المواجهة العسكرية الصامتة بين بكين وموسكو وواشنطن في منطقة الخليج العربي.... هل نجحت إيران في صنع سلاح نووي؟ ومتى قد تستخدمه ؟

أربعاء, 2026-03-18 07:32

إلى أين تسير الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران؟. سؤاليطرح بإلحاح في كل بقاع الأرض خاصة وأن هذا الصراع فيآنه الزمن الحالي أو بالنسبة للنتائج التي ستترتب عنه سيكون لهاتأثيرات ضخمة سواء على الصعيد الإقليمي في الشرق الأوسطأو عالميا في ظل صراع يزداد خطورة وإتساعا لإعادة رسمخريطة التوازنات الدولية وشكل النظام العالمي القادم الذيسيختلف حتميا عن النظام الأحادي القطب الذي ساد بعد إنهيارالاتحاد السوفيتي مع بداية العقد الأخير من القرن الماضي والذيأخذ يتفتت تدريجيا مع الصعود السريع والقوي للصين واستعادةروسيا المتدرج لقوتها.

الحرب التي اندلعت يوم 28 فبراير 2026 وسط مناورة المفاوضاتفي مسقط بسلطنة عمان أولا ثم بعدها في جنيف، كان مخططالها حسب واضعيها في تل أبيب وواشنطن أن تكون خاطفةوحاسمة وأن تسفر أما عن سقوط النظام القائم منذ ثورة سنة1979 بعد تصفية القيادات العليا الإيرانية وتولي طبقة سياسيةجديدة القيادة في طهران تقبل المطالب الإسرائيلية الأمريكيةوتعيد إيران إلى المعسكر الغربي، وأما تسفر عن نشوب صراعداخلي بين مختلف الفصائل السياسية أو حرب داخلية تقودهابعض أطراف الأقليات العرقية في إيران مثل الأكرادوالأذربيجانيين وبالتالي إعادة رسم الخرائط في منطقة محوريةحساسة تفوق مساحتها كل غرب أوروبا وتشكل رابطا بين آسياوالشرق الأوسط المركز وأبعد من ذلك نحو القارة الأوروبية. 

في الرابع من مارس 2026 وبعد خمسة أيام من بداية الهجومخلصت أغلب مراكز الرصد إلى أن الرهان على نجاح الحربالخاطفة قد سقط، وتحول التساؤل إلى المدة التي ستأخذهاالحرب قبل أن تتوقف، هذا التساؤل رافقه آخر حول من سيكونأطول نفسا في المواجهة وشكل الخاتمة من الجانب السياسيوالدبلوماسي. 

منذ الأيام الأولى لاندلاع العمليات العسكرية الكبرى وكل الأطرافتتحدث عن ميل المواجهة لصالحها وقرب هزيمة الطرف الأخر،ولكن المعطيات المادية الظاهرة والواضحة والملموسة كانت تثبتغير ذلك حيث سجلت نقاطا أفضل للطرف الإيراني على حسابخصومه. 

الصورة في غاية الضبابية مع دخول الحرب أسبوعها الثالثواستمرار إيران في غلق والتحكم في مضيق هرمز وخلق أزمةطاقة واقتصادية عالمية غير مسبوقة وتكثيفها مع حزب الله اللبناني القصف ضد إسرائيل وكل المواقع الأمريكية والتيتعتبرها معادية في المنطقة واعتراف واشنطن بأن روسيا والصينالشعبية تساعدان إيران عسكريا في الحرب، وتلويح واشنطن وتلأبيب باستخدام السلاح النووي، وتعزز تقديرات عدد من كبارالخبراء عن تمكن طهران من صنع ما بين 8 و 11 قنبلة نوويةسوف تستخدمها في لحظة ما، ومواصلة حزب الله اللبناني قصفهالمكثف لإسرائيل واحتمال تدخل واشنطن عسكريا ضد الحزبفي لبنان، وظهور انشقاقات كبيرة في وسط الدوائر الحاكمة فيالبيت الأبيض حول الحرب ضد إيران، وتردد حلفاء الناتو فيالانضمام إلى واشنطن وتل أبيب في الحرب بل ودعوة أطراف منبينها ألمانيا لفتح مفاوضات مع طهران حول مضيق هرمز، اللائحةلا تنتهي. 

مع انتصاف شهر مارس 2026 تشير كثير من المصادر غربيةوشرقية إلى تزايد احتمال لجوء تل أبيب أو واشنطن إلى السلاحالنووي لحسم الحرب مع إيران ومنعها من مواصلة حربالاستنزاف ضدهما رغم ما قد يقوده ذلك إلى نشوب حرب عالميةثالثة كبرى، ولكن هناك ما قد يكون أخطر وهو لجوء طهران كذلكإلى الخيار النووي لإلحاق خسائر كبيرة بخصومها وخاصةإسرائيل. 

أكد ثيودور بوستول (Theodore Postol) هو فيزيائي أمريكيبارز عمل في القطاع النووي في البنتاغون الأمريكي وأستاذفخري في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT)، متخصصفي سياسات العلوم، التكنولوجيا، والأمن القومي. أن إيرانأصبحت عمليا قوة نووية خفية.

وقال بوستول: فكروا في الأمر بهذا الشكل: كل 40 كيلوغراما مناليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المئة يمكن أن تخصب بسهولةللحصول على حوالي 25 كيلوغراما من اليورانيوم المخصب بنسبة90 في المئة، وهي الكمية الكافية لصنع قنبلة نووية واحدة. وبماأن لدينا 460 كيلوغرام في إيران، فهذا يعني إمكانية إنتاج 10 قنابل نووية.

وأضاف بالتأكيد. "إذا كنت رئيس دولة مهددة، فعليك أن تجعلبلدك إيران دولة تمتلك أسلحة نووية غير معلنة – مثل إسرائيل. هذا له تداعيات كبرى على الاستقرار الإقليمي. السر فيالتخصيب هو أن برنامج الطاقة النووية يتطلب قدرة تخصيب أكبربكثير من إنتاج الأسلحة. وإذا كان لديك برنامج للطاقة النووية،فلديك القدرة الضمنية لصناعة القنابل. وبما أننا لا نعرف أينذهب اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المئة الآن، فأنا أعتبرإيران دولة نووية من الناحية العملية. وإن كنت مكان إسرائيل، لنأدفعهم إلى الزاوية. أي تهديد مباشر قد يعني سقوط قنبلة علىتل أبيب أو حيفا".

 

قنبلة واحدة 

 

مساء يوم الثلاثاء 10 مارس 2026 أكد المبعوث الخاص للرئيسالأمريكي ستيف ويتكوف، أن قنبلة نووية واحدة يمكن أن تقضيعلى إسرائيل.

وأضاف ويتكوف خلال مقابلة صحفية مع قناة "CNBC": "إسرائيل دولة يمكن أن يقضى عليها بقنبلة واحدة.. قنبلة واحدةقد تخرجها من الوجود.. ولهذا السبب يعد الأمر وجوديا بالنسبةلإسرائيل".

وتابع قائلا: "لكن يمكننا أيضا أن نرى الآن مع هذه الدرعالصاروخية الهجومية، أن إيران اضطرت بمعنى آخر إلى حمايةبرنامجها النووي عبر ما تفعله من فوضى واضطراب في المنطقةمع دول الشرق الأوسط".

وردا على سؤال كيف ترون نهاية هذه الحرب؟، صرح ستيفويتكوف "لا أعرف".

وأردف بالقول: "لكن ما أعرفه هو أن الرئيس ترامب ليس الشخصالمناسب للوقوف بوجهه أو تحديه.. هذا ما أعرفه".

وبخصوص مزاعم اقتراب إيران من امتلاك سلاح نوويوالمطالبات بعدم تحرك واشنطن ضد طهران لعدم وجود دليل، قالويتكوف: "أولا، كان لديهم 460 كيلوغراما من اليورانيوم المخصببنسبة 60 في المئة.. لا يوجد أي مبرر لوجود نسبة تخصيب 60 في المئة، لا يوجد أي مبرر على الإطلاق، إلا إذا كانوا يسعونلامتلاك سلاح".

وأضاف ويتكوف أن إيران لا تسعى حاليا إلى تسوية دبلوماسيةللنزاع مع الولايات المتحدة، مشيرا إلى وجود تناقض بينتصريحات طهران المعلنة وأفعالها على الأرض. وذكر ويتكوف فيمقابلة أخرى مع قناة "سي إن بي سي": "هل يريدون حقاتسوية دبلوماسية الآن؟ الأدلة المتوفرة تظهر العكس". أن الولاياتالمتحدة تعتقد أن تصرفات إيران "تتناقض مع تصريحاتها حولنبذ الأسلحة النووية". 

 

الانتقام من موسكو وبكين

 

يوم الجمعة 13 مارس أقر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فيمقابلة مع إذاعة "فوكس نيوز"، إنه يعتقد أن روسيا تساعد إيران"قليلا" في الحرب، لكنه أشار إلى دعم الولايات المتحدة إلىأوكرانيا كمبرر لذلك.

وأردف ترامب: "نعم، نحن نساعد (أوكرانيا) أيضا. لذلك، (بوتين) يقول ذلك، والصين ستقول نفس الشيء. كما تعلمون، الأمر كمالو كان: هم يفعلون ذلك ونحن نفعله. وبكل إنصاف، هم يفعلونذلك ونحن نفعله".

وكانت شبكة CNN قد ذكرت في وقت سابق أن روسيا تزود إيرانبمعلومات استخباراتية حول مواقع وتحركات القوات والسفنوالطائرات الأمريكية، وفقا لعدة أشخاص مطلعين على تقاريرالاستخبارات الأمريكية حول هذا الأمر.

ولكن وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث ذكر للصحفيين خلالإحاطة صحفية في البنتاغون بداية مارس، إن روسيا والصين "لاتعتبران عاملا حقيقيا في الحرب على إيران".

مصادر أخرى في العاصمة الألمانية برلين وفي آسيا ذكرت أنالصين زودت إيران بكثير من الأسلحة وخاصة صواريخمخصصة لمهاجمة حاملات الطائرات ومنها الصاروخ الصينيYj-20، في حين وردت أخبار أخرى عن وجود طيارين عسكريينمن كوريا الشمالية في قواعد إيرانية. 

في واشنطن انتقد بعض السياسيين تغاضي ترامب عن مساهمةموسكو وبكين في قتل أمركيين وطالبوا بالرد على ذلك. 

يوم السبت 14 مارس 2026 ذكرت صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية أن ترامب كان يعلم بالانعكاسات الخطيرة على مضيقهرمز ومضى قدما في الحرب. وحسب الصحيفة أبلغ العسكريونالأمريكيون وعلى رأسهم الجنرال دان كين رئيس الأركان ترامبقبل الحرب بأن الهجوم على إيران قد يدفعها إلى إغلاق مضيقهرمز وتلغيمه، وتعطيل أهم ممر ملاحي في العالم.

ولكن وفقا لمصادر تحدثت لصحيفة "وول ستريت جورنال"، أخبرترامب فريقه بأن طهران ستستسلم على الأرجح قبل إغلاقالمضيق، وأنه حتى لو حاولت، فإن الجيش الأمريكي قادر علىالتعامل مع الموقف.

وتضيف الصحيفة أنه الآن، بعد أسبوعين من بدء الحرب، يرفضقادة إيران التراجع، وقد برز مضيق هرمز كورقة الضغط الأقوىفي يد طهران. فقد منعت إيران الناقلات من عبور المضيقواستهدفت سفن الشحن، مما تسبب في قفزة بأسعار النفطوصدمة طاقية تموج عبر أرجاء العالم.

كما تكلف العملية الأمريكية مليارات الدولارات أسبوعيا، وعلىنطاق أوسع، فإن المخاطر المتزايدة لحرب موسعة ومطولة تهددالاقتصاد الأمريكي، مما يثير تحذيرات من ركود تضخميومستنقع ركود اقتصادي وتضخم مرتفع.

يوم الأحد 15 مارس وفي مؤشر على تراجع فرص نجاح العمليةالعسكرية الأمريكية الإسرائيلية كشفت وكالة رويترز للأنباء عنوجود صراع داخل البيت الأبيض يؤثر في الرسائل العلنيةالصادرة عن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن مسار الحربمع إيران، في ظل نقاشات محتدمة بين مساعديه حول توقيتوكيفية إعلان "النصر" رغم اتساع رقعة الصراع في الشرقالأوسط.

ونقلت الوكالة عن مستشار للرئيس وآخرين مطلعين علىالمناقشات أن بعض المسؤولين يحذرون من التداعيات الاقتصاديةللحرب، خاصة ارتفاع أسعار الوقود، في حين يضغط جناحمتشدد داخل الإدارة على ترامب لمواصلة العمليات العسكرية ضدطهران.

كما نقلت رويترز عن مصدر مطلع أن الرئيس ترامب شدد خلالمناقشات مغلقة على عدم رغبته في الانسحاب المبكر، مؤكداضرورة "إتمام المهمة"، وأضاف المصدر أن بعض مساعديهنصحوه بإنهاء الصراع بطريقة يمكن تصويرها على أنهاانتصار، ولو بقيت إيران قوة عسكرية كبيرة.

والمسجل أنه في وقت سابق، أشارت تقارير إعلامية إلى أن قضيةالحرب مع إيران قد قسمت إدارة ترامب إلى معسكرين، معارضللحرب بقيادة نائب الرئيس فانس والمساندين لإستمرارها بقيادة وزير الخارجية ماركو روبيو المتشدد. ويوصف هذا المأزق بأنه"مقدمة لانتخابات الرئاسة عام 2028".

ووفقا لصحيفة بيلد الألمانية، يميل ترامب إلى روبيو، متجاهلافانس بسبب موقفه الأكثر ميلًا إلى السلام.

وتزعم مصادر مطلعة في المجلة أن ترامب، خلال اجتماع مع كبارالمانحين، سأل عن أفضل خليفة له، وحظي روبيو بتأييد شبهإجماعي.

وكان ترمب قد أطلق العمليات العسكرية متعهدا بتحقيق أهدافواسعة، قبل أن يخفف في الأيام الأخيرة من سقف تلك الأهدافويصف الصراع بأنه حملة محدودة تحقق معظم أهدافها.

ويحذر المتشددون في البيت الأبيض أنه بدون تحقيق نصر واضحعلى إيران سينهار مشروع ترامب حول غزة وسوف يتحول مجلسالسلام الذي طرحه كبديل للأمم المتحدة إلى مشروع علىالهامش، كما أن هناك مخاوف من أن صمود إيران في المواجهةونجاح حزب الله اللبناني في إلحاق خسائر فادحة بتل أبيبسينسف خطة كانت ستعيد الحياة إلى حلم تل أبيب في التخلصمن غزة خلف ستار وعود بالسلام حيث تبخر المخطط مع أولقذيفة انطلقت من طهران.

 

حرب ضد وسائل الاعلام

 

يوم الأحد 15 مارس 2026 اتهم الرئيس الأمريكي طهرانباستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي بشكل ممنهج لبث معلوماتمضللة حول قدراتها العسكرية والحرب الدائرة في المنطقة. 

وذكر ترامب في منشور مطول على منصته "تروث سوشيال": "لقد عرفت إيران منذ زمن طويل بأنها خبيرة في التلاعبالإعلامي والعلاقات العامة. فهي ضعيفة وغير فعالة عسكريا،لكنها بارعة جدا في تغذية وسائل الإعلام الكاذبة بالمعلوماتالمضللة التي تتلقفها هذه الوسائل بامتنان".

وأضاف أن "تقنيات الذكاء الاصطناعي أصبحت سلاحا جديدالنشر المعلومات المضللة تستخدمه إيران بمهارة، رغم أنها تتعرضللتدمير يوما بعد يوم"، مشيرا إلى أن طهران عرضت مشاهدلقوارب "كاميكازي" تطلق النار على سفن، واصفا إياها بأنها"غير موجودة أصلا" وتهدف فقط لإظهار قوة وهمية لجيش "هزمبالفعل".

وفي معرض رده على تقارير إعلامية تحدثت عن أضرار لحقتبقوات أمريكية، نفى ترامب صحة الأنباء التي تداولتها صحفمثل "وول ستريت جورنال" حول إسقاط أو تضرر 5 طائراتتزويد بالوقود أمريكية، مؤكدا أن "جميعها ما تزال في الخدمة،باستثناء واحدة فقط ستعود قريبا إلى التحليق في السماء".

كما رفض ترامب صحة الصور التي زعمت تعرض حاملةالطائرات "يو إس إس أبراهام لينكولن" لحريق، قائلا: "الحقيقةأنها لم تكن تحترق أصلا، ولم تتعرض حتى لإطلاق نار، وإيرانتعرف جيدا عواقب فعل ذلك"، متهما إيران بتلفيق هذه المشاهدباستخدام الذكاء الاصطناعي.

وشن ترامب هجوما عنيفا على وسائل الإعلام الأمريكية، متهماإياها بنشر "أخبار كاذبة" بشكل متعمد، ودعا إلى محاسبةبعضها بتهمة "الخيانة". وأشاد بجهود بريندان كار، رئيس لجنةالاتصالات الفيدرالية (FCC)، في "مراجعة تراخيص بعض هذهالمؤسسات الإعلامية الفاسدة وغير الوطنية"، على حد وصفه.

واستهجن ترامب استفادة هذه الوسائل من "مليارات الدولاراتمن موجات البث الأمريكية المجانية" لاستخدامها في نشرالأكاذيب، ملمحا إلى أن برامج السهرة الترفيهية هي الأخرى"سخيفة" ويتقاضى مذيعوها رواتب ضخمة دون تحقيق نسبمشاهدة جيدة.

واختتم ترامب منشوره بتأكيد ثقته في قدرته على الفوز بأيانتخابات رئاسية قادمة "بفارق ساحق حتى لو حصلت على 5 في المئة فقط من التغطية الإعلامية الإيجابية، لأنهم ببساطةيفتقرون إلى المصداقية".

 

أمريكا لا تستفيد من نفط هرمز

 

يوم الأحد 15 مارس ومع صدور أخبار عن معاناة إسرائيلوخسائرها الكبيرة من ضربات إيران وحزب الله اللبنانيالصاروخية، أبقى الرئيس ترامب موقف بلاده غامضا بشأناحتمال الانخراط العسكري المباشر في مواجهة حلفاء إيران فيالمنطقة، وعلى رأسهم حزب الله في لبنان وجماعة أنصار الله فياليمن.

وعندما سئل عن إمكانية مشاركة القوات الأمريكية فعليا فيالقتال ضد هذه الأطراف، اكتفى ترامب بالقول: "لا أستطيعالإجابة عن هذا السؤال في هذه المرحلة"، من دون تقديم تفاصيلإضافية حول طبيعة الخطط العسكرية أو سقف التدخل المحتمل.

وحول الملاحة في مضيق هرمز دعا ترامب دول المنطقة إلىالمشاركة في المواجهة العسكرية ضد إيران، معتبرا أن حمايةالملاحة في مضيق هرمز تمثل مصلحة اقتصادية عالمية تستوجبتدخلا مباشرا. 

وقال ترامب في مقابلة القناة "14" العبرية، إن "الدول التي تعتمدعلى نفط الخليج هي التي ينبغي أن تنخرط في القتال والدفاع"،موضحا أن الولايات المتحدة، "لا تستفيد بشكل مباشر من النفطالذي يمر عبر المضيق".

وأضاف، أن إبقاء الممر البحري مفتوحا، يتطلب مشاركة عربية فيالعمليات، مشيرا إلى أن حرية الملاحة تمثل "هدفا استراتيجيايجب الحفاظ عليه في جميع الظروف".

ورغم مطالبته بدور إقليمي أوسع، أكد ترامب أن الولايات المتحدةلن تتخلى عن حلفائها، قائلا إن بلاده "ستكون موجودة لتقديمالمساعدة" في أي جهود تهدف إلى حماية حركة الشحن فيالمنطقة.

ومع تصاعد المواجهة العسكرية، شهدت حركة الملاحة عبر مضيقهرمز، تراجعا حادا حيث لا تسمح طهران سوى بمرور سفنالدول الصديقة، ما انعكس مباشرة على أسعار الطاقة ومستوىصادرات وإنتاج النفط في دول المنطقة.

وخلال الأسبوع الثاني من شهر مارس، تجاوز سعر خام برنتمستوى 119 دولارا للبرميل للمرة الأولى منذ يونيو 2022، مسجلاارتفاعا تراوح بين 29 و 31 بالمئة.

وفي موازاة ذلك، تحاول غالبية الدول الغربية احتواء الأزمةبإعلانها تصريف 400 مليون برميل من احتياطيها الإستراتيجيمن النفط ولكن هذه الخطوة لم تؤثر كثيرا خاصة أن صادراتالنفط من الخليج كانت تفوق 20 مليون برميل يوميا.

 

تصعيد نووي

 

يوم السبت 14 مارس صرح العقيد المتقاعد بالجيش الأمريكيدانيال ديفيس لوسائل الإعلام إن الولايات المتحدة في مأزقحقيقي بسبب عجزها عن فتح مضيق هرمز، مما يزيد من مخاطراستخدام الأسلحة النووية ضد إيران. 

وأضاف "نحن عالقون في موقف سيئ للغاية. لا يوجد مخرجواضح. نحن في ورطة حقيقية، فحتى لو واصل ترامب وإسرائيلقصفهم بالصواريخ، فلن يفتح ذلك المضيق".

وأشار ديفيس إلى أن عدم خضوع إيران للتهديدات الأمريكية قديدفع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى تصعيد النزاع إلىالمستوى النووي.

وأضاف "سيستسلم الرئيس ترامب لإغراء القول: ربما حان الوقتلقنبلة نووية صغيرة؟ ترامب لا يتحلى بالصبر. يحب الأمورالسريعة والسهلة، وعندما لا يتحقق ذلك، يهدد على الفور. قاللإيران مباشرة: لا يمكنكم اختيار قائدكم الأعلى، سأختار أناواحدا. فتجاهلوه ببساطة. وجه لهم ضربة غير مسبوقة، لكنهمتجاهلوه مرة أخرى. والآن ترامب مستاء، فهو ليس معتادا علىسماع كلمة "لا". إنه ليس معتادا على أن يقف الناس في وجهه".

يوم الخميس 12 مارس 2026 قال لاري جونسون المحلل السابقفي وكالة المخابرات المركزية الأمريكية إن إيران تمتلك مزاياعسكرية واستراتيجية واضحة أمام الولايات المتحدة وإسرائيل،أفشلت خططهما العسكرية. 

وذكر لاري جونسون، "إذا كان الهدف من الضربات العسكريةالأمريكية هو التأثير على أكبر شريحة ممكنة من السكان، فيجبأن نأخذ بعين الاعتبار أن 70 إلى 80 بالمئة من الإيرانيين موزعونفي عموم البلاد، بينما يتركز 80 بالمئة من سكان إسرائيل فيمدينتي تل أبيب وحيفا فقط". وأضاف: "هذا يعني أن الغرب،الذي يضطر لاستهداف مئات المواقع لمحاولة كسر إرادة الشعبالإيراني، يواجه وضعا مقلوبا تماما، حيث يكفي إيران إصابةهدفين فقط لتحقيق تأثير هائل. الإسرائيليون يعانون بشدةويبعثون بإشارات تفيد برغبتهم في هدنة".

وأشار الخبير إلى أن الهجمات المضادة التي تشنها إيرانأحدثت تغييرا جذريا في المعادلة العسكرية، قائلا: "لم يكنبإمكان أحد أن يتصور أن إيران ستتمكن من تعطيل خمسرادارات أمريكية متطورة قيمتها مئات مليارات الدولارات. هذاالإنجاز أصاب الولايات المتحدة وإسرائيل بالعمى. ففي السابق،كانت إسرائيل تتلقى إنذارا مبكرا قد يصل إلى 30 دقيقة قبلالهجوم الصاروخي، أما الآن فقد تقلص هذا الوقت إلى دقيقةواحدة فقط".

وحول الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، أوضح جونسونأن واشنطن كانت تراهن على الحفاظ على سلامة قواعدها فيالمنطقة، لكن "هذا أصبح مستحيلا الآن" في ظل الهجماتالإيرانية المتصاعدة.

 

ورطة حقيقية

 

جاء في تحليل نشرته صحيفة الإيكونوميست البريطانية يوم 13 مارس 2026:

تشير تقييمات الخبراء العسكريين والمسؤولين الأمريكيين إلى أنإعادة فتح مضيق هرمز بالقوة العسكرية دونها عقبات استراتيجيةوتشغيلية هائلة تجعل من النجاح الفوري أمرا مستبعدا.

فبينما يهدد الرئيس الأمريكي برد "غير مسبوق"، تعترفالقيادات العسكرية سرا بعدم امتلاكها خطة آمنة وواضحة لفكالحصار.

وقد صرح السيناتور الديمقراطي كريس مورفي بعد إحاطة سريةفي الكونغرس بأن "القيادات العسكرية لا تعرف كيف تعيد فتحالمضيق بأمان"، وهو اعتراف يكشف فجوة خطيرة بينالتصريحات السياسية العلنية والواقع العملياتي على الأرض،ويشير إلى أن البنتاغون يفتقد لخطة مجربة ومضمونة للتعامل معالسيناريو الأسوأ.

ويعزز هذا التقييم ما أورده مارك مونتغمري، الأدميرال الأمريكيالمتقاعد في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، الذي أوضح أنالقوات الأمريكية لم تقلص بعد قدرات إيران إلى الحد الذي تسمحفيه المرافقات بالتعامل مع التهديدات المتبقية، مضيفا أن أي قوافلبحرية ستتطلب طائرات مراقبة وطائرات حربية ومروحيات فيالجو بالإضافة إلى سفن حربية، مؤكدا أن "الأمر لن يكون سهلا،ولن يكون رخيصا". هذه التصريحات تعكس إدراك أن العمليةتتطلب موارد هائلة وتنسيقا معقدا واستعدادا لخسائر بشريةومادية كبيرة، وهو ما لا يتوفر حاليا بالدرجة الكافية.

وتذهب كيتلين تالمادج، أستاذة الأمن الدولي في معهدماساتشوستس للتكنولوجيا، إلى تحليل أعمق يركز على العاملالجغرافي، موضحة أن بعض الأسلحة تغيرت، لكنها أكثر قلقاًبشأن المقذوفات من الألغام، وأن المفهوم الاستراتيجي لم يتغير،فالجغرافيا في هرمز تتيح للمدافع جذب السفن المعادية إلى مقربةمن الشاطئ حيث يمكن مهاجمتها بسهولة أكبر. وتضيف فيتحليل حاسم أن "فكرة أن إيران ستمتنع بسبب الخوف منالتصعيد تبدو خيالية، إنها منخرطة بالفعل في حرب وجودية منأجل بقاء النظام"، مما يعني أن حسابات الردع التقليدية قد لاتجدي نفعا مع نظام يرى في المواجهة خيارا وجوديا.

ومن جهته، يشير جوناثان شرودن من مركز التحليلات البحريةإلى أن إيران بنت دفاعات متداخلة في المضيق، ويجب أولاالتعامل مع الصواريخ والطائرات المسيرة والزوارق السريعة قبلالوصول إلى مرحلة كسح الألغام، محذرا من أن سفن كسحالألغام ضعيفة الحماية وستكافح للعمل تحت النيران.

هذا التحليل يكشف طبيعة التهديدات المتعددة الأبعاد التي تواجهأي عملية عسكرية، بدءاً من الشبكة الكثيفة للصواريخ الباليستيةوالجوية والطائرات المسيرة التي يصعب اعتراضها جميعا فيوقت واحد، مرورا بأسراب الزوارق السريعة المسلحة التيتستخدم تكتيكات الهجوم الجماعي لإرباك الدفاعات، ووصولا إلىآلاف الألغام البحرية التقليدية والذكية بالإضافة إلى مركبات غيرمأهولة وغواصين قادرين على تثبيت ألغام لاصقة.

وتعزز هذه التحديات دروس التاريخ، حيث يشير الخبراء إلى حملةالدردنيل الفاشلة التي شنتها بريطانيا ضد العثمانيين في الحربالعالمية الأولى، حين حاولت إجبارهم على فتح الممر المائي بينالبحر الأسود والمتوسط بالقوة، فخسر الحلفاء عدة سفن فيمحاولات شق الطريق بحرا، وتحولت عملية جاليبولي البرية إلىواحدة من أكثر الكوارث دموية في التاريخ العسكري البريطانيوالفرنسي.

والعبرة هنا في أن الجغرافيا الدفاعية المتفوقة يمكنها إفشال حتىأقوى الأساطيل إذا لم ترافقها استراتيجية شاملة وصبر طويل،ومضيق هرمز اليوم يكرر نفس المعادلة بمدافع ساحلية ومياهضيقة وخصم مستعد للمخاطرة.

ويشير الخبراء إلى أنه خلال حرب غزة عجزت أمريكا عن إعادةفتح باب المندب أمام الحركة البحرية رغم الضربات ضد اليمنيينالحوثيين بالطائرات والصواريخ وحاملة طائرات، واليوم يواجهالمضيق تهديدات أكثر تعقيدا وتطورا.

وفي هذا السياق، تفقد الميزة التكنولوجية الأمريكية بريقها فيالمياه الضيقة، حيث تصل الطائرات المسيرة والصواريخ إلىأهدافها بسرعة أكبر، وتصبح السفن الحربية بمعداتها الباهظةأكثر عرضة للتلف من الناقلات التجارية ذات الهياكل المزدوجة.

بناء على هذه المعطيات، يمكن القول إن الصعوبة التشغيلية تعنيأنه لا توجد حاليا خطة عسكرية أمريكية مجربة ومضمونة لإعادةفتح المضيق بأمان، وأن تعقيد التهديدات الإيرانية المتداخلة يجعلمن أي عملية عسكرية مغامرة محفوفة بمخاطر غير محسوبة، كماأن افتراض أن إيران سترتدع خوفا من التصعيد يتجاهل طبيعةالنظام الإيراني الذي يخوض حربا وجودية.

والأهم من ذلك أن أي محاولة لفك الحصار عسكريا ستتطلبموارد ضخمة ووقتا طويلا واستعدادا لخسائر قد تكون سياسيةوعسكرية واقتصادية فادحة، مما يعني أن فك حصار هرمزيتطلب أكثر من قوة نارية، بل يحتاج إلى استراتيجية متعددةالطبقات تجمع بين الضغط الدبلوماسي والعقوبات الذكية والعملالعسكري المحدود، مع صبر استراتيجي طويل الأمد بدلا منالسعي لنصر سريع، وتحالف إقليمي ودولي متماسك وهو مايبدو هشا في الراهن. وفي النهاية، يظل مضيق هرمز مرآة تعكسحدود القوة العسكرية في مواجهة التعقيد الاستراتيجي، وإعادةفتحه بالقوة وحدها في الظروف الراهنة ليست مجرد مهمة صعبة،بل هي رهان قد تفوق تكلفته أي مكسب محتمل.

 

بين الاستنزاف أو الانسحاب

 

يوم الاثنين 16 مارس أوردت صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكيةتقريراً أكّدت فيه أنّ الرئيس ترامب، وبعد أسبوعين من الحربالتي شنّها بنفسه ضد إيران، يواجه اليوم خياراً صعباً، فإماالاستمرار في معركة تهدف لتحقيق أهداف طموحة للغاية، أومحاولة الانسحاب من صراع متصاعد يولّد صدمات عسكريةودبلوماسية واقتصادية مدمرة. 

وأشارت الصحيفة إلى أن الإدارة الأمريكية اكتشفت أنّ كلاالخيارين ينطوي على إشكاليات عميقة وعواقب وخيمة، قلّل ترامبوفريقه من شأنها عندما زج بالولايات المتحدة إلى جانب"إسرائيل" في أكبر حرب في "الشرق الأوسط" منذ ما يقاربربع قرن. فبإمكانه الاستمرار في قتال عدو أثبت براعة فياستنزاف واشنطن وحلفائها اقتصادياً، وتعطيل أسواق الطاقةالعالمية.

إن الاستمرار في القتال، بحسب التقرير، سيعرض المزيد منالأرواح الأمريكية للخطر، ويسرع التكاليف المالية، ويهدد بتفاقمتوتر التحالفات، وسط قلق يسود قاعدة ترامب السياسية منالتراجع عن تعهده بتجنب توريط البلاد في حروب جديدة.

وفي المقابل، يبدو التراجع خياراً معقداً، كون معظم الأهداف —بما فيها ضمان عدم امتلاك إيران قدرة نووية— لم تتحقق بعد.

وكشفت "نيويورك تايمز" نقلا عن مسؤولين أمريكيين وإسرائيليينأن الأسبوع الثاني من الحرب شهد اعترافاً بأن قدرة إيران علىتعطيل الاقتصاد العالمي عبر خنق مضيق هرمز وتوسيع نطاقالمواجهة إقليمياً كانت أكبر مما توقعه المسؤولون.

وعلى الرغم من تلميحات ترامب بقرب نهاية الحرب، إلا أن تصعيدالعمليات وحشد الموارد العسكرية مستمر، وسط مؤشرات علىتوتر في الشراكة الأمريكية الإسرائيلية وقلق جمهوري من تفككالقاعدة الانتخابية لترامب مع تزايد الخسائر البشرية، وفقالصحيفة الأمريكية.

 

إستراتيجية طويلة الأمد 

 

نشرت صحيفة "فايننشال تايمز"، تقريرا عن المواجهة الإيرانيةالأمركية الإسرائيلية جاء فيه:

تشير تحليلات إلى أن إيران تعتمد في المواجهة الجارية معالولايات المتحدة و"إسرائيل" استراتيجية تقوم على مسارينمتوازيين: الأول عسكري مباشر يقوم على امتصاص الضربات ثمالرد بالصواريخ والطائرات المسيرة على المدن الإسرائيلية والقواعدالأمريكية بهدف استنزاف مخزون الصواريخ الاعتراضية،والثاني اقتصادي يستهدف الضغط على الاقتصاد العالمي عبرتعطيل إمدادات الطاقة وحركة التجارة الدولية. 

ووفق هذه المقاربة، سعت طهران في المرحلة الأولى إلى احتواءالضربات الأمريكية والإسرائيلية، مع تنفيذ هجمات متكررةبالصواريخ والطائرات المسيرة على أهداف عسكرية في فلسطينالمحتلة وقواعد أمريكية في المنطقة، في محاولة لاستنزاف قدراتالدفاع الجوي، مع الاحتفاظ بصواريخ أكبر وأكثر فتكاً لمرحلةلاحقة من المواجهة.

في موازاة ذلك، اتجهت إيران إلى فتح جبهة اقتصادية واسعة عبراستهداف منشآت النفط والغاز في دول خليجية مثل قطروالسعودية والإمارات، إضافة إلى استهداف ناقلات النفط فيالخليج العربي، وفرض قيود على حركة الملاحة عبر مضيق هرمز،ما أدى فعلياً إلى تعطّل المرور وارتفاع أسعار النفط بشكل حاد،الأمر الذي انعكس اضطراباً في الأسواق العالمية.

وتشير التحليلات إلى أن هذا المسار يستند إلى إدراك إيرانيلطبيعة التأثير الاقتصادي داخل الولايات المتحدة، حيث قد لايكون للصواريخ والقصف الأثر ذاته لدى الرأي العام الأمريكيبقدر ما تتركه أزمات الطاقة وارتفاع أسعار الوقود والتضخم. ويشار في هذا السياق إلى خطاب حالة الاتحاد الذي ألقاهالرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 24 فبراير، قبل أيام مناندلاع الحرب، حيث ركز بشكل أساسي على الاقتصاد وأسعارالطاقة والتضخم.

ومع اتساع نطاق الصراع ليشمل الخليج، شهدت أسواق الطاقةارتفاعات كبيرة، ما أدى إلى اضطرابات في الأسواق العالميةومخاوف من أزمة اقتصادية وشيكة، في وقت تقول فيه التحليلاتإن واشنطن فوجئت بتداعيات هذا السيناريو رغم التحذيراتالسابقة.

ولا يقتصر تأثير الهجمات على قطاع الطاقة فقط، إذ طالتضربات بالطائرات المسيّرة والصواريخ قطاعات حيوية أخرى فيالمنطقة، من شركات التكنولوجيا إلى الطيران، مع استهدافمراكز بيانات تابعة لشركة أمازون، إضافة إلى مرافق في مطاردبي الدولي ومنشآت موانئ في عدد من دول الخليج. كما يؤثرتعطّل الملاحة عبر مضيق هرمز على حركة الحاويات التي تنقلالسلع والمنتجات الصناعية مثل البتروكيماويات والأسمدةالزراعية.

وتشير القراءة الجيوسياسية إلى أن موقع إيران الجغرافييمنحها قدرة كبيرة على التأثير في ممرات الطاقة والتجارةالدولية، إذ تمتد سواحلها على طول الضفة الشمالية للخليجوتشرف على مسارات الطاقة الرئيسية، فيما يتمركز حلفاؤها فيحركة أنصار الله عند مدخل البحر الأحمر وعلى مقربة من ممراتقناة السويس، ما يتيح لطهران ممارسة ضغط على الاقتصادالعالمي من جهتين استراتيجيتين حول شبه الجزيرة العربية.

كما ترى التحليلات أن قادة إيران الذين خاضوا حروباً غيرمتكافئة في العراق وسوريا يطبقون اليوم مقاربة مشابهة فيمواجهة الولايات المتحدة، تعتمد على أدوات أقل كلفة وأكثر قدرةعلى التأثير، مثل الطائرات المسيرة والصواريخ القصيرة المدىوالألغام البحرية التي تستهدف ناقلات النفط والموانئ، بما يؤديإلى تعطيل سلاسل الإمداد العالمية ورفع أسعار الطاقة.

وتستند هذه المقاربة أيضاً إلى تجارب سابقة، إذ ساهمتالهجمات الصاروخية الإيرانية التي استهدفت استنزافالصواريخ الاعتراضية الإسرائيلية في دفع الولايات المتحدةوإسرائيل نحو وقف إطلاق النار خلال جولة التصعيد في يونيو2025، غير أن التحليلات تشير إلى أن استهداف الاقتصادالعالمي قد يؤدي هذه المرة إلى نتائج مختلفة.

جبهة الاقتصاد العالمي: الطاقة والملاحة كسلاح ضغط

وترى هذه القراءات أن إيران قادرة على مواصلة هجماتهاالمضادة لفترة أطول، وأن وقف إطلاق النار وحده قد لا يكون كافياًلإزالة المخاطر التي فرضها الصراع على منطقة الخليج، التيتواجه حالياً أحد أسوأ السيناريوهات الاقتصادية والأمنية. ولهذا،يصر مسؤولون إيرانيون على أن وقف إطلاق النار لن يكون مقبولاًإلا إذا أدركت واشنطن الكلفة الاقتصادية العالمية للحرب.

كما تحذر التحليلات من أن استمرار حالة عدم الاستقرار قد يدفعرجال الأعمال والمستثمرين والسياح إلى التردد في العودة إلىدول الخليج، في حال بقيت احتمالات تجدد الحرب قائمة. وتشيرإلى أن استعادة الثقة في المنطقة قد تتطلب إما مواجهة عسكريةواسعة أو التوصل إلى تسوية سياسية دائمة بين الولايات المتحدةوإيران.

وفي هذا السياق، يتزايد الضغط الدولي على واشنطن للسعيإلى إنهاء القتال، إذ لا تقتصر المخاوف من تداعيات الصراع علىدول الخليج، بل تمتد إلى دول في آسيا وأفريقيا وأوروبا تخشىمن أزمات اقتصادية خطيرة إذا استمر القتال.

وفي مقابل التصعيد العسكري المتواصل من قبل الولايات المتحدةو"إسرائيل" عبر تكثيف الضربات الجوية، ترى التحليلات أنإيران تستعد لخوض حرب استنزاف طويلة على مستوىالاقتصاد العالمي، بهدف دفع واشنطن إلى القبول بتسويةسياسية باعتبارها الخيار الوحيد لإنهاء الصراع.

كما تشير إلى أن طهران تربط أي وقف لإطلاق النار بضماناتدولية لسيادتها، وهو ما قد يفتح الباب أمام دور مباشر لكل منروسيا والصين، إلى جانب احتمال المطالبة بتعويضات عن أضرارالحرب ووقف إطلاق نار قابل للتحقق في لبنان. وقد يشمل ذلكأيضاً العودة إلى مسار الاتفاق النووي الذي بقي معلقاً فيجنيف في فبراير، مع التزام أمريكي برفع العقوبات.

وتخلص هذه القراءات إلى أن القيادة الإيرانية تخوض هذه الحربعلى أساس أنها معركة حاسمة، تسعى من خلالها إما إلى تغييرجذري في شروط الصراع مع الولايات المتحدة أو إلى فرض واقعجديد يضمن بقاءها، عبر الاستمرار في الضغط على الاقتصادالعالمي إلى الحد الذي يدفع واشنطن إلى القبول بتسوية شاملة.

 

جزيرة خرج 

 

يوم الأحد 15 مارس 2026 وجه الحرس الثوري الإيراني تهديداللرئيس ترامب، متحديا إياه بإدخال السفن الحربية الأمريكية إلىمنطقة الخليج. وفي تصريحات نقلتها وكالة "فارس"، قال المتحدثباسم الحرس الثوري: "ألا يزعم ترامب أنه دمر القوات البحريةالإيرانية؟ إذا كان يمتلك الجرأة، فليدخل سفنه الحربية إلى منطقةالخليج". 

وأوضح قائلا: أغلب الصواريخ التي نطلقها الآن هي من إنتاجالعقد الماضي"، مردفا: "الكثير من الصواريخ التي أنتجناها بعد"حرب الـ 12 يوماً" لم تستخدم بعد".

وأكد المتحدث باسم الحرس الثوري الإيراني أن "الكثير منمخازن صواريخنا لا تزال كما هي ولم تلمس بعد".

وتأتي هذه التصريحات ردا على تأكيدات ترامب المتكررة عنتدمير البحرية الإيرانية وقدرات الجمهورية الإسلامية العسكرية،حيث أكد الرئيس الأمريكي مساء السبت 14 مارس، بأن"الولايات المتحدة هزمت إيران ودمرتها عسكريا واقتصاديا".

تفيد بعض الأوساط في العاصمة الأمريكية واشنطن أن الرئيسترامب يفكر في خيار السيطرة على جزيرة خرج الإيرانية الواقعةقرب مضيق هرمز من جهة الشمال كأحد أفضل الطرق التييمكن أن تدير مسار الحرب لصالحه خاصة أنها تشكل المركزالأساسي لتصدير النفط الإيراني.

وذكرت صحيفة "وول ستريت جورنال" نقلا عن مسؤولين أمريكيينأن الولايات المتحدة ترسل مجموعة إنزال عسكرية في حالة تأهبقصوى، ووحدة استطلاع تابعة لمشاة البحرية إلى الشرقالأوسط.

وأضافت الصحيفة: "وافق وزير الدفاع بيت هيغسيث على طلبمن القيادة المركزية الأمريكية.. لتشكيل مجموعة برمائية عاليةالجاهزية ووحدة استكشافية بحرية مصاحبة، وهي تتكون عادةمن عدة سفن و5000 جندي من مشاة البحرية".

وأشارت صحيفة "وول ستريت جورنال" إلى أن جزءا من هذهالقوات والقطع الحربية قد وصل بالفعل إلى المنطقة.

وقد عادت تصريحات قديمة للرئيس ترامب إلى الواجهة بعد إعلانالولايات المتحدة تنفيذ غارات جوية مكثفة على جزيرة خرج (كرج) الإيرانية. 

وكان ترامب عندما بدأ يدخل عالم السياسة قد تحدث عن هذهالجزيرة تحديدا قبل نحو أربعة عقود، خلال مقابلة أجرتها معهالصحفية البريطانية بولي توينبي في صحيفة "الغارديان" عام1988، أثناء الترويج لكتابه "فن الصفقة".

في تلك المقابلة، قال ترامب إن الولايات المتحدة يجب أن ترد بقوةعلى أي اعتداء يستهدف جنودها أو سفنها، معتبرا أن أفضلوسيلة للضغط على إيران هي ضرب مركزها النفطي الرئيسي.

وقال حينها "سأكون قاسيا على إيران. لقد كانوا يضغطون علينانفسيا ويجعلوننا نبدو كأننا مجموعة من الحمقى. رصاصة واحدةتطلق على أحد رجالنا أو سفننا، وسأقوم بعملية كبيرة على جزيرةخرج. سأدخل وأستولي عليها".

 

تركيا لن تنجر للحرب

 

يوم الجمعة 13 مارس 2026 صرح الرئيس التركي رجب طيبأردوغان خلال مأدبة إفطار إن تركيا لن تنجر إلى الحرب الدائرةبين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، لكنها مستعدة لمواجهةجميع التهديدات أولويتنا الرئيسية هي إبقاء بلادنا بعيدة عن أتونهذه النار". 

عن الأسباب التي ترجح رفض أنقرة المشاركة في الحرب ضدإيران، كتب دانييل كوروبكو، في "أرغومينتي إي فاكتي"الروسية:

دعا الرئيس الأمريكي الزعيم التركي رجب طيب أردوغان إلى شنضربة صاروخية مشتركة ضد مجتبى خامنئي، المرشد الأعلىالجديد لإيران، الذي خلف والده الذي اغتيل في بدايات الحرب. فهل يعني هذا أن أنقرة تستعد للانضمام إلى الحملة العسكريةضد طهران؟. هذه دعوة للإنتحار.

من جانبها كتبت كسينيا لوغينوفا، في "إزفيستيا":

خلال التصعيد الحالي في الشرق الأوسط، التزمت تركيا الحياد. أنقرة التي دأبت، تقليديا، على الجلوس على كرسيين، تحاول عدمالانحياز لأي طرف. فمن جهة، وصفت الأحداث بأنها "استفزازمن نتنياهو" والهجمات بأنها "تثير حزنا وقلقا عميقين". ومن جهةأخرى، أجرت محادثات مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامبوالرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان.

هذا النهج نموذجي لأنقرة، التي اعتادت على المناورة.

وقد أوضح رئيس قسم الشرق الأوسط وما بعد الاتحاد السوفيتيبمعهد المعلومات العلمية في العلوم الاجتماعية التابع لأكاديميةالعلوم الروسية، فلاديمير أفاتكوف، أن تركيا، التي تحاول المناورة،تجر إلى حرب في الشرق الأوسط. وهذا يصب في مصلحة كلمن الولايات المتحدة، التي لا تريد أن تنتهج أنقرة سياسة مستقلة،وإسرائيل، التي ترى في تركيا هدفا ثانيا محتملا للهجمات بعدإيران.

من الواضح أن الانجرار إلى الصراع ليس في مصلحة أنقرة. لكنالولايات المتحدة وبريطانيا في أمس الحاجة إلى ذلك، ناهيكمبإسرائيل. ومن الجدير بالذكر أن لهذه الدول نفوذا قويا في وزارةالدفاع التركية.

كما لاحظ أفاتكوف تغيرا طفيفا في خطاب إيران. فقد صرحتالسلطات الإيرانية بأن تركيا قد تصبح هدفا دائما للصواريخالإيرانية إذا استمرت في مساعدة الولايات المتحدة في شنضربات على أراضي الجمهورية الإسلامية.

ويبدو أن الجمهورية التركية بدأت بتقديم مساعدات غير رسميةللولايات المتحدة. عبثا تفعل ذلك. الضغط هائل، بالطبع، لكنالعواقب ستكون وخيمة.

 

أذربيجان والحرب

 

جاء في تحليل نشر في موسكو يوم 10 مارس كتبه ميخائيلنيكولايفسكي، في "فوينيه أوبزرينيه":

يظن أن وجود الجالية الأذربيجانية الكبيرة في إيران (وهي أقلبقليل من 20 في المئة من سكان البلاد) يشكل حصنا للنفوذالأذربيجاني، يمكن استغلاله في حال حدوث أزمة داخلية فيإيران.

لطالما أكدت باكو الرسمية على دعم "أقاربها"، ومنذ العام 2023،ازداد هذا التأكيد وضوحا.

صحيح أن الجالية الأذربيجانية كبيرة، ولكن خلاف الجالياتالعرقية الكبيرة الأخرى في إيران، فإن النزعة الانفصاليةالأذربيجانية في إيران غير مؤسسة على أرض الواقع. ويعود ذلكإلى أن الأذربيجانيين يشكلون جزءا مهما من النخبة العسكريةوالسياسية الإيرانية، بينما يتوزع "القوميون" بين تركيا وأذربيجانوأوروبا، ويفتقرون إلى القوة القتالية التي يمتلكها بعض البلوشأو الأكراد.

وفي الواقع، إذا بدأت إيران بالتفكك، فستبرز (خصوصية) المناطق الغربية ذات الأغلبية الأذربيجانية بشكل طبيعي. ولكن إذاتغير النظام بالتزامن مع تغير النخبة، فإن النخبة الأذربيجانيةستتكيف مع النظام (الجديد). هذا ببساطة أكثر جدوى منالناحية الاستراتيجية من تخصيص الموارد لـ"الوطن الصغير" لباكو و"الوطن التركي" لتركيا.

تشير جميع الدلائل حاليا إلى إمكانية حدوث استفزازات باسمإيران في أذربيجان، بهدف دفع باكو إلى اتخاذ إجراء حازم ضدطهران. احتمال حدوث ذلك مرتفع جدا، ويقدر بنحو 85 في المئةخاصة بسبب الدعم الإسرائيلي، إن لم يكن أعلى.

لن تكون نتيجة تبادل الضربات بالطائرات المسيرة والصواريخبمختلف أحجامها وأعيرتها سقوط إيران، بل إلحاق الضرر بالبنيةالتحتية للنفط والغاز في منطقة القوقاز.

 

عمر نجيب

[email protected]