
منذ السابع من أبريل 2026 وبعد مصادقة كل من طهران وواشنطن على اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه باكستان بشكل رئيسي مع قطر، في الحرب التي شنتها واشنطن وتل أبيب على طهران في 28 فبراير 2026 والتي فشلت في اسقاط النظام الإيراني أو إجباره على الاستسلام، طرحت توقعات كثيرة على ضوء تواصل عمليات عسكرية محدودة أساسا بين إيران والولايات المتحدة حول العمر الافتراضي للحرب المصغرة في الخليج العربي قبل تحولها إلى حرب شاملة من جديد أو الانتقال إلى وضعية لا حرب ولا سلام في انتظار مرجح لمواصلتها في موعد لاحق.
في اليوم المئة لبداية الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران بفارق ساعات قليلة يظهر أن العالم مع بعض الشكوك قد وصل إلى نهاية مرحلة المواجهة العسكرية المصغرة وانتقل مرة أخرى إلى الحرب الشاملة.
من 7 أبريل 2026 وحتى 6 يونيو فرضت إيران معادلة ردع مع واشنطن حيث ردت على كل عملية عسكرية أمريكية ضدها برد فعل أكبر وظلت الولايات المتحدة تمتنع عن التصعيد بدرجة عالية وهو ما ولد انتقادات كثيرة لإدارة البيت الأبيض خاصة من طرف المحافظين الجدد في واشنطن وكذلك ساسة تل أبيب. غير أن طهران لم تحسم معادلة الردع مع تل أبيب، وبقي حزب الله اللبناني يسعى لإنجاز هذه القدرة بمفرده.
أوساط عدة في الغرب فسرت هذه الوضعية بوجود ضغوط وتدخلات من طرف بكين وموسكو، او الخوف من رد إيراني عسكري كبير يهدد المصالح الأمريكية في دول الخليج ويهدد الوضع المستقبلي للمنطقة في القدرة على تزويد أسواق العالم بالنفط والغاز المسيل والمشتقات الأخرى الأساسية للعالم. التفسير تبدل بعض طرح الإحتمال النووي.
نقلة نوعية في معادلات المواجهة انطلقت بعد أن أكدت مصادر كثيرة ومن بينها هذا الموقع ومنذ نهاية فبراير 2026 أن طهران أصبحت عمليا قوة نووية عسكرية بإمتلاكها ما بين 8 و 11 قنبلة نووية لا يتجاوز وزنها بين 150 و 180 كيلوغراما للواحدة وبالتالي يمكن وضعها على الصواريخ التي تملكها إيران. هذا الأمر لم يكن سريا حيث حذر ستيف ويتكوف، المبعوث الخاص للرئيس الأمريكي يوم 10 مارس 2026، من أن امتلاك إيران لقدرات نووية يشكل "تهديداً وجودياً" لإسرائيل، مؤكداً في تصريحاته أن "قنبلة واحدة كفيلة بالقضاء على إسرائيل ومحوها من الوجود".
خلال الأيام الأخيرة من شهر مايو وبداية شهر يونيو 2026 تضاعفت المعلومات عن امتلاك طهران لسلاح نووي، قال البعض أنه أنجز بقدرة إيرانية فقط، وذكر آخرون أنه تم بالتعاون مع باكستان وذهب فريق ثالث أن كوريا الشمالية زودت طهران بالسلاح النووي.
هنا من الواجب التذكير والربط بالأحداث الحالية بملحمة الدكتورعبد القدير خان العالم المهندس الباكستاني المعروف عالمياً بلقب "أب القنبلة النووية الباكستانية" (أو القنبلة النووية الإسلامية)، حيث قاد بلاده بنجاح لتصبح أول قوة نووية في العالم الإسلامي وسابع قوة نووية دولياً.
بعد إنجاز الهند لأولى تجاربها النووية عام 1974، قرر تسخير خبرته التي اكتسبها في منشآت تخصيب اليورانيوم عبر العالملمساعدة وطنه في تحقيق الردع العسكري وتأسيس البرنامج النووي: تولى الإشراف العلمي على تطوير منشآت تخصيب اليورانيوم، وأسس "مختبر الأبحاث الهندسية" في بلدة كاهوتا عام 1976، والذي سمي لاحقاً باسمه تقديراً له. توجت جهوده في شهر مايو من عام 1998 عندما نجحت باكستان في إجراء تجاربها النووية الست الشهيرة في جبال بلوشستان، رداً على التجارب الهندية. واجه ضغوطاً وعقوبات غربية مشددة بعد اتهامه بتسريب تكنولوجيا وتصاميم أجهزة الطرد المركزي الخاصة بتخصيب اليورانيوم إلى دول أخرى مثل كوريا الشمالية وإيران والعراق ومصر وليبيا وتركيا.
فشلت المخابرات الاسرائيلية الموساد وغيرها في اغتيال الدكتور عبد القدير خان رغم محالات عديدة، وقد توفى العالم الجليل في أكتوبر من عام 2021 عن عمر ناهز 85 عاماً، ونظم له تشييع جنائزي رسمي مهيب في باكستان تقديراً لكونه بطلاً قومياً.
احتمالية امتلاك طهران لقدرة نووية عسكرية تم التغاضي عنه وتغييبه في وسائل الأعلام خاصة الغربية مع بداية الربع الثاني من شهر يونيو 2026 في وقت بدأ تبادل القصف الصاروخي بين طهران وتل أبيب.
في نفس الوقت شرع الرئيس الأمريكي ترامب مع بداية شهر يونيو 2026 وفي تصريحاته المختلفة في استعمال لهجة مختلفة تجاه ساسة طهران ورغبته مثلا في الاجتماع مع مجتبى خامنئي، الأمر قد يكون خديعة ومناورة أو بسبب التيقن من امتلاك طهران لقدرة نووية عسكرية وصعوبة الحسم عسكريا ضدها.
بينما تختلط الأوراق في الخليج العربي تواجه إسرائيل وضعا صعبا في مواجهتها مع المقاومة اللبنانية بقيادة حزب الله على الجبهة الشمالية وتسعى لإخفاء خسائرها سواء بالنسبة لمجنديهاأو في صفوف ما يزيد عن 66 الف من المتطوعين الأجانب أو المرتزقة الذين يشاركون الجيش الإسرائيلي في القتال ضد حماس في غزة وحزب الله في لبنان وبقايا المقاومة الوطنية في جنوب سوريا.
في اليوم 100 من بداية الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران يقف الشرق الأوسط نقطة المركز في الصراع العالمي من أجل نظام عالمي جديد في مفترق الطرق، بينما تلوح في الأفق أخطار حرب عالمية ثالثة لأن القوى الامبراطورية التي سادت منذ سقوط الاتحاد السوفيتي في العقد الأخير من القرن العشرين ترفض الترجل والنزول من على عرشها.
الحرب في حلة جديدة
ذكرت وكالة الانباء الروسية فجر يوم الاثنين 8 يونيو 2026 أنه تم رصد إطلاق صواريخ من إيران نحو إسرائيل ورصد انفجارات في سماء القدس ورام الله. فيما تحدثت تل أبيب عن هجمات على غرب ووسط إيران.
وأطلقت إيران، مساء الأحد، أكثر من 28 صاروخا باتجاه إسرائيل للمرة الأولى منذ وقف إطلاق النار في أبريل، معتبرة أن الهجوم جاء ردا على قصف الضاحية الجنوبية لبيروت. ودعا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إسرائيل إلى عدم الرد، محذرا من تأثير التصعيد على المفاوضات الجارية مع طهران.
وأكد الجيش الإسرائيلي رصد صواريخ أطلقت من إيران، موضحا أن الإنذارات شملت مناطق عدة بينها حيفا وقيسارية والخضيرة. وأشارت بيانات عسكرية إسرائيلية لاحقة إلى رصد دفعتين إضافيتين من الصواريخ.
جاء في تقرير نشر في موسكو يوم الأحد 7 يونيو: تتسابق عقارب الساعة في أروقة صناعة القرار بواشنطن وتل أبيب، وسط نقاش حاد بين الاستخبارات والأوساط الأكاديمية حول مستقبل البرنامج النووي الإيراني.
والنقاش هذه المرة لا يدور حول قدرات طهران فحسب، بل حول "سيكولوجية القائد الجديد"، ففي ظل التغيرات الجذرية التي طرأت على هرم السلطة في طهران عقب عملية الاغتيال التي طالت المرشد الأعلى علي خامنئي، وزوجته، وأحد أبنائه، تتبلور مخاوف غربية وإسرائيلية من أن "فتوى حظر السلاح النووي" أصبحت على وشك السقوط.
وحسب تقييمات استخباراتية غربية، ينظر إلى مجتبى خامنئي على أنه شخصية مختلفة تماماً عن والده. فهو ليس أكثر تطرفاً فحسب حسب المفهوم الغربي، بل يوصف بأنه "أكثر تحرراً من القيود البراغماتية" التي كان يتقيد بها والده حول السلاح النووي ويستنتج المحللون أن لدى القائد الجديد دافعاً ثأرياً ووجودياً.
وقد عرضت هذه الخلاصات الاستخباراتية مؤخراً على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. ورغم أن الخيار العسكري يظل الطاغي، إلا أن مصادر مطلعة تشير إلى أن ترامب، ورغم ميله للحزم، يدرك أنه "لو كان هناك سبيل سهل وسحري لإنهاء الملف، لاختاره منذ زمن".
وفي السياق، تروج أوساط إعلامية وسياسية في إسرائيل لنظرية "الضربة المثالية"، حيث ردد بعض المعلقين علناً مقولة "يأتون، يأخذون ما يريدون، ويغادرون " (Come, take, go)، في إشارة إلى عملية عسكرية خاطفة لتدمير المنشآت النووية. لكن خبراء عسكريين واستخباراتيين يحذرون من أن هذا الطرح يفتقر إلى الفهم الحقيقي لتعقيدات الميدان.
الواقع، كما تقول المصادر، "أكثر تعقيداً بكثير"، وأن أي عملية من هذا القبيل ستفتح باباً على مصراعيه لمضاعفات إقليمية ودولية قد تهدد فرص النجاح وتجر المنطقة إلى حرب شاملة لا تحمد عقباها.
في الوقت الذي يجري فيه النقاش عن قدرة طهران النووية، صرح مصدر أمريكي مطلع يوم الجمعة 5 يونيو إن ستيف ويتكوف المبعوث الخاص للرئيس الأمريكي دونالد ترامب وصهره جاريد كوشنر توجها يوم الخميس 4 يونيو إلى مختبر أوك ريدج الوطني في ولاية تنيسي للتشاور مع خبراء قد يضطلعون بدور في المفاوضات النووية مع إيران.
وأكد المصدر صحة تقرير موقع أكسيوس بهذا الشأن، ولم يقدم تفاصيل إضافية.
ويصر ترامب على أن يتضمن أي اتفاق لإنهاء الحرب مع إيران بندا يمنع طهران من صنع سلاح نووي.
ويعتقد أن إيران كانت تمتلك أكثر من 480 كيلوغرام من اليورانيوم عالي التخصيب ينسبة 60 في المئة نهاية سنة 2024 وأنها ربما قامت بتصنيع المزيد.
وتشدد طهران على ضرورة احتفاظها بقدرتها على تخصيب اليورانيوم.
العد التنازلي
ورغم تعقيدات الميدان، إلا أن الخلاصة الاستراتيجية في تل أبيب وواشنطن تبدو واضحة وحاسمة: الأمور قد حسمت. لم يعد السؤال المطروح في أروقة البنتاغون ومكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي هو "هل ستشن الحرب؟"، بل تحول إلى "متى ستُشن؟".القرار النهائي، وبحكم المعادلات الدولية، يقع في يد الرئيس ترامب.
وقد كشفت مصادر مقربة أن ترامب كان على وشك إصدار الأوامر بالبدء في حرب واسعة يوم الثلاثاء 2 يونيو، لكنه تراجع في "اللحظة الأخيرة" لدراسة بعض المتغيرات. ورغم أن البعض يشكك في دقة هذا التوقيت، إلا أن الأهمية تكمن في أن "الوقت الحالي" لا يعد الأنسب للتحرك.
وتفرض الروزنامة السياسية والرياضية العالمية ضغوطاً هائلة على صناع القرار في واشنطن لتوجيه ضربة حاسمة قبل فوات الأوان.
وحسب التحليلات، فإن منتصف شهر يوليو 2026 سيشهد ذروة كأس العالم لكرة القدم، وهو حدث عالمي ضخم تستضيفه أمريكا الشمالية، مما يفرض قيوداً أمنية وسياسية واقتصادية صارمة.يلي ذلك موسم العطلات الصيفية العالمية، ثم الانشغال الأمريكي الداخلي بانتخابات التجديد النصفي للكونغرس في الخريف، والتي لا ترغب أي إدارة أمريكية في خوض غمار حرب إقليمية كبرى في أثنائها. وبعد ذلك، سيحل الشتاء بظروفه الجوية وتعقيداته العسكرية.
لذلك، وبكل بساطة، كما يخلص المحللون: "النافذة مفتوحة الآنولكن لمدة قصيرة.. ولا أحد يدري متى ستشن، أو هل ستُشن في ظل معطيات قد تتغير تماماً بعد أشهر قليلة".
الهاجس المميت
ذكرت وكالة رويترز يوم الأحد 7 يونيو في تحليل لها:
تضغط الولايات المتحدة على دول أخرى أعضاء في مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية لدعم مشروع قرار يراد به اجبار إيران على إبلاغ الوكالة بمصير مواقعها النووية التي تعرضت للقصف واليورانيوم المخصب الذي كان مخزنا فيها.
وينذر نص مشروع القرار الأمريكي بزيادة تعقيد المحادثات الجارية بين الولايات المتحدة وإيران. واطلعت رويترز يوم الأحد على النص الذي وزع قبيل الاجتماع الفصلي لمجلس محافظي الوكالة المؤلف من 35 دولة. وعادة ما ترد إيران على القرارات الصادرة ضدها في الوكالة الدولية للطاقة الذرية عبر تصعيد أنشطتها النووية أو تقليص تعاونها.
ومرت قرارات سابقة صادرة عن مجلس الوكالة بأغلبية مريحة بشأن إيران قدمتها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا. وصدر أحدها في نوفمبر2025 وطالب إيران بإبلاغ الوكالة "دون تأخير" بوضع مخزونها من اليورانيوم المخصب والمواقع المتضررة، وهو ما لم يحدث حتى الآن.
وورد في النص أنه يتعين على إيران أن "تزود الوكالة بمعلومات دقيقة عن حسابات المواد النووية والمنشآت النووية الخاضعة للحماية... وأن تتيح للوكالة جميع الصلاحيات التي تحتاجها للتحقق من هذه المعلومات". ووصفت الخطوتان بأنهما "ضروريتان وعاجلتان"، ويجب تنفيذهما "دون تأخير".
ضعف في القيادة
في نطاق مسلسل البحث عن سلاح إيران النووي، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لصحيفة فاينانشال تايمز في مقابلة نشرت يوم الأحد 7 يونيو إن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لن يكون أمامه خيار سوى قبول أي اتفاق تتوصل إليه الولايات المتحدة مع إيران، لأن ترامب هو "صاحب القرار".
ونقلت الصحيفة عن ترامب قوله "لن يكون لديه أي خيار".
تقول الصحفية نيكول راسل لصحيفة – USA Today
قرار ترامب ببدء صراع مع إيران، وتذبذبه بين الجرأة والتحدي في لحظة، ثم الإحباط والتردد والفتور في اللحظة التالية، يعكس ضعفاً في القيادة.
وأضافت: قمت بالتصويت للرئيس دونالد ترامب لأسباب عديدة، وهي أنني كنت آمل أن يؤمن الحدود وأن يخفِّض الضرائب ويحسِن الاقتصاد ويعزِز جيشنا. وقد تناول كل هذه الأمور في الأشهر الأولى من ولايته - بعضها أفضل من غيرها. أما الأمر الوحيد الذي لم أقم بالتصويت له فهو حرب لا نهاية لها مع إيران، وبدأنا نشعر بأننا نتجه نحوها.
لقد أقرَ مجلس النواب الأمريكي قرارًا في 3 يونيو من شأنه إنهاء صراع ترامب إذا ما أقرَّه مجلس الشيوخ. وانضمَ 4 جمهوريين إلى الديمقراطيين في التصويت، وهو ما وصفه ترامب بأنه "غير وطني".
وكان ترامب قد ناقش في 1 يونيو محادثات السلام مع إيران بعد أن قال في وقت سابق من ذلك اليوم على وسائل التواصل الاجتماعي إن الجمهورية الإسلامية "تريد حقًا إبرام صفقة" مع إدارته.
قال ترامب لإيمون جافرز من قناة سي إن بي سي: "بصراحة، لا يهمني إن انتهى الأمر أم لا. لا يهمني على الإطلاق. إن انتهى الأمر، فقد انتهى. وإن لم ينتهِ فأعتقد أن إيران استغرقت وقتاً طويلاً جداً".
ولكن، يا سيادة الرئيس، أنا أهتم حقاً بما إذا كانت محادثات السلام ستنجح وإلى أين تتجه هذه الحرب، والأهم من ذلك كله، متى ستعودون إلى شعار "أمريكا أولاً". فحربك تستهلك اهتمام الإدارة وأموال دافعي الضرائب، بينما تُلحق الضرر بالأمريكيين وتقوّض البرنامج الأولي.
وفي مقابلة مع زوجة ابنه لارا ترامب على قناة فوكس نيوز، تم بثّها في 30 مايو، قال إنه رغم سعيه الحثيث للتوصل إلى اتفاق يضمن عدم حصول إيران على سلاح نووي، إلا أنه ليس في عجلة من أمره.
وقال ترامب: "أودّ أن أقول إنني في عجلة من أمري لأن أسعار البنزين ستنخفض بشكل كبير، ولكن إذا كنتَ في عجلة من أمرك، فلن تُبرم صفقة جيدة. وأعتقد أننا نحصل على ما نريد، وببطء ولكن بثبات، وإذا لم نحصل على ما نريد فسوف ننهي الأمر بطريقة مختلفة".
وربما يتوافق هدف إيران الخالية من الأسلحة النووية مع مبادئ "أمريكا أولاً"، لكن الوصول إلى هذا الهدف بسرعة أمر لا يقل أهمية.
استنزاف موارد
ذكر موقع بوليتيكو في 2 يونيو أن الصراع يستنزف موارد الإدارة الأمريكية، وأن الأمريكيين يشعرون بآثاره.
وقد انخفض معدل الادخار الشخصي إلى 2.6 في المئة، وهو أدنى مستوى له منذ يونيو 2022. وارتفع التضخم مجدداً إلى أعلى مستوى له منذ مايو 2023. وباتت أسعار الوقود مرتفعة، أما أسعار المواد الغذائية فقد بلغت مستويات باهظة لدرجة أن بعض الأمريكيين يجدون صعوبة في تحمل تكاليفها.
كشفت دراسة جديدة أجرتها مؤسسة موديز أناليتكس أن الحرب كلّفت الأسر الأمريكية 750 دولارًا لكل أسرة، أي ما مجموعه 100 مليار دولار، وربطت الدراسة ارتفاع التضخم وأسعار الوقود وتراجع المدخرات مباشرة بالنزاع.
وكتب مارك زاندي، كبير الاقتصاديين في موديز، على موقع X: "اعتبارًا من 16 مايو لم تعد المبالغ الكبيرة المستردة من الضرائب التي حصل عليها الأمريكيون هذا العام تغطي التكاليف المرتفعة للبنزين والديزل ووقود الطائرات الناجمة عن الحرب. وبالتالي يتزايد الضغط المالي بسرعة، لا سيما على الأسر المتوسطة والمنخفضة الدخل التي تعاني أصلًا من ضغوط مالية".
إن قرار ترامب ببدء صراع مع إيران، وتذبذبه بين الجرأة والتحدي في لحظة، والإحباط والتردد والفتور في اللحظة التالية، يعكس ضعفاً قيادياً لم يتوقعه الأمريكيون. وأنا على يقين تام بأن معظم الناخبين البالغ عددهم 77 مليوناً الذين دعموه في انتخابات 2024 لم يكونوا كذلك.
البحر الأحمر
في الوقت الذي تتخبط فيه واشنطن وأنصارها في السعي لفتح الملاحة عبر الخليج العربي، أعلنت القوات المسلحة اليمنية يوم الأحد 7 يونيو 2026 حظر الملاحة البحرية بشكل كامل وتام على الاحتلال الإسرائيلي في البحر الأحمر، مؤكدةً أنّ كل تحركات الاحتلال في البحر الأحمر أصبحت هدفاً عسكرياً لها.
وشددت القوات المسلحة اليمنية، في بيانٍ للمتحدث باسمها يحيى سريع، أنّها ستواجه التصعيد بالتصعيد، موضحةً أن عملياتها العسكرية ستكون متصاعدة بما يواكب الأحداث والمعركة والاشتراك مع محور الجهاد والمقاومة.
وأكدت القوات المسلحة أنها وجهت ضربات بالصواريخ نحو أهدافٍ حساسة للاحتلال الإسرائيلي في منطقة يافا المحتلة، مشيرة إلى أن العملية حققت أهدافها بدقة.
وحددت القوات المسلحة اليمنية أنّ ذلك يأتي في إطارِ التصدي للعدوانِ الأمريكي - الإسرائيلي على إيران وفلسطين ولبنان والعراق واليمن، ورفضاً للمشروعِ الصهيوني الساعي لإقامةِ "إسرائيلَ الكبرى".
وأضافت أنّ هذا أيضاً جاء "سعياً لكسر الحصار الظالم والغاشم الذي يفرضه العدو الأمريكي على شعبنا وشعوب المحور في لبنان وغزة وإيران، وفي إطار مبدأ وحدة الساحات ومواجهة الأعداء".
ضعف إسرائيل
جاء في موقع "geopoliticalfutures" الامريكي يوم 3 يونيو 2026
تعاني "إسرائيل" ضعفاً استراتيجياً جغرافيا قوياً للغاية. وفي أوسع مساحة لها بالعرض، لا تتجاوز 114 كيلومتراً، وفي أضيق منطقة، لا يتجاوز عرضها 1.5 كيلومتر، ما يفقدها أي مساحة دفاعية، إضافةً إلى تخفيف قدرتها على المناورة في الكر والفر وإعادة التجمع وشن الهجوم، بينما العمق الدفاعي يعتبر عنصراً أساسياً للأمن القومي، لأنه يحدد الوقت المتاح للتعافي من أي هجوم أولي، حيث المساحة والوقت عنصران حاسمان في الحرب.
بغض النظر عن ظهور الطائرات المسيرة، لا يمكن لـ"إسرائيل" أن تتسامح مع هزيمة على حدودها، لأن الهزيمة ستمنحها، في أحسن الأحوال، مسافة 71 ميلا للتراجع. ومن هذا ينبع منطق عسكري محدد، حيث يتعين على "إسرائيل" منع الهجمات ببدء القتال، ويجب أن تكون قادرة على هزيمة عدوها في بداية الحرب.
بالنسبة إلى القادة الإسرائيليين، يترتب على ذلك أن يكون "الجيش" الإسرائيلي دائماً أقوى بكثير من الأعداء المحتملين. فلطالما كانت فكرة أن "إسرائيل" لن تواجه أبداً من هو أقوى منها سيبقى أمراً مستبعداً.
خلال حرب عام 1973 التي شنتها مصر وسوريا، وهما مسلحتان من الاتحاد السوفياتي ومتحالفتان معه، كادت "إسرائيل" أن تقع في كارثة، لولا أن أنقذها فشل المخططين في توقع حجم نجاحاتهم المبكرة والمذهلة، وعدم وجود خطط لديهم لاستغلالها لهزيمة "إسرائيل" بالكامل والاستيلاء على الأراضي. ففي ذلك الوقت، أظهر واقع "الشرق الأوسط" في أن التحالف السوفياتي مع مصر وسوريا لم يهدد "إسرائيل" فحسب، بل هدد أيضاً الدول الموالية للغرب في المنطقة.
وعام 1956، أممت مصر قناة السويس، بتشجيع من موسكو، ما أدى إلى أزمة جوهرية للولايات المتحدة، إضافةً إلى خشيتها من أن يؤدي هجوم بريطاني إسرائيلي مضاد على مصر وسوريا إلى تثبيت السوفيات في المنطقة. ومع أنه حد ذلك من قوة السوفيات، لكن احتدام الصراع وطوله منح موسكو نفوذاً قوياً في المنطقة.
وعلى هذا الأساس، تحددت علاقة الولايات المتحدة بـ"إسرائيل"، ومع الحلفاء من دول شرق أوسطية أخرى، حتى تفكك الاتحاد السوفياتي وتراجع قوة روسيا، بينما كانت "إسرائيل" الأداة التي استخدمتها الولايات المتحدة لإخافة مصر وسوريا.
عدلت "إسرائيل" وضعها في حرب 1973 جزئياً بفضل المساعدة الأمريكية، التي استندت بدورها إلى منطق الحرب الباردة العسكري، لكن هذا لم يحل معضلة "إسرائيل" الاستراتيجية الأساسية، إذ يبقى عمقها الاستراتيجي وقدرتها على المناورة محدودين، دون التحالف مع الولايات المتحدة، الذي سمح لـ"إسرائيل" بأن تستمر كقوة رئيسية في المنطقة، فيما ساهمت واشنطن بعقد "معاهدة سلام" بين القاهرة و"تل أبيب" في عام 1978 بعد 30 عاماً من الصراع بينهما. لكن بعد ذلك، جاءت أكبر التهديدات التي واجهتها "إسرائيل" من جهات فاعلة غير حكومية، معظمها مدعوم من إيران.
وبعد 7 أكتوبر 2023، هاجمت "إسرائيل" القوى الحليفة لإيران مثل "حزب الله"، وشاركت في سقوط نظام الأسد في سوريا، ما وضع "إسرائيل" في حالة حرب ضد دول أخرى أيضاً.
لقد أدركت "إسرائيل" أنها بحاجة إلى عمق استراتيجي أكبر، ليس فقط للبقاء في حرب تقليدية، بل أيضاً للحد من وصول القوى الفاعلة غير الحكومية إلى "أراضيها". وقد كان هذا الخوف هو الدافع وراء الهجوم على غزة ومعاملة سكانها، كما كان وراء قرار احتلال الضفة الغربية، وتوسيع حدود "إسرائيل" مع لبنان فعلياً إلى نهر الليطاني، لكن تكمن مشكلة تصرفات "إسرائيل" في أن مساحة الأراضي التي تم الاستيلاء عليها كمناطق عازلة غير كافية للقضاء على التهديد الذي تشكله القوى الفاعلة مثل حزب الله أو حتى الجيوش النظامية، لا سيما مع ظهور أسلحة جديدة وأخرى في طور الاختراع، ما يثير الشكوك فيما إذا كان "الجيش" الإسرائيلي سيحافظ دائماً على التفوق العسكري.
كما أن الأراضي التي احتلتها لا تضمن التزاماً أمريكياً دائما تجاه "إسرائيل"، تماما كما بالغت "إسرائيل" في تقدير قدرات أجهزتها الاستخباراتية، بينما يعتقد المسؤولون السياسيون أن زيادة طفيفة نسبياً في المساحة والقوة ستقلل من نقاط ضعف "إسرائيل"، لكن لا يوجد ما يضمن تفوق "الجيش" الإسرائيلي دائماً، ولا أن كانت الولايات المتحدة ستظل دائماً حليفة.
ومثل الأوروبيين، قد تطمئن "إسرائيل" نفسها، بافتراض أن الولايات المتحدة ملزمة جيوسياسياً وأخلاقياً بالدفاع عنها، ما يسمح لها بالمضي قدماً كما تشاء. فهذه ليست مسألة تتعلق بمن هو الرئيس، بل هي مسألة "مصلحة أمريكية وطنية وجوهرية".
لقد كانت العلاقة الأمريكية الإسرائيلية قائمة على حقائق الحرب الباردة التي انتهت، والمصالح الوطنية تتغير. لذلك، من مصلحة "إسرائيل" التوصل إلى تفاهم مع القوى الإقليمية، التي يشعر الكثير منها بالخوف من "حزب الله" والتي تعاديه مثل "إسرائيل".
ومن غير المرجح أن يطبق اقتراح الرئيس دونالد ترامب بتوسيع "اتفاقيات أبراهام"، في حين أن استراتيجية "إسرائيل" باستخدام القوة دائماً لحماية نفسها من غير المرجح أن تنجح أيضاً.
"إسرائيل دولة صغيرة ذات جيش أقوى من غيرها في المنطقة"، لكن موازين القوى العسكرية تتغير، بينما لن يتغير وضع "إسرائيل" الهش، ولكن نظراً إلى أن الدول تميل إلى فعل ما يجب عليها فعله، يجب أن يتطور النظام السياسي الداخلي لـ"إسرائيل" ليأخذ في الحسبان مع أنه غير ممكن، ولكنه محتمل، وهو تطور موازين القوى بمرور الوقت في دول أخرى بالمنطقة. فمع أن هناك أخطاراً في السعي إلى التوافق، ولكن على المدى الطويل، فإن عدم القيام بذلك هو رهان على انقسام دائم وضعف عسكري لدى الآخرين، وهذا الخيار هو الأخطر.
نحو الهاوية
يوم الأحد 7 يونيو 2026 حذّر اللواء في احتياط "الجيش" الإسرائيلي إسحاق بريك، من أن استمرار الحرب بصيغتها الحالية يدفع "إسرائيل" نحو هاوية سحيقة، مؤكداً استحالة تحقيق النصر.
وقال في تاريخ الشعوب لحظات فارقة لا يكون فيها القرار الشجاع هو الاستمرار في القتال، بل التوقف، توقف لالتقاط الأنفاس، ورؤية الواقع بعينين مفتوحتين، والعمل على منع الكارثة المحدقة. إنّ "إسرائيل" تقف اليوم عند مفترق طرق وجودي، إذ لم يعد التمسك بالمسار الحالي دليلا على القوة، بل انعكاساً للعجز عن قراءة المعطيات بموضوعية. والحقيقة التي يجب قولها بوضوح هي أن استمرار الحرب بصيغتها الراهنة لا يقودنا إلى النصر، بل يدفع بـ"إسرائيل" نحو هاوية سحيقة.
ويقدم لنا التاريخ دروساً قاسية، فقضية "بار كوخبا" تظل مثالاً صارخاً على محاولة يائسة لتحقيق مهمة مستحيلة أمام اختلالٍ هائل في موازين القوى، وكانت نتيجتها دماراً وجودياً. واليوم، عندما تصر القيادة على خطوات تفوق القدرات الفعلية للحكومة، فإنها لا تؤجل النهاية، بل تُسارع في تسريع الانهيار.
على كل الجبهات: واقع مستنزف بالنظر إلى الحقائق الميدانية، يواجه "الجيش" الإسرائيلي واقعاً معقداً منذ نحو ثلاث سنوات. فرغم شجاعة الجنود، فقد استنزف "جيش" البر بشدة وفقد قدرته على الحسم، حتى في الجبهات المحدودة. أما سياسياً، فيبقى رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو بلا إنجازات حقيقية، وقد تراجعت مكانته في دائرة صناع القرار المحيطين بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حتى بلغ الأمر حد إبعاده عن المشاورات الاستراتيجية.
وفي غضون ذلك، لم تهزم حماس بل تعززت، ولا يزال حزب الله يمثل تهديداً وجودياً، بينما أخفق التحالف الذي سعت "إسرائيل" لبنائه مع واشنطن ودول أخرى ضد إيران في تحقيق نتائجه المرجوة. إن الحقيقة البسيطة هي أن لا فرصة للنصر في حرب متعددة الجبهات في ظل معطياتنا الحالية، وكل يوم إضافي يستهلك ما تبقى من قوة الردع والمناعة "الوطنية".
تحولات إقليمية ومخاطر استراتيجية
تتغير الساحة الإقليمية والدولية ضدنا بوتيرة متسارعة. وبينما نغرق في حرب استنزاف، تتبلور تحالفات استراتيجية خطيرة، كالتنسيق بين تركيا ومصر وباكستان والسعودية، وهي تحالفات موجهة بوضوح ضد المصالح الإسرائيلية. وفي المقابل، يسعى ترامب نحو اتفاق مع إيران على حساب "إسرائيل"، تاركاً إياها على هامش الطريق.
وتواصل طهران تعزيز (حزب الله، فصائل العراق، و"الحوثيون")، مع تسريع إنتاج صواريخ باليستية يتوقع أن تصل أعدادها إلى عشرات الآلاف بدعم صيني وروسي، فضلا عن امتلاكها القدرة على إنتاج "قنابل نووية"، وهو تهديد لا نستعد له بما يكفي. بينما الحلفاء التقليديون لا يحركون ساكناً إلا وفقاً لمصالحهم القومية البحتة، تاركين "إسرائيل" مشغولة بإطفاء حرائق تكتيكية.
استنزاف شامل وضرورة التغيير
إن الاستنزاف لا يقتصر على "الجيش"، بل يتغلغل في بنية "الدولة"، فالمناعة "الوطنية" تتشقق، التعليم ينهار، العلاقات الدولية تتدهور، والاقتصاد يعاني تحت وطأة الميزانيات الباهظة. ومن ديماغوجيا تصوير وقف الحرب كـ "استسلام"، فالهواة الذين يدعون لاستمرار القتال دون أخذ التكاليف بعين الاعتبار، يزجون بوجودنا نفسه في أتون الخطر.
إن مخرجنا الوحيد هو السعي لوقف القتال على كل الجبهات، وتحرير المنظومة العسكرية من العبء غير المحتمل، وإعادة بناء "الدولة" وعلاقاتها الدولية. إن العائق الأكبر أمام هذا الإنقاذ هو غياب قيادة تضع المصلحة "الوطنية" فوق الشخصية، فنتنياهو يفضل بقاءه السياسي على احتياجات "الدولة"، بينما يلتزم المحيطون به الصمت، وهو سلوك أضر بشكل بالغ بمناعتنا وعلاقاتنا الخارجية.
إن المسألة اليوم تتجاوز النقد السياسي لتصبح قضية إنقاذ حياة. فلا مفر من تغيير القيادة السياسية والعسكرية التي قادتنا إلى هذا المأزق. وحدها قيادة متجددة، واقعية، ومدركة لحجم المخاطر، قادرة على وقف الانحدار وترميم البيت، بناء على تخطيط استراتيجي بارد، وفهم أن القوة الحقيقية تكمن في المناعة الداخلية والاستقرار السياسي. لقد حان الوقت لإعادة حساب المسار قبل فوات الأوان.
حرب مهينة
شنّ السيناتور الديمقراطي الأمريكي، كريس ميرفي، هجوماً حاداً على سياسة الرئيس ترامب في المنطقة، واصفاً الحرب الجارية بأنها "مهينة لترامب وللقوة الأمريكية عموماً".
وأشار ميرفي إلى عجز واشنطن عن التأثير في قرارات حليفتها، قائلاً: "حين يعلن ترامب أنه سيتصل بنتنياهو ليطلب منه عدم الرد، ثم يقوم نتنياهو بالرد في غضون ساعات، فإن الإهانة تتفاقم وتزداد حدةً".
وأكد السيناتور الديمقراطي أن ترامب "فقد السيطرة بشكلٍ كامل على إدارة هذه الحرب منذ أمد بعيد"، لافتاً إلى أنه مع اندلاع حرب شاملة مجدداً بشكل مأساوي في المنطقة، فإنه "ليس من الصعب المبالغة في وصف مدى عدم كفاءته الفادحة".
عمر نجيب









