
في تطور دبلوماسي مهم، زار وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بكين بدعوة رسمية، وذلك قبل أقل من عشرة أيام من زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الصين المقررة في 14-15 مايو.
هذه الزيارة تحمل رسائل استراتيجية عميقة تتعلق مباشرة بالتصعيد العسكري والاقتصادي في مضيق هرمز و إقليم خليج فارس .
السياق الحالي في مضيق هرمز:
يشهد مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط والغاز العالمية، حالة توتر متصاعدة رغم الهدنة الهشة المعلنة في أبريل، في مشهد يعكس صراع الإرادات بين القوى الكبرى والإقليمية على حد سواء.
فالمضيق الذي يعد ممرا، مائياً استراتيجياً تحوّل إلى ساحة اختبار حقيقية لمعادلات القوة والنفوذ.
تشمل التطورات الميدانية المتسارعة:
تكرار الحوادث البحرية وعمليات استهداف أو إحراق سفن تجارية، في رسائل ضغط متبادلة.
محاولات أمريكية لفرض ممرات ملاحية “آمنة” بالقوة، تحت عنوان حماية التجارة الدولية، وهو ما تراه طهران انتهاكاً لسيادتها.
هجمات إيرانية دقيقة باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة على منشآت نفطية وموانئ في الإمارات، خاصة الفجيرة وجبل علي، في إطار الردع المتبادل .
نشر إيران خريطة جديدة لما سمّته «نطاق السيطرة»، تشمل مساحات واسعة شرق المضيق، في خطوة تحمل بعداً سيادياً ورسالة عسكرية واضحة.
ارتفاع أسعار النفط بنسبة وصلت إلى 6% نتيجة اضطراب الملاحة، ما يعكس حساسية السوق العالمية لأي تصعيد في هذه البقعة الحيوية.
في هذا السياق، وللاحتيال على الكونغرس بعد انتهاء ما يسمى الأعمال القتالية ضمن 60 يوماً ، تؤكد الادارة الأميركية أن عملياتها ذات طابع دفاعي، بينما تتهم إيران الإمارات بالمشاركة في “العدوان غير المباشر” عبر تسهيل القواعد الأمريكية وإسناد العمليات الجوية.
لكن التطور الأبرز والأكثر دلالة جاء سريعاً من واشنطن نفسها.
فبعد أقل من 48 ساعة على إطلاق مبادرة “حرية الملاحة”، تراجع دونالد ترامب بشكل لافت، معلناً تعليق ما سُمّي بـ«مشروع الحرية البحرية» في مضيق هرمز.
هذا التراجع، الذي قُدّم إعلامياً على أنه استجابة لطلب باكستان ودول أخرى، جاء تحت غطاء “إفساح المجال للدبلوماسية” وفتح الباب أمام إمكانية التوصل إلى اتفاق مع إيران.
غير أن القراءة الاستراتيجية تشير إلى ما هو أبعد من ذلك:
فشل عملي في فرض واقع عسكري جديد داخل المضيق خلال وقت قصير.
إدراك أمريكي لارتفاع كلفة المواجهة المباشرة، خصوصاً مع جاهزية إيران لإغلاق أو تعطيل الممر.
خشية من انزلاق غير محسوب نحو حرب إقليمية واسعة قد تؤثر على الاقتصاد العالمي وأسعار الطاقة.
ورغم إعلان التعليق “المتبادل والمؤقت” من جانب واحد ، فإن التناقض الواضح يكمن في استمرار الحصار المفروض على إيران، ما يكشف أن التراجع تكتيكي وليس تحوّلاً استراتيجياً كاملاً.
في المحصلة، ما جرى يُعد انتكاسة واضحة لمبادرة ترامب التي انهارت عملياً خلال يومين فقط من إطلاقها، ويؤكد أن معادلة القوة في مضيق هرمز لم تعد أحادية، بل باتت خاضعة لتوازن ردع معقّد تفرضه طهران على الأرض.
مضيق هرمز اليوم تحول من نقطة عبور للطاقة، إلى عقدة جيوسياسية تختبر حدود النفوذ الأمريكي، وتكشف قدرة إيران على فرض قواعد اشتباك جديدة.
أما التراجع الأمريكي السريع، فيؤشر إلى أن أي محاولة لفرض “حرية الملاحة بالقوة” دون تفاهمات سياسية، ستصطدم بواقع ميداني أكثر تعقيداً مما كان متوقعاً.
دور الصين: توازن محسوب وليس تهدئة كاملة تتحرك بكين بهدوء لتثبيت الوضع الحالي بين واشنطن وطهران، دون السماح بانفجار شامل يؤدي إلى حرب واسعة النطاق.
الصين لا تسعى إلى حل كامل للتوتر، بل إلى توازن مدروس: توتر مستمر يبقي الضغط على الولايات المتحدة دون أن يخرج عن السيطرة.
لماذا يخدم هذا التوازن مصالح بكين؟
استمرار تدفق النفط الإيراني بأسعار منخفضة: الصين أكبر مشترٍ للنفط الإيراني (تصل نسبته إلى 80-90% من صادرات إيران)، وتستفيد من الخصومات الكبيرة الناتجة عن التوتر.
استنزاف القدرات الأمريكية: التصعيد في المنطقة يبعد التركيز والموارد الأمريكية عن آسيا والمحيط الهادئ، مما يخفف الضغط على الصين في قضايا مثل تايوان وبحر الصين الجنوبي.
إبقاء إيران كورقة ضغط جاهزة: طهران تبقى حليفاً استراتيجياً يمكن استخدامه في أي مواجهة مستقبلية مع واشنطن، خاصة مع الشراكة الاستراتيجية الشاملة لـ25 عاماً بين البلدين.
رسالة زيارة عراقجي المزدوجة تأتي الزيارة كرسالة واضحة:
ضبط إيقاع التصعيد قبل وصول ترامب، لمنع أي تطور ميداني يعقد القمة الصينية-الأمريكية.
طرح دور صيني كمنظم للأزمة وليس طرفاً مباشراً فيها، مع التركيز على «الحلول السلمية» و«الحفاظ على حرية الملاحة».
الصين تمارس ضغطاً تكتيكياً على إيران لمنع خروج التوتر عن السيطرة (مثل إغلاق كامل للمضيق)، لكنها لا تضغط لإنهاء التوتر تماماً. هذا الضغط يهدف إلى ضبط السقف، لا تغيير المعادلة الاستراتيجية.
العلاقة المباشرة بالحرب في مضيق هرمز التصعيد في المضيق (هجمات على السفن، استهداف الموانئ الإماراتية، خريطة السيطرة الإيرانية) يرفع تكلفة أي عملية أمريكية ويؤثر على أسعار الطاقة العالمية.
الصين، التي تعتمد على المنطقة لجزء كبير من طاقتها، تريد الحفاظ على تدفق النفط مع الاستفادة من الخصومات والانشغال الأمريكي.
زيارة عراقجي تسمح لبكين بتلقي ضمانات إيرانية حول الملاحة، وفي الوقت نفسه نقل رسائل إلى واشنطن قبل قمة ترامب-شي، خاصة في ظل تحذيرات ترامب السابقة من دعم الصين لإيران عسكرياً.
عمومًا بكين لا تريد حرباً تحسم المشهد لصالح أي طرف، ولا سلاماً ينهي التوتر نهائياً.
تريد صراعاً مداراً تستفيد منه اقتصادياً (نفط رخيص، انشغال أمريكي)، وتراقب من خلاله استنزاف خصمها الاستراتيجي الأكبر.
هذا النهج الصيني يجعل مضيق هرمز ساحة لإعادة تشكيل التوازنات الدولية، حيث تتقاطع فيه المصالح العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية بين إيران وأمريكا والصين و والمنطقة الخليجية.
عمومًاتكتسب زيارة بكين أهمية استثنائية لأنها تسبق مباشرة زيارة دونالد ترامب إلى الصين، ما يجعلها خطوة استباقية لإعادة ترتيب الأوراق قبل أي تفاهمات محتملة بين واشنطن وبكين. فطهران تدرك أن جزءاً كبيراً من مستقبل التصعيد أو التهدئة في مضيق هرمز لن يُحسم فقط في الاقليم، بل على طاولة التفاهمات الكبرى بين القوى العظمى. لذلك تسعى من خلال هذه الزيارة إلى تثبيت حضورها داخل أي معادلة تفاوضية قادمة، وعدم ترك مصيرها رهناً بتفاهمات ثنائية قد تتم على حسابها.
أما النقطة الأعمق والأكثر حساسية، فهي أن طهران لا تبحث عن وساطة سياسية، بل تعمل على دفع بكين نحو دور “الضامن الدولي” بكل ما يحمله ذلك من التزامات.
بمعنى آخر، إيران تحاول نقل العلاقة مع الصين من مستوى الشراكة الاقتصادية والسياسية إلى مستوى الضمانات الصلبة، بحيث لا يقتصر دور بكين على التهدئة، بل يمتد ليشمل:
تقديم ضمانات فعلية لأي اتفاق محتمل، بما يمنع واشنطن من الانسحاب الأحادي كما حدث سابقاً.
إدخال الصين كطرف ضامن يملك أدوات ضغط اقتصادية وسياسية على الولايات المتحدة.
الأهم: طرح فكرة التعويضات المسبقة أو اللاحقة، بحيث تتحمل الصين – بشكل مباشر أو غير مباشر – جزءاً من كلفة أي خرق أمريكي مستقبلي، سواء عبر دعم اقتصادي لإيران أو عبر ترتيبات طويلة الأمد في مجال الطاقة والاستثمار.
هذا التوجه، إن نجحت طهران في تثبيته، يعني عملياً “توريطاً محسوباً” لبكين في معادلة الصراع، بحيث تصبح الصين شريكاً في استقرار الاتفاق، وليس مجرد مراقب مستفيد . وهو ما يضع بكين أمام اختبار معقّد:
فإما أن تكتفي بدور الموازن الحذر، أو تنتقل إلى دور الضامن الذي قد يضعها في مواجهة غير مباشرة مع واشنطن.
في النهاية، إيران تحاول هذه المرة أن تتعلم من تجاربها السابقة، فلا تكتفي بتوقيع اتفاق، بل تسعى إلى بناء شبكة أمان دولية تُحمّل القوى الكبرى – وفي مقدمتها الصين – مسؤولية استمراره، وتمنع تكرار سيناريو الانسحاب الأمريكي أو العودة إلى خيار الحرب دون كلفة.
نجاح محمد علي كاتب مختص في الشؤون الإيرانية والاقليمية









