الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران تعيد تشكيل الشرق الأوسط.... التحديات المتراكمة - مضيق هرمز وفوضى أسواق الطاقة وشلل الاقتصاد العالمي

خميس, 2026-04-16 08:21

الطريق الذي يقود إلى الحرب العالمية الثالثة يتعبد بمعدلات سرعة أكبر مما تصور الكثيرون، وشرارة البداية لن تكون من سهول شرق أوروبا حيث تخوض روسيا حرب استنزاف ضد حلف الناتو في أوكرانيا مند أكثر من أربع سنوات ولا بحر الصين حيث تخطط بكين منذ انتصار جيش ماوتسي تونغ سنة 1949 لاستعادة جزيرة تايوان التي تحميها واشنطن، بل في الشرق الأوسط بين إيران ولبنان واليمن من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، ومن خلف كل هؤلاء جمع ضخم من الدول والقوى العالمية والمحلية التي تدرك أبعاد تأثرها وشكل مستقبلها وربما مصيرها نتيجة النصر والهزيمة التي ستلحق أو ستكون مصير أحد المعسكرين المتصارعين الرئيسيين.

وقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران الذي أعلن عنه يوم الأربعاء 8 أبريل 2026 والذي كان من المخطط له أن يستمر لمدة أسبوعين لإفساح المجال لإجراء مفاوضات إيرانية أمريكية في إسلام آباد بباكستان أو لحشد مزيد من الأسلحة والتقاط الأنفاس، انتهى رسميا يوم السبت 11 أبريل 2026 بعد الفشل في التوصل إلى إتفاق رغم مراهنة البعض على أن إشراك واشنطن فانس نائب الرئيس ترامب في المفاوضات يعتبر مؤشرا إيجابيا.

الجو الذي أحاط بالمفاوضات من قبل بدايتها العملية وحتى نهايتها الفعلية لم يكن يبعث على الثقة في نجاحها حيث أن واشنطن تقلبت وتراجعت عن الكثير من الالتزامات والمواقف التي وثقتها علنيا مثل شمول لبنان في وقف إطلاق النار، وتصريح ترامب: "لقد تلقينا مقترحا من 10 نقاط من إيران ونعتقد أنه أساس عملي للتفاوض وتم الاتفاق على جميع نقاط الخلاف السابقة تقريبا بين الولايات المتحدة وإيران".

يشير محللون في الغرب أن ترامب ومساعدوه يصرون منذ فترة طويلة على أن جعل الآخرين غير قادرين على التنبؤ بتصرفاته هو أسلوب في التفاوض يهدف إلى إرباك الخصوم.

ويقول جوناثان بانيكوف النائب السابق لمدير المخابرات الوطنية الأمريكية لشؤون الشرق الأوسط والذي يعمل الآن في مركز أبحاث (مجلس الأطلسي) في واشنطن "لن أقول إنه تراجع. دفع إيران إلى الحافة وتمكن من الهروب مع مخرج مؤقت على الأقل كان ينتظره".

ورفض ألكسندر جراي، وهو مسؤول سابق كبير في إدارة ترامب الأولى ويعمل حاليا رئيسا تنفيذيا لشركة الاستشارات (أمريكان غلوبال ستراتيجيز)، أن يكون هذا مثالا آخر على تراجع ترامب عن مواقفه وقال إن الخطاب المحتدم كان يهدف بدلا من ذلك إلى "التصعيد من أجل التهدئة".

ويعتقد على نطاق واسع أن ترامب تأثر بشدة بأجزاء من (نظرية الرجل المجنون)، التي اشتهر باستخدامها الرئيس السابق ريتشارد نيكسون خلال حرب فيتنام، والتي تفترض أن التهديدات القصوى يمكن أن تجبر الأعداء على تقديم تنازلات على طاولة المفاوضات. وأراد نيكسون أن يصدق الفيتناميون الشماليون أنه غير متزن وقد يستخدم أسلحة نووية.

عامل آخر فسر به الملاحظون تضارب تصريحات ترامب وهو سعيه للتأثير على الأسواق المالية لحماية كثير من المصالح وتأخير تضرر أسواق المال والارتفاع الكبير في أسعار النفط والغاز.

في هذا الصدد هناك علامة استفهام بشأن تأكيد الإدارة الأمريكية عدم حاجتها لنفط الخليج وتمتعها بإكتفاء ذاتي، حيث وحسب البيانات الرسمية الأمريكية، شهدت واردات الولايات المتحدة من النفط في عام 2025 تذبذبا، حيث سجلت في يناير أعلى مستوى في 6 أشهر بواقع 6.54 مليون برميل يوميا، بينما انخفضت في النصف الأول بنسبة 6.4 في المئة لتسجل 6.08 مليون برميل يوميا. وتلعب 5 دول عربية دورا مهما في التموين. وقد سجلت تكلفة واردات الولايات المتحدة في فبراير 2026 أكبر قفزة منذ أربع سنوات، بارتفاع قدره 1.3 في المئة مقارنة بشهر يناير 2026.

تشير مجموعة أخرى من المحللين إلى أن ترامب وبعد انتكاسة عملية القوات الأمريكية التي كانت تستهدف الاستيلاء على اليورانيوم الإيراني المخصب قرب اصفهان يوم السبت 4 أبريل والتي حاول البنتاغون تضليلها بالقول أنها كانت لإنقاذ الطيار الأمريكي الثاني الذي أسقطت طائرته F-15 انتقل إلى التفكير في أسلوب للخروج من الحرب يحمي ماء الوجه ويمكنه من الإعلان أنه حقق الانتصار كما فعل من قبل مع اليمنيين في مايو 2025 الذين رغم ذلك واصلوا هجماتهم على إسرائيل وكل السفن المتعاملة معها.

ويضيف هؤلاء أن الرئيس ترامب وجد نفسه بعد الأسبوعين الأولين للحرب في قلب دوامة من التقارير المتضاربة حول تطور الحرب ضد إيران والانجازات المحققة، فبعد أن أقنعته تقارير الموساد وضغوط رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو بأن الحرب ضد طهران لن تستغرق أكثر من أسبوع وسيسقط حكام طهران الحاليين وسوف تأتي حكومة موالية للغرب، وجد نفسه أمام حقيقة أخرى. ترامب واجه كذلك نيران صراع داخلي في البيت الأبيض، بين هؤلاء الذين يثقون في القدرة على تحقيق نصر كامل وإنجاز آمال تل أبيب في تفتيت إيران كدولة، وطرف آخر يدرك أنه لا يمكن هزيمة طهران سوى بركوب مخاطرة تدخل عسكري كامل مشابه لحرب الفيتنام التي دارت بين 1962 و 1975 دون ضمان للفوز، كما أن موازين القوى الجديدة في العالم تجعل من محاولة تصفية إيران تخطيا للخطوط الحمراء الروسية والدخول إلى حرب عالمية ثالثة. في البنتاغون كانت هناك اعتراضات كثيرة على مواصلة الحرب بسبب تقدير عدد من المخططين أن حربا طويلة ضد إيران ستخلق وضعا خطيرا لواشنطن خاصة مع استنزاف مخزون الولايات المتحدة من الصواريخ والقنابل.

يقول مقربون من دوائر البيت الأبيض أن التقارير التي كان يقدمها وزير الدفاع الأمريكي والذي أصبح وزير الحرب بيت هيغسيث وبعض دوائر أجهزة المخابرات أقنعت ترامب في وقت ما أن إيران هزمت عسكريا وفقدت كل قدرة على المقاومة وهذا ما يفسر تصريحاته عن الحسم، ولكن مع مرور الأيام كشفت تقارير أخرى أن اغلب ما ذكر عن النصر لم يكن سوى مسلسل من الأكاذيب وأن طهران بمساعدة معدات التمويه العسكري ومنها ما جاء من الصين وروسيا تركت القوات الجوية الأمريكية والإسرائيلية تستهدف بجزء كبير من طاقتها الفراغ، بما قدرته مصادر بريطانية حسب BBC تكلفته بأكثر من 65 مليار دولار من القنابل والصواريخ على مدى 40 يوما وكلفت تل أبيب أكثر من 12 مليار دولار دون حساب الخسائر الهائلة التي لحقت بالقواعد والمنشآت الإسرائيلية.

زيادة على ذلك أفادت مصادر رصد في العاصمة الألمانية برلين أن تقارير جديدة للمخابرات الأمريكية صدمت البيت الأبيض بتقديرها أن طهران حولت مخزونها من اليورانيوم المخصب إلى حوالي 11 قنبلة نووية وهو أمر كان قد توقعه عدد من الخبراء حتى داخل الولايات المتحدة، وذكروا بتجربة كوريا الشمالية في نفس المجال قبل سنوات.

وسط هذه المتاهة من التقارير والتقديرات والضغوط الداخلية والخارجية اتجه البيت الأبيض إلى منفذ المفاوضات مع طهران عبر الوسطاء، وتمهيديا حل جيه دي فانس نائب الرئيس الأمريكي، الثلاثاء 7 أبريل، بعاصمة المجر بودابست في زيارة ذكر أنها تهدف إلى إيصال رسالة دعم من الرئيس دونالد ترمب لرئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، قبيل الانتخابات البرلمانية المقررة يوم الأحد 12 أبريل والتي خسرها.

غير أن فانس أجرى في المجر اتصالات مع الإيرانيين بوساطة باكستانية وأقنعهم بوقف إطلاق النار والتفاوض، وهكذا بدأت قصة لقاء إسلام آباد، موقف فانس المتحفظ من الحرب منذ بدايتها والذي هدد بالتحول إلى خلاف علني داخل البيت الأبيض شجع طهران على قبول العرض الأمريكي خاصة وأنه ذكر أنه شخصيا سيرأس المفاوضات وليس جاريد كوشنر المستثمر العقاري المتزوج من إيفانكا ابنة ترامب، أو المليادير ستيف ويتكوف الذين رفضت طهران استئناف التحدث معهما بسبب ما تعتبره عدم صدقهما.

إسرائيل التي اعترف رئيسها نتنياهو أنه نجح أخيرا بعد أكثر من أربعة عقود في إقناع واشنطن بشن الحرب معه على إيران، وجدت نفسها في وضع لا تحسد عليه بعد 40 يوما من الحرب الآلاف عبروا من طابا إلى مصر للسفر إلى أوروبا وأمريكا هربا من الحرب بعد تعسر السفر من مطارات إسرائيل. حكومة نتنياهو عبر الرقابة المشددة حاولت إخفاء حجم الأضرار التي خلفها القصف الإيراني وكذلك لحزب الله ولكن نجاحها كان محدودا، بل أنه ومساء يوم الأربعاء 25 مارس 2026 حذر رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زمير خلال نقاش في المجلس الوزاري للأمن السياسي أن الجيش الإسرائيلي يواجه ضغطاً غير عادي، بل وقال إنه "يرفع 10 أعلام حمراء" وإن الجيش "ينهار من الداخل".

رغم كل ذلك مارست حكومة تل أبيب ضغطا وصفه البعض في واشنطن بالرهيب لإفشال لقاء إسلام آباد والعودة إلى محاولة الحسم العسكري فهي تعتبر الفشل في الانتصار على إيران بداية العد العكسي لنهاية وجود إسرائيل، في نفس الوقت يقدر أنصار الحرب أن فشلهم يعني تقلص القدرة الأمريكية عالميا.

مفاوضات إسلام آباد فشلت، ترامب أعلن الحصار، تل أبيب ترغب في استمرار الحرب، مناورات لكسب الوقت لحشد مزيد من القوات أسلوب تكرر استخدامه ولكن هل هناك جديد، يوم الاثنين 13 أبريل نقلت صحيفة "وول ستريت جورنال"، عن مسؤولين مطلعين قولهم إن جولة ثانية من المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران قد تعقد خلال أيام.

وأضافت الصحيفة: "تجرى مشاورات مع الولايات المتحدة لضمان تمديد وقف إطلاق النار مع إيران".

 

الحصار البحري

 

يوم الأحد 12 أبريل أعلن الرئيس الأمريكي إن البحرية الأمريكية ستبدأ على الفور في إحكام السيطرة على مضيق هرمز وذكر، في منشور على منصة تروث سوشال أن الولايات المتحدة ستعترض كل سفينة في المياه الدولية دفعت رسوما لإيران، وستبدأ بتدمير الألغام التي قال إن الإيرانيين زرعوها في المضيق، وهو ممر حيوي لنحو 22 بالمئة من إمدادات الطاقة العالمية وأغلقته إيران فعليا خلال الحرب.

وكتب ترامب "لن يتمتع أي أحد يدفع رسوم عبور غير قانونية بمرور آمن في أعالي البحار... أي إيراني يطلق النار علينا، أو على السفن السلمية، سيلقى به في الجحيم".

وأضاف ترامب في لقاء صحفي حول ما إذا كان سيقوم بضرب إيران بشكل أكبر في حال عدم تخليها عن جهودها النووية، قائلا: "نعم سأفعل. يمكنني القضاء على إيران في يوم واحد، يمكننا قطع الكهرباء عنهم لعشر سنوات"، محذرا من أن ما ينتظر إيران اقتصاديا سيكون أسوأ مما حدث في فنزويلا.

ورد الحرس الثوري الإيراني ببيان حذر فيه من أن اقتراب سفن حربية من المضيق سيعتبر خرقا لوقف إطلاق النار وسيتم التعامل معه بقوة وحزم، مؤكدا بذلك مخاطر حدوث تصعيد خطير. 

في نفس الوقت صرح مصدر مطلع لوكالة "تسنيم" الإيرانية: "إن مثل هذه التهديدات من ترامب لم تعد لها أي تأثير أو مصداقية، ولو كانت هذه التهديدات مجدية لما كان ترامب، في حالة عجز، ويسعى إلى وقف إطلاق النار في الحرب".

وأكد المصدر أن هذه المواقف لا تؤدي فقط إلى عدم تحسين عملية حل القضايا، بل إن على ترامب أن يقلق من أنه بهذه التصرفات الرعناء غير الحكيمة وبانشغاله بمثل هذه التهديدات، قد يفقد أيضا (مضيق) باب المندب، وقد يجعل أوضاع نقل الطاقة والتجارة العالمية في هذه المنطقة تواجه تحديات أكبر وأكثر كلفة.

وقال رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، الذي ترأس وفد بلاده إلى جانب وزير الخارجية عباس عراقجي في مفاوضات باكستان، إن تهديدات ترامب الجديدة لن تؤثر على الأمة الإيرانية.

وأضاف في تصريحات نقلتها وسائل الإعلام الإيرانية الرسمية "إذا حاربتم فسنحارب وإذا قدمتم حلولا منطقية فسنتعامل معكم بالمنطق".

في مقابلة مع شبكة فوكس نيوز بعد تصريحاته بشأن المضيق، قال ترامب إنه يعتقد أن إيران ستواصل التفاوض، ووصف محادثات مطلع الأسبوع بأنها "ودية للغاية".

وأضاف ترامب من ملعب الجولف الخاص به قرب ميامي بولاية فلوريدا "أعتقد أنهم سيجلسون إلى طاولة المفاوضات، لأنه لا يمكن لأحد أن يكون غبيا لدرجة أن يقول 'نريد أسلحة نووية'، وهم لا يملكون أي أوراق رابحة".

وذكر إن الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي، والتي انتقدها لعدم دعمها الحرب التي شنها أمريكا برفقة إسرائيل على إيران في 28 فبراير، ترغب في المساعدة في العملية الجارية في المضيق.

ولم يصدر بعد أي تعليق من حلفاء واشنطن.

من جانبه صرح فانس نائب الرئيس الأمريكي "الخبر السيئ هو أننا لم نتوصل إلى اتفاق، وأعتقد أن هذا خبر سيئ لإيران أكثر بكثير مما هو خبر سيئ للولايات المتحدة الأمريكية".

وصرح مسؤول أمريكي إن إيران رفضت طلب واشنطن بإنهاء جميع عمليات تخصيب اليورانيوم وتفكيك جميع منشآت التخصيب الرئيسية ونقل اليورانيوم عالي التخصيب خارج إيران. وأضاف أن الجانبين فشلا أيضا في التوصل إلى اتفاق بشأن مطلب الولايات المتحدة لإيران بوقف تمويل حركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية (حماس) وحزب الله والحوثيين، فضلا عن فتح المضيق بالكامل.

القيادة المركزية الأمريكية ذكرت من جانبها إنها ستبدأ في فرض سيطرة على كامل حركة الملاحة البحرية من وإلى الموانئ الإيرانية ابتداء من يوم الاثنين 13 أبريل الساعة 1400 بتوقيت جرينتش.

وكتبت القيادة في بيان على وسائل التواصل الاجتماعي “من المقرر فرض السيطرة دون محاباة على سفن جميع الدول التي تدخل أو تغادر الموانئ والمناطق الساحلية الإيرانية، بما في ذلك جميع الموانئ الإيرانية على الخليج العربي وخليج عمان. ولن تعرقل قوات القيادة المركزية الأمريكية حرية الملاحة للسفن العابرة لمضيق هرمز من وإلى الموانئ غير الإيرانية”.

وعلى الرغم من حالة الجمود، أظهرت بيانات شحن أن ثلاث ناقلات نفط عملاقة لدول صديقة لطهران محملة بالكامل عبرت مضيق هرمز يوم السبت، فيما يبدو أنها أولى السفن التي تغادر الخليج منذ اتفاق وقف إطلاق النار.

ويشير ملاحظون إلى أن سفن البحرية الأمريكية تواجه خطر تعرضها للإصابة لو اقتربت من السواحل الإيرانية ولهذا قد تعترض السفن في المياه الدولية البعيدة نسبيا، وأن هناك كذلك خطرا لأن تصطدم بالسفن الحربية الصينية والروسية التي تعمل في المنطقة.

وواصلت إسرائيل مواجهاتها مع قوات حزب الله اللبنانية بالقصف الجوي والمدفعي بعد تراجع قواتها البرية من مناطق في جنوب لبنان بعد خسارتها عشرات الدبابات والمدرعات في القتال مع وحدات الرضوان حسب مصادر غربية.

وتدوي يوميا تقريبا صفارات الإنذار من هجمات جوية في بلدات في إسرائيل قرب الحدود وكذلك شمال إسرائيل للتحذير من صواريخ قادمة من لبنان.

 

لعنة على البشرية

 

قبل إعلان فشل المفاوضات الأمريكية الإيرانية شن وزير الدفاع الباكستاني خواجة آصف هجوما لاذعا على إسرائيل واصفا إياها بـ"الشر واللعنة على البشرية" مشيرا إلى أنها ترتكب "إبادة جماعية" في لبنان بالتزامن مع انعقاد محادثات السلام.

وكتب آصف، في منشور على إكس": "يُقتل مواطنون أبرياء على يد إسرائيل، أولا في غزة، ثم إيران، والآن لبنان، ويستمر سفك الدماء بلا هوادة".

واختتم منشوره بالقول: "أدعو الله أن يعاقب من أنشأوا هذه الدولة السرطانية على أرض فلسطين للتخلص من اليهود الأوروبيين، وأن يعاقبوا أشد العقاب".

في رد على الموقف الباكستاني أكد مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي في بيان له يوم الخميس 9 أبريل، أن دعوة وزير الدفاع الباكستاني خواجة آصف لإبادة إسرائيل ليس بيانا يمكن التسامح معه.

وجاء في بيان مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي: "دعوة وزير الدفاع الباكستاني لإبادة إسرائيل تثير الغضب". وأضاف: "هذا ليس بيانا يمكن التسامح معه من أي حكومة كانت، وخاصة من حكومة تدعي أنها وسيط محايد لأجل السلام".

ومن جهته أكد وزير خارجية إسرائيل جدعون ساعر أن "إسرائيل تعد هذه التحريضات الدموية المعادية للسامية والوقحة من حكومة تدّعي وساطة السلام خطيرة للغاية. وصف الدولة اليهودية بالغدة السرطانية يعد في الواقع دعوة لإبادتها".

وأضاف: "ستدافع إسرائيل عن نفسها ضد الإرهابيين الذين يقسمون على تدميرها".

 

مواجهة مع الصين

 

يوم السبت 11 أبريل هدد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الصين بمواجهة "مشكلات كبيرة" إذا أرسلت أسلحة إلى إيران، مع تقارير استخبارية أفادت أن بكين سلمت وتستعد لتسليم منظومات دفاع جوي جديدة إلى طهران.

وذكر ترامب في تصريح للصحفيين، قبل مغادرته البيت الأبيض متوجها إلى ميامي إن "الصين ستواجه مشكلات كبيرة إذا صدرت أسلحة إلى إيران"، دون أن يكشف عن تفاصيل فحوى تلك التهديدات.

وكانت قناة "سي إن إن" الأمريكية قد نقلت عن ثلاثة مصادر مطلعة قولها إن هناك "مؤشرات" على أن "بكين تعمل على ‌إرسال الشحنات عبر دول ثالثة لإخفاء مصدرها"، موضحة أن "بكين تستعد لنقل أنظمة صواريخ مضادة للطائرات محمولة على الكتف تعرف باسم مانباد".

ونقلت صحيفة نيويورك تايمز عن مصادر لم تكشف عنها أن وكالة الاستخبارات الأمريكية حصلت على معلومات تفيد بأن الصين "قد تكون أرسلت في الأسابيع الماضية شحنة من صواريخ محمولة على الكتف إلى إيران".

وأشارت الصحيفة الأمريكية إلى أن "الصين تتخذ موقفا سريا فاعلا في الحرب، إذ تسمح لبعض الشركات بشحن مواد كيميائية ووقود ومكونات يمكن استخدامها في الإنتاج العسكري الإيراني لأغراض الحرب".

وقبل أيام، سلط تقرير لصحيفة نيويورك تايمز الضوء على الأدوار المحتملة لكل من الصين وروسيا خلال الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، استنادا إلى تقييمات ومعطيات أجهزة الاستخبارات في واشنطن.

فيما يرى المراقبون أنه تحول بكين يمثل "تصعيدا كبيرا" ومؤشرا على رغبة بعض القادة الصينيين في إلحاق هزيمة عسكرية بالولايات المتحدة في الحرب.

تتزامن هذه الأنباء مع رصد استخباراتي أمريكي لدور روسي عسكري متزايد، إذ قدمت موسكو وبكين -بحسب نيويورك تايمز- ومصادر أخرى للجيش الإيراني معلومات دقيقة عبر الأقمار الصناعية لمساعدة الحرس الثوري الإيراني في استهداف السفن والقواعد والمنشآت الأمريكية والإسرائيلية، وخاصة 13 قاعدة أمريكية في دول الخليج مما أدى إلى إلحاق أضرار كبيرة بها وتدمير أجهزة ورادارات تفوق قيمتها ترليون دولار.

وبحسب التقرير، فإن هذا الدعم المشترك يظهر "كيف وجد خصوم أمريكا فرصة لرفع تكلفة الحرب وتوريط الجيش الأمريكي في صراع طويل الأمد".

يأتي هذا التوتر في لحظة دبلوماسية حرجة، إذ يخطط الرئيس الأمريكي دونالد ترمب للسفر إلى الصين شهر مايو 2026 للقاء نظيره شي جين بينغ في قمة كان من المفترض عقدها في مارس الماضي وتأجلت بسبب الحرب.

وقال محللون لوكالة رويترز في حينها، إن طلب الرئيس الأمريكي تأجيل القمة يلقي بظلاله على العلاقات الثنائية التي ظلت مستقرة منذ اجتماعهما الأخير في أكتوبر 2025.

 

ترسانة ضخمة

 

بتاريخ 11 أبريل أشارت تقييمات استخباراتية أمريكية جديدة إلى أن إيران لا تزال تحتفظ بترسانة هائلة من آلاف الصواريخ الباليستية، حتى مع ادعاء البيت الأبيض أن القدرات العسكرية للنظام قد "دُمرت وظيفيا بالكامل".

يظهر هذا التقرير في مرحلة حاسمة. وبينما استمرت إدارة الرئيس ترامب على مدار أسابيع بتنفيذ العشرات من الغارات الجوية بالاشتراك مع إسرائيل والزعم بتدمير القاعدة الصناعية الدفاعية الإيرانية، حذر المحللون الاستخباراتيون من "القدرة الرائعة للنظام الإيراني على الابتكار".

وتشير التقييمات الحالية إلى أنه "على الرغم من تدمير أو حصار أكثر من 50 في المئة من القاذفات المتنقلة الإيرانية بفعل الضربات على مخارج الأنفاق الجبلية، إلا أن الكثير منها لا يزال قابلا للإصلاح أو مخفيا في مجمعات تحت الأرض عميقة".

ووصف وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث مؤخرا البرنامج الصاروخي الإيراني بأنه "مستنزف ومدمر"، لكن مسؤولين إسرائيليين يشيرون إلى أن إيران لا تزال تمتلك أكثر من 1000 صاروخ متوسط المدى، أي ما يقرب من نصف مخزونها قبل الحرب.

وينظر المستثمرون إلى "القدرة الضاربة" المتبقية على أنها علاوة مخاطر مستمرة على أصول الطاقة الإقليمية، حيث يمكن لقوة إيرانية حتى لو كانت منحلة أن تستهدف الشحن في الخليج أو المنشآت الأمريكية.

ويقترح محللو مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) أنه حتى مع جزء من قوتها السابقة، تظل إيران "فاعلا مهيمنا" في أمن الخليج.

واعتبر بول آدامز، مراسل الشؤون الدبلوماسية في بي بي سي نيوز، أن من أبرز إنجازات إيران، إلى جانب استمرار صمود نظام الجمهورية الإسلامية، قدرتها الجديدة على فرض رقابة مشددة على حركة الملاحة عبر أحد أهم الممرات المائية في العالم.

وقال وزير الخارجية عراقجي إن المرور الآمن سيكون ممكناً خلال الأسبوعين المقبلين، بالتنسيق مع القوات المسلحة الإيرانية ومع ما يسميه "الاعتبار الواجب للقيود التقنية".

ومنذ اندلاع الحرب الحالية، أشارت إيران إلى رغبتها في فرض قواعد جديدة على حركة الملاحة عبر مضيق هرمز بالتعاون مع سلطنة عمان.

وأشارت بعض التقارير الإعلامية إلى أن خطة طهران تتضمن الحق في فرض رسوم عبور تصل إلى مليوني دولار عن كل سفينة، على أن تقسم العائدات بين إيران وسلطنة عُمان، الدولتين المطلتين على مضيق هرمز.

بالنسبة لدول الخليج التي تنقل مواردها الهيدروكربونية الثمينة عبر المضيق، يعتبر هذا الأمر مرفوض تماماً. 

وقد قال المستشار السياسي لرئيس دولة الإمارات الدكتور أنور قرقاش لبي بي سي: "هذا أمر غير مقبول بتاتا"، واصفا إياه بأنه سابقة خطيرة بالنسبة للممرات المائية الحيوية الأخرى حول العالم.

وأضاف: "أعتقد أن هذا سيكون بالغ الخطورة، ولا أظن أنه سيقبل في نهاية المطاف".

غير أنه يبدو أن دونالد ترامب لم يستبعد فكرة فرض طهران رسوم عبور، بل إنه اقترح، على ما يبدو، لشبكة "ايه بي سي نيوز" أن تدير الولايات المتحدة وإيران مضيق هرمز كمشروع مشترك.

ويصر مسؤولون في الإدارة الأمريكية على أنه بما أن الولايات المتحدة لا تعتمد إلا قليلا على نفط الخليج، فينبغي على دول أخرى أن تتولى زمام المبادرة في حل قضية مضيق هرمز.

بوم الأحد 12 أبريل أفادت صحيفة "وول ستريت جورنال" بأن الحرس الثوري الإيراني لا يزال يحتفظ بمعظم أسطوله من الزوارق العسكرية الصغيرة ويعزز حضوره في هرمز.

وأشارت الصحيفة إلى أن ما يزيد على 60 في المئة من الزوارق الهجومية السريعة ما تزال في الخدمة، وهو ما يعزز قدرة طهران على فرض سيطرتها في مضيق هرمز.

وكان ترامب قد أكد أن القوات الأمريكية "دمرت البحرية الإيرانية بالكامل".

إلا أن هذه الرواية الأمريكية تواجه تشكيكا من مصادر غربية وإيرانية على حد سواء، إذ أشارت تقارير، بينها ما نشرته وول ستريت جورنال، إلى أن الحرس الثوري الإيراني لا يزال يحتفظ بنسبة كبيرة من قدراته البحرية، خصوصا الزوارق الهجومية السريعة التي تستخدم في عمليات الانتشار والسيطرة في المضيق. كما تؤكد طهران بدورها أن بنيتها البحرية لم تتعرض للتدمير الشامل.

 

صنع القنبلة النووية

 

يوم الأحد 12 أبريل 2026 أكد مسؤولون وخبراء أن إيران خرجت من خمسة أسابيع من القصف الأمريكي والإسرائيلي المكثف ومعها معظم الأدوات التي تحتاجها لصنع قنبلة نووية سليمة، مانحة مفاوضيها ورقة ضغط إضافية.

ووفقا لصحيفة "وول ستريت جورنال"، بينما اكتسبت إيران نقطة قوة اقتصادية جديدة من خلال سيطرتها على مضيق هرمز، كانت الولايات المتحدة وإسرائيل تركزان منذ فترة طويلة على منع طهران من الحصول على سلاح نووي. وكان إحباط الطموحات النووية الإيرانية أحد أهم أسباب واشنطن لخوض الحرب.

دمرت الضربات الأمريكية والإسرائيلية المختبرات ومرافق البحث التي تقول إن إيران استخدمتها في أعمالها المتعلقة بالأسلحة النووية. كما تسببت في مزيد من الضرر لبرنامج التخصيب لديها، حيث دمرت موقعا لصنع "الكعكة الصفراء" – المادة الخام التي يمكن تحويلها إلى يورانيوم مخصب، لكن الخبراء يقولون إن إيران لا تزال تمتلك على الأرجح أجهزة طرد مركزي وموقعا تحت الأرض قد تكون قادرة فيه على تخصيب اليورانيوم.

والأهم من ذلك، أنها احتفظت بمخزونها الذي يقارب 480 كيلوغرام من اليورانيوم شبه الصالح لصنع الأسلحة – نصفه مدفون في صناديق في نفق عميق تحت موقع أصفهان النووي، وفقا للوكالة الذرية التابعة للأمم المتحدة.

وقال إريك بروير، مسؤول البيت الأبيض السابق الذي عمل على ملف إيران خلال إدارة ترامب الأولى: "لن تتخلى إيران عن هذه الأشياء بسهولة. مطالبها ستكون أعلى مما كانت عليه" خلال المحادثات في فبراير للتخلي عن المواد.

وأشارت الصحيفة إلى أن الكثير من الضرر الذي لحق بالبرنامج النووي الإيراني حدث خلال حرب الـ 12 يوما في شهر يونيو 2025، حينما أسقطت الولايات المتحدة قنابلها الضخمة الخارقة للتحصينات على موقعين لتخصيب اليورانيوم – فردو ونطنز – ودمرت مبانٍ نووية في أصفهان بصواريخ توماهوك.

 

طرف يفرض شروطه

 

يرى تحليل في مجلة "The Atlantic" الأمريكية نشر قبل فشل محادثات إسلام آباد، أن اختيار ترامب لنائبه جاي دي فانس لقيادة المفاوضات مع إيران يعكس محاولة لتفادي كلفة الحرب سياسياً، في وقت تمكنت فيه طهران من تحويل موقعها من هدف للضغط إلى طرف يفرض شروطه.

دخل دونالد ترامب الحرب بهدف كسر قوة إيران. لكن بعد إنفاق 50 مليار دولار، لا تزال الجمهورية الإسلامية، رغم ما تعرضت له من ضربات، صامدة. ومع انطلاق المحادثات في إسلام آباد، يبدو أن المعادلة قد انقلبت. فبعدما كان ترامب يسعى لتحديد مستقبل إيران، قد تصبح طهران اليوم هي من يحدد مستقبله. إذ تمتلك إيران قدرة التأثير في إرث ترامب السياسي، بل وحتى في المستقبل السياسي لنائبه جاي دي فانس.

سيحكم على أهمية هذه الحرب على مدى عقود، لا أسابيع. لكن في الوقت الراهن، تشعر الجمهورية الإسلامية بأنها منتصرة. قبل 3 أشهر، كانت الأخبار العالمية تتحدث عن قمع طهران لشعبها، أما اليوم فتدور حول نجاحها في الصمود بوجه الولايات المتحدة و"إسرائيل". وحتى لو كان الهدف قبل الحرب تغيير النظام في إيران، فإن المطلوب اليوم لم يعد الاستسلام الكامل، بل التعاون.

اكتشفت إيران أن قوة نفوذها اقتصادي أكثر منه نووياً. فالقليل من الدول يشعر بتهديد مباشر من قنبلة إيرانية، لكن معظم دول العالم تأثرت بإغلاق إيران لمضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو ربع النفط المنقول بحرا وخمس الغاز الطبيعي عالمياً. قبل الحرب، كانت أكثر من 100 سفينة تعبر المضيق يومياً، لكن في 8 أبريل لم تمر سوى 4 سفن فقط. وقد شكّل هذا الضغط جوهر الاستراتيجية الإيرانية.

فبحسب تقارير صحافيين في البيت الأبيض، يبدو أن ترامب بدأ بالفعل الابتعاد عن ملف الحرب، بعدما أدرك كلفته السياسية، مفضلاً ترك نتائجها لفانس. وقد قال مازحاً: "إذا لم ينجح الاتفاق، سأحمل فانس المسؤولية، وإذا نجح فسآخذ الفضل لنفسي". وهكذا، يجد فانس نفسه أمام معادلة صعبة: فشل الاتفاق يضره، وعدم التوصل إليه يضره أيضاً، بينما الاتفاق الجيد هو الخيار الوحيد المفيد، في حين لا تبدو إيران مستعدة لتقديمه.

من جهتها، تفضل إيران التعامل مع فانس، إذ تعتبره صوتاً أقل ميلاً للحرب داخل التيار المؤيد لترامب، وأقل قرباً من "إسرائيل" مقارنة بشخصيات أخرى، فضلاً عن طموحاته السياسية التي تدفعه للبحث عن تسوية سريعة. وإذا وصل مستقبلاً إلى الرئاسة، فسيكون ملزماً بما يوقعه في هذه المفاوضات.

مع ذلك، لا يوجد تقاطع حقيقي بين مطالب الطرفين. فترامب يطالب بوقف كامل لتخصيب اليورانيوم، بينما تعتبره إيران حقاً سيادياً. ويطالب بوقف دعم الحلفاء الإقليميين، فيما تصفهم طهران بـ"المقاومة". كما يطالب بوقف برنامج الصواريخ الباليستية، وهو ما ترفض إيران مناقشته. وبينما تعرض واشنطن تخفيف العقوبات، تطالب طهران برفعها بالكامل، إضافة إلى تعويضات عن الحرب.

استغرقت إدارة أوباما نحو عامين للتوصل إلى اتفاق نووي محدود، بينما أمام إدارة ترامب أسابيع قليلة لمعالجة ملفات أكثر تعقيداً، تشمل مضيق هرمز والبرنامج النووي والصاروخي والدور الإقليمي لإيران. لذلك، فإن أفضل سيناريو محتمل في إسلام آباد قد لا يكون حلا شاملا، بل مجرد انتقال من حرب ساخنة إلى صراع بارد.

وقد عبر المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني بوضوح عن أهدافه، معتبراً أن محادثات إسلام آباد تهدف إلى تثبيت "انتصار" تحقق في الميدان، وليس مجرد التفاوض. وأكد أن وقف إطلاق النار "لا يعني نهاية الحرب". وبذلك، لا يذهب فانس لعقد صفقة، بل للاستماع إلى شروط إيران.

وفي مقارنة تاريخية، كما احتجزت إيران رهائن أمريكيين خلال عهد جيمي كارتر، فإنها اليوم تمارس ضغطاً من نوع مختلف عبر مضيق هرمز، مستهدفة التأثير على الإدارة الأمريكية سياسياً بدلا من هزيمتها عسكريا.

 

عمر نجيب

[email protected]