أنه على الرغم من أن النظام الإيراني لم يسقط، إلا أنه أصبح أكثر عرضة للخطر وأكثر تشددا.
من جهة أخرى، يعلّق على الوضع القائم حاليا في المنطقة الخبير في الشؤون الأمريكية مالك دوداكوف، فيقول إن إيران، على الرغم من الخسائر المادية، أظهرت قدرتها على الصمود ومرونة نظامها خلال الصراع، مشيرا في الوقت نفسه إلى أنه يعتقد أن صورة إيران ترسخت كدولة لم تخسر، بل وربما انتصرت، إذ يعزز موقفها أنها واجهت قوتين عسكريتين نوويتين عظميين.
في الوقت نفسه، يرى دوداكوف أن الولايات المتحدة وإسرائيل فشلتا في تحقيق أهدافهما الأولية المتمثلة في إضعاف إيران وتغيير النظام، ما يسمح لطهران بالتحرك من موقع أكثر ثقة في المستقبل.
بطريقة مختلفة بعض الشيء، يعبر كيريل سيمينوف، الخبير في شؤون الشرق الأوسط، عن موقفه مشيرا إلى أن إيران تفتقر إلى القدرة على إجبار الولايات المتحدة وإسرائيل على الانسحاب من الصراع، معربا في الوقت نفسه عن اعتقاده بأن طهران تواجه الآن استراتيجية طويلة الأمد للتكيف مع الوضع المتغير، بدلا من فرض مكانتها كقوة عظمى على الفور.
إسرائيل الكبرى والتنين الصيني
إذا كانت حرب واشنطن على إيران استجابة لإنجاز مخطط تل أبيب في تدمير كل خصومها في الشرق الأوسط وبناء إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات، فإنها في نفس الوقت محاولة من الولايات المتحدة لحصار الصين ومنعها من التحول إلى القوة العالمية الأولى.
في نظر بعض المحللين تعتبر الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران استراتيجياً بمثابة استهداف غير مباشر للنفوذ الصيني، حيث تسعى واشنطن لتقويض حليف استراتيجي أساسي لبكين ضمن رؤيتها "للحزام والطريق" خاصة بعد النصر الأمريكي المرحلي في سوريا، وزعزعة استقرار أمن الطاقة الصيني، ومحاولة تحجيم صعود الصين الاقتصادي والجيوسياسي في الشرق الأوسط.
في نفس الوقت تسعى واشنطن لترويض أكبر لحلفائها في القارة العجوز بإجبارهم على الاعتماد على الشركات الأمريكية لتلبية حاجياتهم من الطاقة.
وكان المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية قد ذكر في أبريل 2026 إن أوروبا لم يتبق لديها سوى ما يكفي من إمدادات وقود الطائرات لمدة ستة أسابيع تقريبا.
الصين خرجت عن صمتها أو بالأحرى عن التصريحات المنضبطة في شأن حرب إيران، محذرة من العودة لقانون الغاب، عندما بدء الحصار الأمريكي لمضيق هرمز الذي جرى بموجبه منع أي سفن شحن قادمة من الموانئ الإيرانية من المرور عبر المضيق.
وجاءت هذه العبارة ضمن تصريحات أدلى بها الرئيس الصيني شي جينبينغ خلال لقائه نظيره الإماراتي محمد بن زايد، من دون أن يذكر صراحة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لكنه قال إن القانون الدولي لا يمكن تطبيقه انتقائيا أو يجري تجاهله عندما لا يكون مناسبا، وذلك إشارة واضحة إلى ترامب الذي قال خلال مقابلة صحافية في يناير 2026 "أنا لست بحاجة إلى القانون الدولي"، مضيفا أنه سيكون الحكم في تحديد متى تنطبق القيود القانونية الدولية على أفعاله، مستذكرا "أنا لا أسعى إلى إيذاء الناس".
وتيرة الانهيار
في متابعتها للحرب التي تشنها الولايات المتحدة -إلى جانب إسرائيل– على إيران، تبدو الصين وكأنها تستلهم مقولة شهيرة منسوبة لنابليون بونابرت مفادها "لا تقاطع عدوك أبدا وهو يرتكب خطأ"، وتراهن على أن تلك الحرب ستسرع وتيرة الانحدار الأمريكي، وتمنح بكين فرصة إستراتيجية كبرى.
ذلك هو تقدير المجلة البريطانية الإيكونوميست في تحليل لها بتاريخ 2 أبريل 2026 لإستراتيجية الصين وحساباتها في التعاطي مع الحرب على إيران، التي شنتها أمريكا وفق حسابات إستراتيجية تهدف لإضعاف خصم إقليمي وإنهاء طموحاته النووية، وتوجيه رسالة حازمة إلى بكين.
وأوضحت المجلة أنه من خلال استعراض السيطرة المطلقة على شرايين الطاقة العالمية، وإبراز التباين بين التفوق العسكري الأمريكي والصمت الصيني، كان من المفترض أن تكون الحرب على إيران بمثابة رادع نهائي للصين الصاعدة.
لكن بعد مرور شهر على بدء الحرب، تشير الرؤية من بكين إلى أن واشنطن قد ارتكبت خطأً تاريخيا، وتنقل المجلة عن دبلوماسيين وباحثين ومسؤولين في بكين قولهم إن الصين لم تشعر بالارتباك، بل إنها تراقب الموقف بارتياح وهدوء.
وتكتب المجلة -في افتتاحية لها- أنه التزاما بالمقولة الشهيرة المنسوبة إلى نابليون بونابرت "لا تقاطع عدوك أبداً وهو يرتكب خطأً"، تراهن بكين على أن هذه الحرب ستسرع وتيرة الانحدار الأمريكي، بينما تمنح الصين فرصة إستراتيجية كبرى.
وحسب مسؤولين صينيين، فإن الحرب في إيران جاءت لتثبت صحة سياسات الرئيس الصيني شي جين بينغ الذي واجه لسنوات انتقادات داخلية وخارجية بسبب إعطائه الأولوية للأمن القومي والاعتماد على الذات على حساب النمو الاقتصادي.
فبينما تتعثر الملاحة في مضيق هرمز، أثبتت قرارات الرئيس شي الاستباقية بتخزين النفط الخام -الذي وصل حالياً إلى احتياطي إستراتيجي قدره 1.3 مليار برميل- والتنويع السريع لمصادر الطاقة نحو الطاقة النووية والشمسية والرياح، أنه يعتمد رؤية بعيدة المدى.
وكانت وكالة "رويترز" قد أفادت يوم الخميس 16 أبريل أن الصين واصلت بناء أكبر مخزون من النفط الخام في العالم خلال مارس 2026، حتى في وقت بدأ باقي العالم السحب من المخزونات لتعويض فقدان ملايين البراميل نتيجة الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، وبحسب حسابات مستندة إلى بيانات رسمية فقد بلغ فائض النفط لدى الصين، أكبر مستورد للخام في العالم، حوالى 1.74 مليون برميل يوميا خلال مارس، وبلغت وارداتها من النفط الخام 11.77 مليون برميل يوميا في الشهر ذاته، وبلغ الإنتاج المحلي 4.49 مليون برميل يوميا، وبلغت طاقة التكرير 14.52 مليون برميل يوميا، مما ترك فائضا مقداره 1.74 مليون برميل يوميا متاحا للتخزين.
وتوضح المجلة أنه في الوقت الذي يدفع الغرب ثمن "التهور" من خلال الارتفاع الصاروخي في تكاليف الطاقة، فإن الصين توفر لنفسها حائط صد عبر تسهيلات تجارة النفط الإيراني والاعتماد على الفحم المحلي.
ويراهن الرئيس شي على خطة مفادها أنه بينما تستخدم أمريكا النظام المالي والعسكري العالمي كسلاح، تعمل الصين على بناء نظام بديل ومستقل محصن ضد مثل هذه الصدمات.
مستنقع إيران
وينظر الخبراء الصينيون إلى التدخل العسكري الأمريكي في إيران ليس كعرض للقوة، بل كـ"تخبط" وتراجع في القوة، وهم يرون في تلك الحرب غياباً لضبط النفس وانعداما تاما لخطة "اليوم التالي"، وبالتالي فإن بكين لا تخشى انتصار أمريكا، بل تتطلع إلى غرقها في مستنقع آخر بالشرق الأوسط يمتد لعقود.
وتتوقع بكين أنه مع استنزاف الموارد والأرصدة السياسية الأمريكية في الأزمة الإيرانية، ستتضاءل قدرة الولايات المتحدة على بسط نفوذها في بحر الصين الجنوبي أو الوفاء بالتزاماتها تجاه تايوان.
علاوة على ذلك، فإن الحلفاء الآسيويين الذين يعتمدون على الولايات المتحدة من أجل الاستقرار يعانون الآن من أضرار اقتصادية جانبية، مما قد يجعلهم أكثر حذرا من إغضاب الصين التي تبدو أكثر "موثوقية" و"واقعية".
وتتوقع بكين أن نهاية الحرب على إيران ستجلب سيلا من الفرص، فبصفتها شريكا موثوقا، تأمل بكين الفوز بعقود إعادة إعمار مربحة في منطقة الخليج العربي، ويتوقع من الدول التي أفزعها حصار مضيق هرمز أن تتوجه نحو تكنولوجيا الطاقة الخضراء الصينية، في وقت تقف فيه بكين مستعدة لتكون المزود الرئيسي لأمن الطاقة في العالم، بفضل فائض الإنتاج الهائل في ألواح الطاقة الشمسية وتوربينات الرياح والبطاريات.
وعلى الصعيد الدبلوماسي، تشعر بكين بضعف موقف واشنطن وتأمل أن يكون الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الضعيف أكثر مرونة في قمة مايو المقبلة مع الصين، بينما تهدف بكين للتفاوض على التراجع عن التعريفات الجمركية وضوابط التصدير.
كما تتطلع الصين لتخلّى الولايات المتحدة عن سياسة "الغموض الإستراتيجي" تجاه تايوان، سعياً للحصول على تصريح واضح منها يدعم "التوحيد السلمي"، وهي خطوة من شأنها أن تشكل تحولا جذريا في النظام العالمي، وفق منظور الإيكونوميست.
النظام والفوضى
ورغم ذلك التفاؤل، تشير المجلة إلى أن حالة من القلق تسود في الصين، إذ فوجئ الخبراء هناك باستخدام الجيش الأمريكي المتقدم للذكاء الاصطناعي في تنسيق العمليات الحربية بإيران، وهو ما ينبه الصين إلى إن الحرب تظل أمرا لا يمكن التنبؤ به، ويعزز حذر الرئيس شي بشأن أي غزو محتمل لتايوان.
من جهة أخرى تتخوف الصين من تفكك النظام العالمي بسبب أمريكا التي قد تتصرف كـ"قوة مارقة"، بينما تتطلع الصين للازدهار في ظل نظام عالمي مستقر.
وحسب الإيكونوميست، فإن الصين تراهن بقوة على افتراض أن أمريكا ستفشل في الازدهار وسط الفوضى التي خلقتها، في حين يشير التاريخ إلى أن أمريكا تمتلك قدرة فريدة على إعادة ابتكار نفسها وسط الاضطرابات، بينما تظل الصين قوة حذرة ومقيدة بالأيديولوجيا الحزبية.
وخلصت المجلة إلى أن الحرب على إيران غيرت العالم بالفعل، وربما ليس بالطريقة التي أرادتها واشنطن، لكن المستقبل قد يكون من نصيب أمريكا التي تتكيف مع حالة الاضطراب على حساب الصين التي تنأى بنفسها عن جميع أشكال الفوضى.
إستنزاف الدولار
يرى خبراء المال أن ربط اليوان المعنوي بالذهب، واستخدامه في تسوية صفقات النفط الإيرانية، يشكلان خطوات استراتيجية قد تؤثر بعمق في النظام المالي العالمي الذي تحاول واشنطن مواصلة التحكم به وميزان القوى الجيوسياسية.
برزت هذه القضية في سياق حرب الأربعين يوما التي اندلعت، ابتداء من 28 فبراير 2026، حيث استغلت طهران سيطرتها على مضيق هرمز الذي تمر عبره خمس تجارة النفط العالمية، وربطت عبور ناقلات النفط بالدفع باليوان الصيني في مؤشر عملي على تحول محتمل في آليات التبادل التجاري.
من جانبها، تعمل الصين بنشاط على تعزيز احتياطياتها من الذهب وتطوير بنيتها التحتية المرتبطة به، مثل بورصة شنغهاي للذهب وشبكة من الخزائن في إطار مشروع "ممر الذهب" الاستراتيجي داخل دول البريكس، الذي يهدف إلى ربط خزائن الذهب ونشاط إنتاج هذا المعدن الأصفر، الذي تتصدره الصين وروسيا.
رغم عدم تبني أي دولة في العالم حاليا "معيار الذهب" بشكل رسمي، فإن الصين تواصل شراء كميات ضخمة من الذهب لتعزيز قاعدتها من هذا المعدن، ومن ثم تدويل اليوان، ما يغذي التكهنات بوجود استراتيجية "يوان ذهبي" غير معلنة تهدف إلى تقليل الاعتماد على الدولار.
تعد الصين أكبر منتج وأكبر مستهلك للذهب في العالم، وتستعين ببورصة شنغهاي للذهب لتعزيز تداول اليوان مقابل الذهب، ما يجعله خيارا استثماريا دوليا جاذبا.
يرتبط الذهب تقليديا بالاستقرار، وقد يؤدي استخدامه كضمان إلى رفع الثقة في اليوان كعملة احتياطية. يكتسب ذلك أهمية خاصة في ظل تراجع حصة الدولار في الاحتياطيات العالمية، وبالتالي قد يحد ربط اليوان بالذهب من النفوذ الأمريكي على الاقتصاد الصيني والنظام المالي العالمي، بحيث لن يبقى الدولار المرجع الوحيد لليوان.
غير أن هذه العملية تواجه مخاطر مرتبطة بالتقلبات، إذ قد يتأثر سعر الذهب بالتذبذب، ما ينعكس على استقرار اليوان، إلا أن بكين تستخدم آلية المتوسط المتحرك لحساب سعر مرجعي مستقر، مع الأخذ في الاعتبار بيانات آخر مئتي يوم تداول، للحد من هذه المخاطر. إذا أصبح اليوان عملة "ذهبية"، فمن المرجح أن يشكّل بديلا لنظام الدولار، وإن كان من غير المرجح أن يحل محله بالكامل. يعتقد بعض الخبراء أن ذلك قد يؤدي إلى ظهور "ركيزة عالمية ثانية"، تنهي احتكار الدولار، لكن احتياطيات الذهب العالمية المحدودة قد تعيق التحول الواسع النطاق إلى "يوان ذهبي".
أما قرار إيران بربط صفقات النفط باليوان والعملات المشفرة، وخصوصا لدفع رسوم مرور السفن عبر مضيق هرمز الذي يمر عبره جزء كبير من تجارة النفط، فيأتي ضمن اتجاه أوسع نحو استخدام اليوان في معاملات النفط، لا سيما في ظل العقوبات الأمريكية.
تاريخيا، كان النفط يتداول بالدولار، ما عزز مكانته، وقد يؤدي التحول إلى اليوان في المعاملات الرئيسة إلى تقويض هيمنة الدولار في قطاع الطاقة.
بالمقابل، قد تعزز زيادة حصة اليوان في معاملات النفط مكانته كعملة للتجارة الدولية والاحتياطيات. تكمن أهمية المبادرة الإيرانية في إظهار وجود بدائل عملية لنظام الدولار، وقد يشجع ذلك دولا أخرى على التخلي عن الدولار، خاصة أن التسويات باليوان تسمح بالالتفاف على العقوبات الأمريكية، لأن الصين هي أكبر مشتر للنفط الإيراني.
بعض الخبراء يحذرون من أن قرار إيران قد ينظر إليه على أنه تحد مباشر للولايات المتحدة، لا سيما في سياق الصراع العسكري المحتدم في المنطقة منذ صيف عام 2025، ما قد يزيد من حدة وشراسة هذا الصدام العسكري مستقبلا.
يكمل ربط اليوان بالذهب واستخدامه في معاملات النفط الإيرانية بعضهما بعضا، فكلما تعزز اليوان بفضل دعمه بالذهب، ازدادت جاذبيته للدول الأخرى، بما فيها تلك المشاركة في معاملات النفط.
قد تعزز معاملات النفط اليوان الصيني وقد يسرع الانتقال إلى "اليوان الذهبي" من هذه العملية، إلا أن هاتين العمليتين، بحسب الخبراء، تعتمدان على عوامل عديدة منها الوضع الجيوسياسي واستقرار الاقتصاد الصيني، وردود فعل الدول الأخرى والمؤسسات المالية الدولية، ما يجعل التنبؤ بدقة بالعواقب طويلة الأجال، أمرا في غاية الصعوبة.
أليكسي غرومسكي، الخبير الروسي البارز في وكالة الاتصالات السياسية والاقتصادية، يعتقد أن تسوية تعاملات النفط باليوان تشكل خطرا على إيران نفسها، لأن ذلك قد يجعل منها، على المدى القصير، الهدف الأول للولايات المتحدة.
في نفس الوقت، أشار الخبير إلى أن تعزيز اليوان في تجارة النفط يعتبر فرصة للخروج من "ظل الدولار" وتحويل العملة الصينية إلى إحدى أدوات التسوية الرئيسة في الشرق، لكنه يأتي مع بعض المخاطر، وذلك لأن "كل شحنة جديدة من النفط باليوان تجعل الصين مركزا لنظام مالي بديل. لكن سرعة هذه العملية، إذا اتخذت إيران مثل هذه الخطوة، تزيد من المخاطر. كلما ارتفع اليوان، كلما طالب العالم بصوت أعلى بكين بأن تلتزم بالقواعد العامة وتندمج بشكل أوثق في النظام المالي العالمي".
بالمقابل، لفت الخبير في الشؤون الأمريكية ألكسندر أنتوشين إلى أن النظام المالي العالمي تغير كثيرا على مدى السنوات الثلاثين الماضية، وأن ذلك ابتعد كثيرا عن احتكار الدولار.
وأوضح أنتوشين في هذا السياق أن "الدولار في تسعينيات القرن الماضي لم يكن له بديل. أما الآن، فنرى أن بعض أجزاء السوق المالية العالمية تكتسب فيها العملات شعبية تدريجيا، مثل اليورو، وكذلك اليوان والروبية الهندية. لقد ساهمت روسيا، من خلال عملية إزالة الدولرة، بشكل كبير في الوضع الحالي. هذه عملية بطيئة جدا، ولا داعي لانتظار النتيجة غداً. ولكن بالنظر إلى أن إلغاء الدولرة يمثل خطراً على ترامب، وهو ما ذكره هو نفسه مراراً، فإن هذه الصورة تبدو غير سارة للغاية بالنسبة لإدارة البيت الأبيض الحالية".
حرب وصفقات
وجه النائب الديمقراطي الأمريكي ريتشي توريس يوم الثلاثاء 14 أبريل رسالة إلى الجهات المنظمة للأسواق الأمريكية حث فيها على إجراء تحقيق في صفقات نفط ضخمة تمت قبل ساعات قليلة من إعلان ترامب عن وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، وهو تقرير كانت رويترز أول من أورده.
وحث توريس رئيس لجنة الأوراق المالية والبورصات بول أتكينز ورئيس لجنة تداول السلع الأولية الآجلة مايكل سيليج على فتح تحقيق مشترك في تلك الصفقات. وكتب توريس رسالة إلى الجهات التنظيمية للمطالبة بإجراء تحقيق في الأنشطة التجارية المربحة التي جرت في الآونة الأخيرة في أسواق النفط في مارس.
وأفادت رويترز في الثامن من أبريل بإبرام مستثمرين، في غضون دقيقة واحدة، في اليوم السابق صفقات تراهن على انخفاض سعر النفط بقيمة تقارب 950 مليون دولار قبل ساعات قليلة من إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وقف إطلاق النار أسبوعين مع إيران، وهو ما أدى إلى هبوط العقود الآجلة للنفط الخام بنحو 15 بالمئة عند بدء التداول العادي في الثامن من أبريل.
وقال توريس في رسالته "إذا كانت هذه المعلومات دقيقة، فإن توقيت هذه الصفقات وحجمها يستدعيان فحصا فوريا".
وعبر ديمقراطيون آخرون عن قلقهم إزاء الصفقات التي تتم في توقيتات محددة حول الأحداث السياسية الأمريكية الكبرى. ودعت السناتور الديمقراطية إليزابيث وارن، أكبر عضو ديمقراطي في لجنة البنوك بمجلس الشيوخ، والسناتور شيلدون وايت هاوس في رسالة صدرت يوم الجمعة 17 أبريل الهيئات التنظيمية إلى التحقيق في صفقات السلع الأولية والأسهم الكبيرة بنحو غير معتاد والتي سبقت قرارات البيت الأبيض الكبرى مباشرة بشأن إيران وفنزويلا والرسوم الجمركية.
وارتفعت أسعار النفط في معاملات شديدة التقلب بنحو 40 بالمئة لتتجاوز 100 دولار للبرميل منذ اندلاع الحرب مع إيران.
الحصار المكتمل
يوم السبت 18 أبريل هددت جماعة "أنصار الله" (الحوثيون) في اليمن، بإغلاق مضيق باب المندب بشكل كامل أمام الملاحة الدولية، في تصعيد يربط أمن الممرات المائية بمسار السياسات الأمريكية في المنطقة.
ولوحت صنعاء، بإغلاق مضيق باب المندب، موجهة تحديا إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وأكد القيادي في اليمن، حسين العزي، قدرة الحوثيين على فرض إغلاق للمضيق لا يمكن تجاوزه، مطالبا الإدارة الأمريكية والمجتمع الغربي بتغيير سياساتهما تجاه القضايا اليمنية والإقليمية في فلسطين ولبنان وغيرهما.
وقال حسين العزي، إنه "إذا قررت الجماعة إغلاق باب المندب فإن الكل سيكونون عاجزين تماما عن فتحه".
وأضاف العزي عبر منصة "إكس" أنه "من الأفضل لترامب والعالم المتواطئ الإنهاء الفوري لكل الممارسات والسياسات المعيقة للسلام، وإظهار الاحترام المطلوب لحقوق شعبهم وأمتهم".
نفوذ واشنطن في الشرق الأوسط
نشرت "ناشيونال إنترست" تقريرا في منتصف شهر أبريل كتبهجيمس هولمز تساءل فيه عن مستقبل نفوذ واشنطن في الشرقالأوسط قال فيه:
بغض النظر عن وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في 8 أبريل 2026، فإن المؤشرات تنذر بالسوء بالنسبة لموقف البحريةالأمريكية على المدى الطويل في الشرق الأوسط وخارجه. فحتىلو نجحت إدارة ترامب في التوسط لإحلال سلام دائم عقب وقفإطلاق النار - وهو ما يرغب فيه بشدة - فمن شبه المؤكد أن قيادةالبحرية والقيادة المركزية الأمريكية، الجهة المشرفة إقليميا،ستترددان في إرسال سفن حربية إلى الخليج العربي فيالمستقبل المنظور.
وقد أظهر شهر من الحرب، بلا شك، أن السفن قد تحاصر فيالخليج وتُهاجم بنجاح في حال تجدد القتال. وهذا قد يحدث فيأي لحظة. ومن الواضح أن إيران تتمتع بميزة جغرافية دائمة لاتتزعزع على مضيق هرمز. وبينما تُشير معظم التقارير إلى أنالعمليات الأمريكية والإسرائيلية قد دمرت البحرية والقوات الجويةالإيرانية النظامية، فإن الحرس الثوري الإسلامي غير النظامي لايزال يحتفظ بمجموعة متنوعة من أسلحة "أسطول البعوض" المضادة للوصول.
وتشمل هذه الأسلحة المزعجة ذات التأثير الضار زوارق مسلحةتعمل مع زوارق أصغر حجما أو حتى مراكب الصيد الشراعية،القادرة على زرع الألغام في الممر المائي المتنازع عليه. كما تشكلالصواريخ المضادة للسفن والطائرات المسيرة جزءًا من ترسانةالحرس الثوري الإيراني.
ومن الجدير بالذكر أن قادة الحرس الثوري الإيراني يتمتعونبنفوذ كبير على السياسة الإيرانية، ما يمكنهم من إعادة نشر هذهالأسلحة المزعجة دون رادع.
باختصار سيظل المرور عبر المضيق مشكلة معقدة طالما بقيتالجمهورية الإسلامية قائمة، وتشير التوقعات إلى أنها ستبقى. كما أن احتمال إغلاق هذا الممر المائي الاستراتيجي مجددا يعنيأن البنتاغون والبيت الأبيض قد يعيدان النظر في مكانة البحرينكمركز رئيسي للأسطول.
وتتمتع هذه الدولة الجزيرة، الحليف القوي والراسخ للولاياتالمتحدة ومقر الأسطول الخامس للبحرية الأمريكية، بقدرة دعملوجستي هائلة - من التزود بالوقود والتسليح والإمداد - وستصبحموردا قيما إذا انسحبت البحرية من الخليج بشكل شبه دائم.
هناك نتيجتان رئيسيتان لهذا الأمر - إحداهما سيئة، والأخرىسيئة للغاية:
ماذا لو فقدت أمريكا وجودها البحري في الشرق الأوسط؟
أولاً، يتمثل الجانب السلبي في تحول منطقة الخليج العربي إلىساحة جوية في المقام الأول إذا لم تتمكن البحرية الأمريكية منالوصول إلى شركائها في مجلس التعاون الخليجي عبر البحر. وفي هذه الحالة، سيقتصر وصول القوات الأمريكية إلى المنطقةعلى النقل الجوي. وهذا بدوره سيحد من الوجود البري الأمريكيفي الخليج. ففي نهاية المطاف، لا تستطيع أكبر طائرات النقلاستيعاب سوى جزء ضئيل من القوات والبضائع التي تستطيعسفينة نقل برمائية حملها.
كما أن لهذا التحول الجيوسياسي دلالات دبلوماسية. فاستبدالالنقل الجوي بالنقل البحري قد يحد من قدرة الولايات المتحدة علىإظهار التزامها بحماية حلفائها العرب في الخليج. وسواء كان ذلكصوابا أم خطأً، فإن نوع وحجم الموارد العسكرية التي احتفظتبها الولايات المتحدة تاريخياً في البحرين يمثلان التزاماً ملموساً. فحتى الحليف المهيمن لا يمارس سوى نفوذ متوسط على حلفائهعندما يخصص قوة متوسطة للقضية. وقد تتراجع حكومات مجلسالتعاون الخليجي عن شراكتها مع واشنطن.
ثانياً، يتمثل الجانب الأسوأ في تخيّل تأثير التخلي عن الوصولإلى مركز البحرين البحري على استراتيجية الولايات المتحدة فيتمركز قواعدها البحرية حول المحيط الأوراسي. وتجاوز البحرينسيحطّم الحلقة المركزية في سلسلة القواعد البحرية الأمريكيةالممتدة من اليابان إلى جبل طارق وصولًا إلى شمال المحيطالأطلسي.
وستكون التداعيات الجيوسياسية لمثل هذه الخسارة حادة ومزمنة. وقد لاحظ نيكولاس سبايكمان، خبير الجغرافيا السياسية فيجامعة ييل، أنه لكي تُؤثر قوة بحرية عالمية كالبحرية الأمريكية فيمجريات الأحداث في "المناطق الحدودية" المحيطة بالقارةالأوراسية، يجب أن تكون قادرة على انتزاع السيطرة على"البحار الهامشية" حول المحيط القاري من خصومها المحليين.
لقد كان على أي قوة بحرية مهيمنة أن تصل إلى المناطق الحدوديةلتُشع نفوذها فيها، كما رأى سبايكمان. وللوصول إلى هناك، كانعليها السيطرة على البحر.
إن الخليج العربي ويعد أحد هذه الممرات البحرية الهامشية، وإذاعجزت الولايات المتحدة أو امتنعت عن السيطرة على الخليجالعربي فستفقد نفوذاً كبيراً في الشرق الأوسط. ورغم أن القوةالجوية والقوة البرية المحمولة جواً قد تعوض ذلك جزئياً، إلا أنالقوات الأمريكية المشتركة ستفقد جزئياً قدرتها على شن عملياتفي المحيط الهندي إذا اضطرت للعمل من مواقع بعيدة كأسترالياأو من حلفاء في جنوب شرق آسيا أو شرقها.
انهيار العلاقات الأمريكية مع الناتو
هذا أمر مقلق بما فيه الكفاية. لكن التوتر المستشري في علاقاتواشنطن مع الناتو قد يُفاقم الأمور أكثر، مزيدا من تدهور جهودالتحالف. وقد تستمر بريطانيا في منع الوصول إلى قاعدتها فيدييغو غارسيا، مما يضعف قدرة الجيش الأمريكي على شنعمليات في المحيط الهندي، فضلًا عن مناطق نفوذه الأخرى مثلبحر العرب وخليج عدن. ومن بين مرافق الدعم البديلة في جنوبآسيا، لا يمكن لدييغو غارسيا ولا معسكر ليمونير، القاعدةالأمريكية في جيبوتي، أن يغنيا عن البحرين.
لكن الأمور قد تزداد سوءا في حال حدوث انفصال جزئي أو كاملبين الولايات المتحدة والناتو، إذ سيصبح وضع البحرية الأمريكيةفي البحر الأبيض المتوسط وشمال المحيط الأطلسي محفوفًابالمخاطر دون قواعد في اليونان وإيطاليا وإسبانيا والبرتغال.
ومن المرجح أن تسمح إسرائيل بالوصول إلى موانئها، لكن هذاالوصول سيمثّل في أحسن الأحوال بديلًا جزئيًا عن المنشآتالبحرية الأوروبية القديمة والمجهزة تجهيزا جيدا. وسيؤدي ذلكإلى ترك أي قوة بحرية متمركزة في الموانئ الإسرائيلية تحتتهديد الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية في حال تجددالأعمال العدائية.
يمثل تمركز القوات الإسرائيلية تحسناً مقارنةً بحصر السفن فيخليج قد يشهد حرباً، ولكنه يبقى بعيداً عن الحل الأمثل.
طرق "التحول نحو آسيا".
في هذا السيناريو الكارثي - إذا ما أدت الأحداث إلى انهيارسلسلة القواعد الممتدة غرباً وشمالاً من سنغافورة وأستراليا - فإنالاستراتيجية البحرية الأمريكية ستتخذ طابعاً يركز على نصفالكرة الغربي وغرب المحيط الهادئ، بافتراض استقرار العلاقاتمع حلفاء المحيط الهادئ وتأمين الوصول إلى القواعد.
ويتوافق هذا التوجه مع الأولويات الإقليمية المحددة فياستراتيجية الأمن القومي لعام 2025 واستراتيجية الدفاعالوطني لعام 2026، اللتين تضعان الأمريكتين في صدارةأولويات الولايات المتحدة الإقليمية، مع تصويرهما في الوقت نفسهغرب المحيط الهادئ - في مواجهة الصين تحديداً - كجزء لا يتجزأمن الأمن والازدهار في نصف الكرة الغربي.
إن قيام الحلفاء بتفكيك الوجود الأمريكي في أوراسيا سيكونبمثابة طريقة عشوائية للغاية لتحويل القوات المسلحة الأمريكيةإلى المحيط الهادئ، كما تعهدت وزارتا الخارجية والدفاع في عهدأوباما قبل نحو 15 عاما. ولكن هذا السيناريو وارد.
وينبغي على حلفاء الولايات المتحدة وشركائها وأصدقائها التفكيرمليا في هذا الأمر. فخروج الولايات المتحدة سيؤدي إلى سحبقوتها البحرية من شمال المحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسطوالبحر الأحمر والمحيط الهندي، تاركًا القوى الإقليمية تُعنىبالأمن والازدهار في مياهها الإقليمية.
وقد يكون الأسطول الهندي المتنامي مستعدا لتولي مسؤولية المياهالمتاخمة لشبه القارة الهندية. إضافة إلى أن نيودلهي تتطلع إلىمكانة القوة المهيمنة على منطقة المحيط الهندي. ولكن هل قواتالناتو البحرية مؤهلة لتولي مسؤولية المياه المتاخمة للسواحلالأوروبية؟ وهل حكومات الناتو مستعدة لذلك؟
لقد قلبت الحرب الإيرانية موازين القوى الجيوسياسية وسياساتالتحالفات رأسا على عقب. وينبغي على كل من أمريكا وحلفائهاوشركائها وأصدقائها في الخارج التريث والتفكير مليًا فيالتداعيات الخطيرة المحتملة لهذه الأحداث المؤسفة الأخيرة.
الحل الأمثل
أمام خطر تقلص النفوذ والوجود الأمريكي العسكري والسياسيفي منطقة الخليج العربي وأمام الأخطار التي ستزيد على الكيانالصهيوني تطرح أفكار عن تكوين تحالفات اقليمية جديدة وفيهذا الاطار وبتاريخ 19 أبريل 2026، سلط الإعلام التركي الضوءعلى تصريحات السفير الأمريكي لدى أنقرة والمبعوث الأمريكيلسوريا، توم باراك، التي اعتبر فيها أن تحالف إسرائيل مع تركياهو "الحل الأمثل" لرفاهية شعوب المنطقة.
فقد دعا توم باراك، خلال مشاركته في إحدى فعاليات منتدىأنطاليا الدبلوماسي، إلى تخفيف حدة التوتر بين أنقرة وتل أبيب،واصفا الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بأنه "قائد عظيم"،ومعتبرا أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو "يفعل مايراه ضروريا لبلاده"، وفق ما نقل مراسلنا.
وأكد، توم باراك أن تركيا "قوة لا ينبغي الاستهانة بها أبدا"،مشددا على أن تحالفا بين إسرائيل وتركيا يمثل "الحل الأمثل" لازدهار شعوب المنطقة، مع توقعه أن الخطاب العدائي بينالجانبين سيتلاشى مع مرور الوقت.
وتناولت وسائل الإعلام التركية خصوصا الجزئية التي انتقد فيهاتوم باراك، الدور الذي تلعبه وسائل الإعلام في تأجيج المخاوفالمتبادلة، موضحا أنه "عندما تستيقظ في تل أبيب وتقرأالصحيفة، ترى خريطة لـ"الإمبراطورية العثمانية" التي تمتد منفيينا إلى جزر المالديف، وهذا هو التصور السائد في إسرائيلحول ما يمكن أن تكون عليه تركيا"، مقابل سردية معاكسة فيإسطنبول تصور فيها "إسرائيل الكبرى" بالامتداد نفسه. واعتبرأن هذه الخرائط والخطابات القصوى تغذي وهم الصدامالتاريخي، بينما "الحل الذكي"، على حد تعبيره، يكمن في إدماجتركيا في المنظومات الأمنية والاقتصادية الإقليمية بدل التعاملمعها كخصم دائم.
ويشهد التوتر بين إسرائيل وتركيا تصعيدا في الخطاب السياسيوالإعلامي، لكنه يظل حتى الآن محصورا في ساحات النفوذوالتحالفات. ويتمظهر التنافس أساسا في ثلاث ساحات: سوريا،حيث تتقاطع أدوارهما العسكرية والأمنية وشرق المتوسط،خصوصا في ملفات الغاز وترسيم الحدود البحرية؛ إضافة إلىملف غزة. ورغم التصعيد، يحاجج باراك بأن تركيا "ليست دولةيمكن الاستهانة بها" وأن تحالفا تركيا–إسرائيليا في الطاقةوالأمن يبقى من الناحية البنيوية أكثر جدوى من استمرار مناخالعداء، ما يعكس إدراكا لدى واشنطن بأن التنافس الجاري هوصراع على النفوذ في النظام الإقليمي.
عمر نجيب









