المقال الصحفى والمقال السياسى.. الحرب السعودية اليمنية مثالا

أربعاء, 2026-10-14 23:36

عادة تفرق النظرية العامة بين المقال الصحفى والسياسى ولكن فى الدول العربية يخلطون بين الإثنين .

فالمقال السياسى هو الذى يرتكز على حدث سياسى أو حقيقة سياسية أما المقال الصحفى فهو يرتكز على حدث صحفى أو إعلامى ويتناوله عادة العاملون فى الصحافة ونادراً يظهر منهم كاتب سياسى لأن الحقلين مختلفان تماماً.

 فالمقال السياسى له وسائل تحليل خاصة ويمكن لنظرية الاحتمالات أن تلعب دوراً فى المقال السياسى إذا لزم الأمر.

أما المقال الصحفى فليس فيه احتمالات على عكس المقال السياسى. كما أن المقال الصحفى يرتكز على الوقائع أما المقال السياسى فيستند إلى الحقائق السياسية والخيال السياسى.

 فمثلاً الأزمة بين السعودية والإمارات التى نشبت بالأمس . هذه الأزمة أسبابها سياسية وبالتالى التحليل لابد أن يكون سياسياً أما التغطية الصحفية فلاتفارق الواقع الإعلامى. صحيح أن التصريحات والبيانات الرسمية والتعليقات الرسمية تعتبر زاد للمقالين السياسى والإعلامى ولكن طريقة المعالجة تختلف بين المقال السياسى والمقال الصحفى.

 فالمقال السياسى لابد أن يكون تحليليا. أما المقال الصحفى فلابد أن يكون واقعياً. وهذا المثل الذى ضربنا فى المقال السياسى يعدد أسباب هذه الأزمة ومنها على سبيل المثال أن الإمارات محسوبه عربياً على مناهضة المصالح العليا العربية >

ففى اليمن حيث الأمن القومى السعودى كانت الإمارات تريد شق اليمن إلى شمال وجنوب واليمن فيه احتمالات التقسيم حيث عزلت بريطانيا عدن الميناء فى الجنوب عن سائر مناطق اليمن ،ثم جاء الاتحاد السوفيتى فقسمها وأدخل النظام الشيوعى فى عدن وأصبحت دولتان فى اليمن يحارب بعضها بعضاً وقد ساعدت السعودية شمال اليمن على توحيد اليمن.

 ومن مصلحة السعودية أن تسوى المشكلة اليمنية سلمياً بدل أن تغوص فى وحل اليمن. وفى السودان كانت مصلحة السعودية مع الجيش السودانى والاستقرار فى السودان فكانت الامارات وإسرائيل تؤيدان حميدتى أى الميلشيات التى كانت السبب الاساسى فى عدم استقرار السودان. ومصر مصالحها فى السودان ولذلك تلتقى مع السعودية على خط فرعى وهو استقرار السودان وانهاء الانقسام فى السودان مع غلبة الجيش السودانى >

وقد حاولت مصر والسعودية تسوية الأزمة كل بطريقته ولما فشلت محادثات جدة منذ عامين اتخذت السعودية موقفاً حاداً ضد الامارات. والمعالجة الصحفية لهذا النزاع هى فى الواقع معالجة سياسية لأن موقف الإعلام السعودى والإعلام السودانى والإعلام المصرى من هذه الأزمة متطابق ولا فرق بين السعودية ومصر إلا أن مصر لا تستطيع أن تعادى الامارات لاسباب مفهومة ربما كانت السعودية تفكر فى لعب دور الدولة الرائدة عربيا وهذا لا يزعج مصر لأن تفسيرى للحالة العربية أنه منذ عام 1979 وخروج مصر بمعاهدة السلام من الصراع العربى الإسرائيلى تركت العالم العربى وهو يبحث عن دولة رائدة تعوض الفراغ الذى تركته مصر ولكن المشكلة أن مصر دورها لا يمكن أن يقوم به أحد.

 ولذلك فأزمة العلاقات السعودية الإماراتيه وهى أزمة لابد من بيان طبيعتها هل الأزمة سببها خوف السعودية على العالم العربى من التشرذم هناك تنافس بين قيادات البلدين على النفوذ فى العالم العربى ولذلك كل من السعودية والامارات يريد مصر إلى جانبه ومصر الأقرب للسعودية من حيث المزاج السياسى ولكن العلاقة الحميمة بين قيادة مصر وقيادة الإمارات تمنع مصر من الدخول فى دائرة العداء للإمارات خاصة وأن الإمارات تضر بمصر فى أكثر من موقع .

ولكن التحدى الأكبر للسعودية ليس الإمارات وانما الحوثى فى اليمن كذلك فالأزمة بين السعودية والإمارات يكفى أن تلتزم الإمارات بالمصالح العليا للعالم العربى لأن العالم العربى تلحقه أضرار فى ليبيا والسودان وسوريا ولبنان فإسرائيل كامنه فى كل تدمير للعالم العربى .

 ويقال أن الإمارات ساهمت في مشروع الانقلاب في تركيا 2016 .

ولكن مهمة العالم العربى رد الإمارات إلى خط المصالح العربية العليا والعالم العربى لابد أن يكافح مخططات إسرائيل لتدمير العالم العربى ليس فقط فى فلسطين وانما فى أماكن أخرى.

مثال آخر للفرق بين المقال السياسى والمقال الصحفى. فى فلسطين هذه المرة فالسلطة الوطنية الفلسطينية أقرب إلى إسرائيل والنظم العربية من قربها إلى حماس وحماس خصم سياسى داخلى فى اطار النظام السياسى الفلسطينى وخصم سياسى خارجى فى اطار العالم العربى والبديل عن أبو مازن هو محمد دحلان الذى تتبناه الإمارات. فإذا كان أبو مازن يناهض المقاومة فما عيب أبو مازن أن يستمر من وجه نظر النظم العربية ولماذا تهتف هذه النظم إلى استبداله بمحمد دحلان ولماذا لا يتمسك أبو مازن بحماية الشعب الفلسطنى في مواجهة إسرائيل.

فى هذا المثال المقال الصحفى يركز على ما قالته الصحافة أما المقال السياسى فيحلل العلاقات بين السلطة وكل من المقاومة والنظم العربية وإسرائيل. ولماذ لا تعادي السلطة الوطنية الإمارات مادامت توفر الغطاء اللازم لاستبدال أبو مازن .

والخلاصة، أننا يجب أن نميز بين المعالجة الصحفية والمعالجة السياسية للأحداث فالحدث مجرد يكتسب اللون الصحفى أو اللون السياسى فيما بعد ونريد أن هذا التمييز يدخل أدبيات الدراسة والممارسة فى العالم العربى.

السفير د. عبدالله الأشعل كاتب ودبلوماسي مصري