بيرام يتساءل: أين المليارات؟

اثنين, 2026-09-28 17:32

قال زعيم حركة "إيرا" النائب البرلماني بيرام الداه اعبيد في تدوينة له: "مليار وستمائة وأربعون مليون دولار أي ما يقارب 660 مليار أوقية قديمة. هذا، وفقا للبنك الدولي، هو حجم التمويلات الضخمة التي التزمت بها المؤسسة لصالح موريتانيا خلال الفترة الممتدة من 2019 إلى 2026، من أصل ما يقارب 3.27 مليارات دولار من التمويلات عبر 112 عملية، أي أكثر مما حصلت عليه موريتانيا خلال الفترة الممتدة من 1960 إلى 2019.

صحيح أن التمويل لا يعني بالضرورة دينا؛ فقد يكون قرضا ميسّرا، أو منحة، أو التزاما من نوع آخر. كما أن الالتزام بالتمويل لا يعني بالضرورة صرفه. وصحيح أيضا أن الدين العمومي، وفقا لصندوق النقد الدولي، كان في حدود 40% من الناتج المحلي الإجمالي سنة 2025، وأن الصندوق يعتبره مستداما.

لكن استدامة الدين تجيب عن سؤال واحد فقط وهو هل تستطيع الدولة الوفاء بالتزاماتها تجاه دائنيها؟ لكنها لا تجيب عن سؤال آخر أكثر التصاقا بحياة المواطنين وهو ماذا غيّرت هذه الأموال في حياة الناس؟ فقد تكون حسابات الدولة سليمة، بينما تظل الحنفيات جافة.

ومن هنا يأتي السؤال الذي أطرحه باسم الموريتانيين. لقد جرى تعبئة المليارات لقطاعات الماء والكهرباء والصرف الصحي والصحة والتعليم والزراعة والحماية الاجتماعية والرقمنة وتشغيل الشباب. فأين النتائج الملموسة على أرض الواقع وفي حياة المواطنين ؟

في مدننا وقرانا، لا تزال أغلبية المواطنين محرومة من الماء الصالح للشرب. فماذا غيّرت هذه التمويلات بالنسبة إليهم؟ ولا تزال نسبة واسعة من من سكان البلد محرومة من الكهرباء، أما الذين تصلهم الكهرباء، فقد أصبحت الانقطاعات جزءا من حياتهم اليومية. فماذا غيّرت هذه التمويلات؟ هل أصبحت مدننا أكثر قدرة على مواجهة مشكلات الصرف الصحي وتصريف مياه الأمطار؟ يكفي أن ننظر إلى نواكشوط هذه الأيام بعد بضعة مليمترات من الأمطار. كما ان الكثير من مدارسنا ومستشفياتنا توجد في حالة متقدمة من التدهور. فهل أصبحت تعمل اليوم بصورة أفضل مما كانت عليه بالأمس؟ وهل وجد شبابنا الذي يعاني من البطالة وانعدام الأمل وانسداد الآفاق فرصا للعمل بفضل البرامج التي جرى تمويلها، في وقت يضرب فيه نقص فرص العمل، واتساع الاقتصاد غير الرسمي، والهشاشة الاقتصادية والاجتماعية، أعدادا كبيرة من الأسر؟

من الواضح أن أغلبية هذه الأموال تبخرت في دوامة الإعلانات والوعود التي تغطي عن أصناف الفساد غير المسبوق. إذ لم يتم استخدامها بكفاءة، ولا تمت ادارتها بشفافية، ولم ير المواطن نتائجها وآثارها.

ولذلك، فإنني أطالب بأن تُعرض على البرلمان التمويلات الكبرى التي جرى تعبئتها خلال السنوات الأخيرة، مشروعا مشروعا. وبالنسبة إلى كل مشروع: ما طبيعة التمويل؟ كم تبلغ قيمته؟ كم تم الالتزام به؟ وكم تم صرفه فعليا؟ وما مستوى تنفيذه؟ وما النتائج التي تحققت؟ وما الأثر الحقيقي الذي تركه على السكان؟

على الحكومة التي تدير المال العام أن تؤدي هذا الاستحقاق للحقيقة أمام الشعب. فالتوقيعات، والمراسم، والإعلانات ليست نتائج. النتائج تُقاس بما يبقى بعد إنفاق المال: بئرٌ يتدفق منه الماء، ومصباحٌ يظل مضاء، وفصلٌ دراسي يتعلم فيه الأطفال، ومستشفى يقدم العلاج، وشاب يجد عملا.

الأوطان لا تُبنى بما توقّعه الحكومات من اتفاقات، بل بما يتغيّر فعلا في حياة الناس وفي واقع الوطن.

28 شتمبر 2026