حين يتحول خطاب العدالة إلي اصطفاف عرقي:قراءةفي مقال كاداتا مالك جالو

أربعاء, 2026-02-25 16:08

في مقالها الأخير، تكشف السيدة كادياتا مالك جالو – من حيث أرادت الدفاع عن العدالة – عن نزعة إقصائية تغلق الباب امام مظالم الآخرين . فبدل أن تفتح بابًا جامعًا لنقاش وطني هادئ ومسؤول حول ملف الإرث الإنساني، ذهبت إلى تصنيف مخالفيها ضمن خانة «الشوفينيين المتطرفين العنصريين»، وكأن الحقيقة حكر على طرف واحد، وكأن الوطنية تُقاس بزاوية النظر إلى هذا الملف المعقد.
إن أخطر ما في هذا الطرح أنه يُعيد إنتاج المقاربة الأحادية نفسها التي تدّعي محاربتها. فملف الإرث الإنساني في موريتانيا ليس ملكًا لفئة دون أخرى، ولا قضية حصرية لمكوّن بعينه، بل هو شأن وطني عام يهمّ كل من تعرّض لظلم في ظل الأحكام الاستثنائية، أيًّا كان انتماؤه الاجتماعي أو العرقي. وعندما يتم تقديم الملف وكأنه خاص بمكوّن محدد، فإن ذلك يُقصي – ضمنيًا – مكوّنات أخرى،عانت بدورها من الاعتقالات والتصفيات والسجون خلال فترات التوتر السياسي.
إن العدالة ، إن أردناها حقًا، لا تقوم على الانتقاء، ولا على تحميل مكون بعينه  وزر مرحلة تاريخية معقدة، بل تقوم على مبدأ المواطنة المتساوية، وعلى الاعتراف الشامل بكل الضحايا دون تمييز. أما تحويل الملف إلى أداة لإدانة «الآخر» جماعيًا، فذلك يعمّق الشرخ بدل أن يرممه.
كما أن الاصطفاف الضمني إلى جانب خطاب حركي ذي خلفية عرقية – كما هو الحال مع بعض أطروحات حركة أفلام – يطرح تساؤلات مشروعة حول حدود التماهي بين الدفاع عن الضحايا وبين تبني سردية سياسية أحادية. فليس من المقبول أن يُنصّب أي فاعل سياسي نفسه ناطقًا حصريًا باسم مكوّن اجتماعي معيّن، أو وصيًا على تعريف المظلومية وتحديد من يحق له الحديث عنها.
إن الوطن لا يُبنى بمنطق الاتهام الجماعي، ولا بتوزيع صكوك الوطنية، بل بالحوار الصريح الذي يعترف بتعقيد التاريخ، ويتجنب اختزاله في ثنائية ظالم/مظلوم على أساس عرقي. فموريتانيا عرفت انتهاكات متعددة السياقات، ولا يجوز اختزالها في سردية واحدة أو ربطها بهوية جماعية محددة.
إن المطلوب اليوم ليس شيطنة المخالفين، ولا تخوين من يطالبون بمقاربة شاملة لملف الإرث الإنساني، بل هو بناء أرضية مشتركة تعترف بأن الظلم، حين يقع، يُدان لذاته لا لهوية مرتكبه أو ضحيته. وأي طرح يُقصي مكوّنًا وطنيًا أو يُحمّله مسؤولية تاريخية جماعية، إنما يُعيد إنتاج الأزمة بدل حلّها.
وإذا كانت المصالحة الوطنية هدفًا صادقًا، فإن أول شروطها هو الكفّ عن تصنيف المجتمع إلى «ضحايا حصريين» و«متهمين جماعيين»، والاعتراف بأن الجميع معنيّ بالحقيقة والإنصاف، بعيدًا عن المزايدات الخطابية أو الاصطفافات الهوياتية الضيقة.
سيدي محمدولداخليفه