
تتكثف المعطيات التي تؤشر على أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ومع إستكمال يومها الأربعين تتدحرج بسرعة نحو جذب مشاركة مزيد من القوى الإقليمية في الشرق الأوسط وخارجه بشكل علني ورسمي في الصراع وبالتالي تقريب العالم أكثر من الحرب العالمية الثالثة.
يوم الأحد 5 أبريل اتهمت موسكو لندن بالمشاركة المباشرة في النزاع الدائر مع إيران، نافية ادعاء بريطاني بالحياد بعد سماحها للقوات الأمريكية باستخدام قواعدها العسكرية لضرب أهداف إيرانية وإرسالها قوات ومعدات عسكرية إلى دول في الخليج العربي.
وأكد سفير روسيا لدى بريطانيا أندريه كيلين، في تصريحات لوكالة "نوفوستي" الروسية أن السماح للأمريكيين باستخدام القواعد البريطانية لقصف إيران "تدخل مباشر، مهما حاول كير ستارمر تصوير الأمر بخلاف ذلك"، مشيرا إلى أن القيادة الإيرانية "أخذت ذلك بعين الاعتبار".
وقال كيلين: "يحبون هنا التصريح بأن بريطانيا تقف على الهامش، وأنها تقدم دعما دفاعيا محدودا لحلفائها، وأنها تدعو أصلا إلى الحل الدبلوماسي، فمن يريدون خداعه؟ المواطن البريطاني الساذج ربما... إن السماح للأمريكيين باستخدام قواعدها لقصف إيران، وإرسال الطيران العسكري إلى المنطقة، هذا تدخل مباشر".
و اتهم كيلين لندن بالسعي إلى استقطاب أكبر عدد ممكن من الدول لتصعيد الضغط على طهران.
في هذه الأثناء أعلن حزب الله اللبناني استهداف سفينة عسكرية قرب سواحل لبنان وكالات الأنباء تحدث عن المدمرة Dragonالتابعة للبحرية البريطانية التي تحاول حماية إسرائيل من الصواريخ والمسيرات، لندن نفت إصابة مدمرتها.
يحدث ذلك في وقت تقدر فيه مزيد من مراكز الرصد ووسائل الإعلام بالاضافة إلى عدد كبير من السياسيين والمحللين وغيرهم بأن الحرب لا تسير في صالح واشنطن وتل أبيب ومن يساندهم وأن استمرار هذا المسار الذي يعمل لمصلحة طهران وحلفاءها قد يرجح استخدام خصومها الأسلحة النووية على أمل تركيع طهران. وتفيد مصادر رصد في العاصمة الروسية موسكو أن وزير الحربية الأمريكي بيت هيغسيث والسيناتور الأمريكي ليندسي غراهام في مقدمة المؤيدين لاستخدام الأسلحة النووية خاصة بعد أن تبين للرأي العام في أمريكا والعالم أن ما يصدر من تصريحات سواء في واشنطن أو تل أبيب عن نجاحهما في التصفية الكاملة للقدرات العسكرية الإيرانية وقرب استسلام إيران ليس صحيحا خاصة على ضوء مواصلة طهران قصف القواعد الأمريكية في كل المنطقة وإلحاقها مع حزب الله اللبناني خسائر ضخمة في إسرائيل سواء بالمسيرات أو الصواريخ. ويضيف هؤلاء أن تعثر الهجمة العسكرية على إيران يمكن أن يفسر الاضطراب في تصريحات الرئيس ترامب ومعاونيه، فواشنطن ترى أن فشلها في الحرب ضد إيران سيعني وسيعتبر بالنسبة لبقية العالم المؤشر الوثيق على أفول مركزها كالقطب الرئيسي والأول في العالم وشروعها في السير على نفس الطريق المنحدر الذي سارت فيه الإمبراطورية البريطانية قبل أفولها.
في آخر بلاغات ترامب يوم الأحد 5 أبريل نشر الرئيس الأمريكي موعد تنفيذ تهديده بتدمير وتفجير كل شيء في إيران ليعيدها حسب قوله للعهد الحجري وكتب عبر منصة "تروث سوشال": الثلاثاء الساعة 08:00 مساء بتوقيت الساحل الشرقي.
وأضاف لن يكون له مثيل!!!.. افتحوا المضيق اللعين أيها الأوغاد المجانين، وإلا ستعيشون في الجحيم.. شاهدوا فقط!".
وفي وقت سابق، قال الرئيس الأمريكي أن الولايات المتحدة تخوض "مفاوضات معمقة" مع إيران، معربا عن احتمالية التوصل إلى اتفاق قبل انتهاء مهلة الثلاثاء، وإلا فإنه "سيفجر كل شيء".
وذكر ترامب في مقابلة مع موقع "أكسيوس": "هناك فرصة جيدة، لكن إذا لم يبرموا صفقة، فسأفجر كل شيء هناك".
وأضاف أن مبعوثيه ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر يجريان مفاوضات مكثفة مع الإيرانيين عبر وسطاء باكستانيين ومصريين وأتراك، بالإضافة إلى رسائل نصية مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي.
حرب التصريحات بين واشنطن وكل من طهران وموسكو وبكين وأطراف أخرى تتصاعد ومعها اتهامات غربية لروسيا والصين بدعم طهران.
يوم الأحد 5 أبريل صرح مندوب روسيا الدائم لدى المنظمات الدولية في فيينا ميخائيل أوليانوف
في منشور على "تلغرام"، إن "واشنطن لم تتمكن بعد من الفهم أن طهران لا تقبل الإنذارات، بل تقبل صفقات مبنية على حلول وسط معقولة".
فيما وصف المبعوث الخاص لوزارة الخارجية الروسية لشؤون مجموعة العشرين مارات بيردييف، الاجتماع المرتقب بين دول G7ومجلس التعاون لدول الخليج العربية بأنه "محاولة من الغرب لإنقاذ ماء الوجه".
وقال بيردييف لوكالة "ريا نوفوستي"، الأحد ( أبريل 2026، إنه "من الواضح أن هناك محاولات لبناء خط موحد مع دول الخليج، لكنني لا أرى حتى الآن مقترحات جادة بهذا الشأن. أولاً وقبل كل شيء، في رأيي، نلاحظ وضعًا تريد فيه كل من مجموعة السبع والغرب إنقاذ ماء وجههما في العلاقات الدولية".
وأضاف الدبلوماسي الروسي أنه لا يمكن حل القضايا العسكرية السياسية في مجموعة السبع التي "فقدت وزنها وهيبتها والتي تمزقها الخلافات والمشاحنات الداخلية"، وكذلك في الصيغ غير المتخصصة مثل مجموعة العشرين الاقتصادية البحتة. وأكد أن الغرب نفسه "خلق الفوضى المصطنعة في الشرق الأوسط، والآن يبحث بشكل محموم عن مخرج".
يأتي هذا التصريح بعد أن أعلن المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية الفرنسية باسكال كونفافر، الخميس 2 أبريل، أن دول مجموعة السبع ومجلس التعاون الخليجي سيعقدان اجتماعاً خلال الأسبوع المقبل حول الوضع في مضيق هرمز، في وقت تتواصل فيه الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران لليوم السابع والثلاثين على التوالي، مع استمرار تبادل الضربات الصاروخية والمسيرات، وتوقف شبه كامل للملاحة في المضيق الحيوي.
من جانبه ذكر رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف في رد على تهديدات واشنطن ورسالة لترامب: "تحركاتك غير المبررة ستدخل أمريكا إلى جحيم حقيقي لكل عائلة أمريكية، وستشعل منطقتنا بأكملها بسبب إصرارك على طاعة أوامر نتنياهو".
وتابع محمد باقر قاليباف قائلا: "لا تتوهم، لن تحقق شيئا بجرائم الحرب.. الحل الحقيقي الوحيد هو احترام حقوق الشعب الإيراني وإنهاء هذه اللعبة الخطيرة".
على ساحة المواجهة العسكرية كشف المتحدث باسم مقر خاتم الأنبياء الإيراني عن الخسائر الكبيرة التي الحقت بالقوات الأمريكية خلال محاولة إنقاذ الطيار الأمريكيالذي اسقطت طائرته ف 15 وأكد أن الرئيس الأمريكي ترامب يحاول الهروب من ميدان الهزيمة من خلال الحرب النفسية.
وأفاد المتحدث في بيان: أنه خلال محاولة انقاذ الطيار تم تدمير طائرتين عسكريتين من نوع C-130 ومروحيتين بلاك هوك، وذلك بتحقيق وعد الله ومساعدة الله العلي العظيم ونار غضب مقدس لجنود الإسلام في القوات المسلحة القوية، مما زاد من مستوى الفشل المتكرر للجيش الأمريكي".
وكانت صحيفة "نيويورك تايمز" قد افادت في وقت متقارب نقلا عن مصدر بتعطل طائرتي نقل أمريكيتين داخل منطقة نائية كانت سابقا قاعدة في إيران أثناء تنفيذ مهمة الإنقاذ. مضيفة أن الأوامر صدرت بتفجير الطائرتين المعطلتين داخل الأراضي الإيرانية لمنع الاستيلاء عليهما.
حملة خداع
جاء في تقرير نشرته وكالة رويترز يوم 4 أبريل 2026:
نفذت قوات خاصة أمريكية عملية إنقاذ معقدة لطيار من إيران بعد إسقاط طائرته المقاتلة مما أدى لتجنب أزمة محتملة للرئيس ترامب وسط حرب دخلت أسبوعها السادس دون أي مؤشرات تذكر على إحراز تقدم في جهود دبلوماسية للتوصل إلى حل.
وقال مسؤول أمريكي إن العملية، التي أعلنت إسرائيل أنها ساعدت فيها، شاركت فيها عشرات الطائرات العسكرية وواجهت مقاومة شرسة من القوات الإيرانية.
وأعلن الجيش الإيراني عن تدمير عدة طائرات أمريكية خلال العملية، من بينها طائرتا نقل عسكريتان وطائرتا هليكوبتر من طراز بلاك هوك. وأظهرت لقطات نشرت على مواقع تواصل اجتماعي حطام طائرات محترقة، وتأكدت رويترز بشكل مستقل من وجود الحطام في المنطقة.
وذكر مسؤول أمريكي لرويترز إن القوات الأمريكية اضطرت لتدمير طائرة واحدة على الأقل من الطائرات المستخدمة في عملية الإنقاذ بسبب عطل فني. وذكرت صحيفة وول ستريت جورنال أن القوات الأمريكية فجرت طائرتين من طراز إم.سي-130 جيه تستخدمان لتنفيذ عمليات تسلل سرية وإخراج القوات من خلف خطوط العدو، بعد تعطلهما.
وقال مسؤول كبير في الإدارة الأمريكية بواشنطن إن عملية الإنقاذ تضمنت حملة خداع من وكالة المخابرات المركزية (سي.آي.إيه) لنشر معلومات داخل إيران تفيد بأن القوات الأمريكية عثرت على الطيار المفقود وأنها تنقله برا لإخراجه من البلاد.
وأضاف المسؤول في بيان أن الجانب الأمريكي عثر على مسؤول أنظمة الأسلحة المفقود داخل شق في الجبل وأنقذه في وقت كان فيه الإيرانيون في حيرة من أمرهم وغير متأكدين مما يجري.
وقدم إنقاذ الطيار بعض الأخبار السارة لترامب، الذي تتزايد عليه الضغوط بسبب حرب أشعلت أزمة طاقة عالمية وتهدد بإلحاق ضرر دائم بالاقتصاد العالمي.
في هذه الأثناء تظهر استطلاعات الرأي أن غالبية الأمريكيين يتشككون في جدوى الحرب، ويعتبرون المخاطر التي تهدد أفراد الجيش الأمريكي من بين أهم مخاوفهم، إلى جانب الاستقرار الإقليمي وتأثير الحرب على حساباتهم المالية.
ومع انخفاض حاد في تدفق النفط عبر مضيق هرمز، اجتمع وزراء الدول الأعضاء في منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) يوم الأحد 5 أبريل واتفقوا على رفع الانتاج، لكن إغلاق المضيق والأضرار التي لحقت بالبنية التحتية هي عوامل تعني أن أي قرار بزيادة فورية لإنتاج النفط لن يكون تطبيقه ممكنا على أرض الواقع وفي وقت سابق، نقلت وسائل إعلام رسمية عن قائد القوات البحرية التابعة للحرس الثوري أن إيران هاجمت سفينة مرتبطة بإسرائيل بطائرة مسيرة في المضيق مما أدى إلى اشتعال النيران فيها.
الحقائق
في تكذيب لما تم نشره في واشنطن وتل أبيب عن انجازاتهما ضد طهران كشفت تقارير الاستخبارات الأمريكية، يوم السبت 4 أبريل، أن الإيرانيين تمكنوا من حفر مرابض صواريخ تحت الأرض ومنصات تعرضت لقنابل أمريكية وإسرائيلية، لكن تمت أعادتها إلى العمل بعد ساعات من الهجوم.
ووفقا للمسؤولين الأمريكيين، تحتفظ إيران بكمية كبيرة من صواريخها وقاذفاتها المتنقلة في المخابئ والكهوف لحمايتها من الهجوم، وترغب في الاحتفاظ بأكبر قدر ممكن من قدرتها على إطلاق الصواريخ لمواصلة الضغط إذا طال أمد الحرب، أو لتهديد المنطقة بعد انتهاء القتال.
جاء ذلك بعد أن ادعى البنتاغون والبيت الأبيض خلال الأسبوعالأول من أبريل أنهما أحرزا "تقدما كبيرا" ضد إيران، حيث قال البنتاغون إنه ضرب 11000 هدف في خمسة أسابيع من الحرب. غير أن وكالات الاستخبارات الأمريكية لم تقدر عدد القاذفات المتبقية بثقة عالية، مشيرة إلى صعوبة التقييم بسبب نشر إيران أعدادا كبيرة من الاهداف خاصة الدبابات الوهمية.
من جانبها ويوم الأحد 5 أبريل 2026 قدرت إسرائيل أن إيران لا تزال تمتلك أكثر من 1000 صاروخ قادر على الوصول إليها، في حين أن ترسانة "حزب الله" في لبنان تشمل ما يصل إلى 10 آلاف صاروخ.
وذكرت إذاعة الجيش الإسرائيلي أن التقديرات تشير إلى وجود ما بين 8 آلاف إلى 10 آلاف صاروخ في أيدي "حزب الله". ونظرا لمعدلات إطلاق النار الحالية من إيران و "حزب الله"، بعد مرور أكثر من خمسة أسابيع على الصراع، تشير التقديرات إلى احتمال استمرار القتال لعدة أشهر إضافية - على الرغم من تأكيد إسرائيل والولايات المتحدة أنهما حققتا أهدافهما الأساسية. بينما لا تعلق إيران ولا حزب الله على حجم ترسانتهما، ولم يظهر أي منهما علامات على التراجع.
وأشار ضابط استخبارات وهو برتبة مقدم، لم يتم الكشف عن اسمه، إلى قدرة إيران على مواصلة إطلاق النار "يجب استثمار قدر كبير من الموارد لخفض تلك القدرة إلى الصفر. وبكل صدق، يجب أن أخبركم أنها لن تصل إلى الصفر".
وكان يعتقد قبل الحرب أن إيران تمتلك نحو 2000 صاروخ باليستي متوسط المدى قادر على الوصول إلى إسرائيل، حسبما قال مسؤولان إسرائيليان كبيران لوكالة "بلومبرغ" للأنباء في وقت سابق شريطة عدم الكشف عن هويتهما.
الطريق المسدود
عن الطريق المسدود الذي تسلكه الولايات المتحدة في إيران، كتب دميتري كوزياكين، في "إزفيستيا يوم 5 أبريل 2026":
في الشطرنج، توجد وضعية تؤدي إلى أن أي تحرك يقوم به اللاعب تقود إلى تدهور موقفه. وهذا هو الوضع الذي تجد واشنطن وتل أبيب نفسيهما فيه. فقد أدى الاستخدام المكثف للطائرات المسيرة وفرض (إيران) سيطرتها على مضيق هرمز إلى خلق ظروف تجعل استمرار الصراع مكلفًا اقتصاديًا بدرجة غير مقبولة للغرب.
الصناعة (العسكرية) الإيرانية موزعة في مواقع متفرقة. ولذلك، فإن القصف الجوي المكثف يكاد لا يؤثر في القدرات القتالية للحرس الثوري الإيراني.
وأما ثقة البنتاغون والجيش الإسرائيلي في قدرة أنظمة الحرب الإلكترونية المطلقة فقد تتحول إلى خيبة أمل مريرة. فإيران لم تكتفِ بتجميع عدد كبير من الطائرات المسيرة فحسب، بل طبقت أيضًا حلولًا مقاومة للتشويش، بما في ذلك طائرات الدرون ذات الرؤية المباشرة التي يتم التحكم بها عبر الألياف الضوئية.
وبينما يبلغ عدد ضحايا الصراعات الحالية مئات الآلاف، فإن العدد في مسرح حرب الشرق الأوسط سيصل إلى الملايين. سنشهد صراعًا ملحميًا بين حقبتين: آلة الحرب التقليدية الكلاسيكية للتحالف وجيش الحرس الثوري الإيراني المحدَث والمحوَل رقميا. سيشبه الأمر هجوم فرسان على مدفع رشاش.
من المرجح أن يدرك الاستراتيجيون الغربيون هذا المأزق. فمع عجز التحالف عن خوض حربٍ في ظروف مواتية باستخدام طائرات مسيرة رخيصة، قد يحاول رفع مستوى التوتر بشكل مصطنع بتصعيد الصراع إلى مستوى نووي. وهذا ينذر باستخدام أسلحة نووية تكتيكية في الأشهر المقبلة.
ومع ذلك، فلن تغير هذه الخطوة مجرى العمليات القتالية، فالضربات النووية لن توقف إنتاج الطائرات المسيّرة من ورش متنقلة متفرقة وإطلاقها. كما أن الخسائر في أرواح المدنيين وظهور "بؤر مشعة" على خريطة إيران لن يؤدي إلا إلى وحدة الشعب ضد المعتدي، وتحويل الصراع إلى معركة وجود.
انهيار عالمي
حذر أستاذ الاقتصاد من جامعة ميزوري بكانساس سيتي مايكل هادسون من أن العالم بات على أعتاب انهيار اقتصادي لا سابق له منذ ثلاثينيات القرن الماضي نتيجة الصراع في الشرق الأوسط.
وأكد هاديسون يوم الأحد 5 أبريل في حديث عبر "يوتيوب" أن تفادي هذه الكارثة أصبح أمرا خارج نطاق الإمكان في ظل المعطيات الراهنة.
ولفت إلى أن التداعيات الأشد خطورة لا تكمن في أسعار النفط وحدها، بل في شح الأسمدة والهيليوم اللذين باتا يهددان قطاعي الزراعة والصناعة عالميا.
فمع حظر إيران تصدير الأسمدة عبر مضيق هرمز، يدخل العالم موسمه الزراعي دون غطاء سمادي كاف، مما ينذر بأزمة غذائية متشعبة الأبعاد، فضلا عن تدمير احتياطيات الهيليوم القادمة من المنطقة دون توافر بدائل جاهزة، مما دفع كبرى الشركات إلى تقليص استهلاكها لهذا العنصر الحيوي في صناعات الفضاء والطب وأشباه الموصلات.
وأوضح هادسون أن الأزمة تجاوزت مرحلة القرار السياسي، مشيرا إلى أنه حتى لو أعلنت واشنطن تخليها الفوري عن نهجها والتزامها بمبادئ الأمم المتحدة، فإن الضرر الهيكلي الذي لحق بسلاسل الإمداد العالمية بات يستعصي على الإصلاح السريع.
وخلص إلى أن العالم سيواجه حتما أشد ركود اقتصادي منذ الكساد الكبير في ثلاثينيات القرن الماضي، مهما تكن المآلات السياسية والعسكرية للصراع الدائر.
أسوأ بقعة قتال
يرى مراقبون أنه أمام رفض واشنطن وتل أبيب الاقرار بفشل حملتهما العسكرية ضد طهران يبقى لهما مخرج قبل استخدام السلاح النووي وهو خوض حرب برية والسيطرة على جزيرة خارك الإيرانية أو جزر اخرى غير أن خبراء يشيرون أن ذلك سيشكل مخاطرة كبيرة.
بعد أكثر من شهر من الغارات الجوية على إيران، بات عدد كبير من الخبراء العسكريين يعتقدون أن المعتدين عاجزون عن حسم الصراع بالطائرات والصواريخ وحدهما، وتبدو الولايات المتحدة تستعد لعملية برية.
طوال هذه الفترة، أظهرت القوات المسلحة الإيرانية قدرات تفوق ما كان عليه أي خصم سابق للولايات المتحدة، وتمكنت من توجيه ضربات مؤلمة رغم استمرار الغارات التي استهدفت قواعدها ومنشآتها ومصانعها وحتى جامعاتها، ما دفع العديد من دول العالم وخاصة في أوروبا إلى التذمر والشكوى جراء الارتفاع الحاد في أسعار النفط.
علاوة على ذلك، يشير خبراء إلى أن منطقة الخليج انزلقت إلى فوضى عسكرية حقيقية، مع توقف تدفق النفط منها إلى الأسواق العالمية، وهو ما انعكس بشكل مباشر على أسعار وسائل الطاقة.
يرى أغلب المحللين العسكريين أن الولايات المتحدة تستعد فعلا لتنفيذ عملية عسكرية برية، ويرجح حتى الآن أن يكون الاستيلاء على جزيرة خارك الواقعة في الخليج أبرز الخيارات المطروحة. يعتقد أن خطوة من هذا النوع، إلى جانب ما ستسببه من ضرر اقتصادي كبير للإيرانيين، قد توفر موطئ قدم في الخليج العربي للقوات التي ستشارك في العملية البرية المحتملة.
مراقبون يرون أن الأمريكيين يسعون من وراء الاستيلاء على الجزيرة إلى الحصول على ورقة ضغط فعالة على إيران لإعادة فتح مضيق هرمز، واستئناف عبور ناقلات النفط العربي الذي يُعد بالغ الأهمية للأمريكيين والأوروبيين. كما يرى خبراء وجود خطر حقيقي من توسع نطاق الحرب بريا، خاصة مع تقارير تشير إلى أن البنتاغون يعد خططا لـ"ضربة قاضية" قد تشمل الاستيلاء على جزر إيرانية في مضيق هرمز، أو شن عمليات برية محدودة لتدمير مخزون إيران من اليورانيوم المخصب.
إضافة إلى ذلك، يعتقد عدد من الخبراء أن الأمريكيين قد يشنون قريبا عملية برية بهدف إقامة منطقة عازلة ساحلية قرب مضيق هرمز. وقد وصلت سفينة الإنزال البرمائية التابعة للبحرية الأمريكية "يو إس إس طرابلس" إلى منطقة الشرق الأوسط، وفق ما أعلنت القيادة المركزية الأمريكية، في وقت تشير فيه غالبية التقديرات إلى أن الاستيلاء على جزيرة خارك سيكون الخيار الأكثر ترجيحا.
من المفارقات في هذا السياق، أن الرئيس الأسبق لمجلس النواب الأمريكي نيوت غينغريتش كان قد اقترح حفر قناة جديدة باستخدام القنابل النووية الحرارية كبديل لمضيق هرمز، فيما صرح وكيل وزارة الدفاع الأمريكية للسياسة إلبريدج كولبي بأن الولايات المتحدة تعتزم التأكد من أن إيران لن تتمكن من استعادة قدراتها العسكرية بعد انتهاء الحرب الحالية.
من جهة أخرى، يرى خبراء أن إيران تدير الحرب بنجاح حتى الآن، وتراهن على توسيع نطاق الصراع وتحويله من مواجهة ثنائية إلى أزمة تطاول جميع حلفاء أمريكا في الخليج.
في المقابل، تركز حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على إعادة تشكيل النظام الإقليمي بشكل جذري، وتعتبر هذه الحرب فرصة سانحة لا تقدر بثمن لإلحاق أقصى ضرر ممكن بإيران على المدى الطويل. وهي تواصل تشديد ضرباتها مستهدفة البنية التحتية للطاقة والمواقع النووية، مما ينذر بجر الولايات المتحدة إلى مواجهة أعمق وأطول أمداً مما تتوقع.
يُشار في هذا السياق إلى أن تسارع وتيرة العمليات العسكرية يرهق الترسانات الغربية. وقد أشار تقرير حديث إلى أن الولايات المتحدة وحلفاءها استنفدوا خلال ستة عشر يوما فقط من القتال أكثر من 11 ألف قذيفة، بتكلفة تقارب 26 مليار دولار، فيما يُتوقع أن تنفد صواريخ الاعتراض الإسرائيلية الرئيسية مثل آرو 2 و3 خلال أجل قصير. ويرى مراقبون أن ذلك سيدفع صقور الحرب الأمريكيين إلى البحث عن مخرج، قد يتجسد في عملية برية خطيرة تنطوي على عواقب وخيمة.
الحرب البرية
إيران بدورها تستعد فعليا لصد أي عملية برية أمريكية تبدو وشيكة وفق التقديرات الحالية. صحيفة وول ستريت جورنال ذكرت أن جميع القرارات اتُخذت في واشنطن، وأن بدء العملية البرية أصبح مسألة وقت فقط، فيما تحدثت وكالة تسنيم الإيرانية عن تعبئة أكثر من مليون جندي احتياطي. كما أشارت شبكة "سي إن إن" إلى تلغيم سواحل العديد من الجزر الإيرانية التي قد تكون وجهة المرحلة الأولى من الهجوم البري.
يمكن فهم مدى خطورة الاستيلاء المحتمل على جزيرة خارك الإيرانية من خلال ما نقلته المحللة السياسية البريطانية سامانثا دي بيندرن عن ضابط في القوات الخاصة البريطانية سبق أن شارك في تدريب وحدات من الجيش العُماني على جزر مماثلة. ذلك الضابط قال لها: "هذه أسوأ أرض قتال على وجه الأرض. تأملوا، سيكونون مثل أهداف في ميدان رماية، محاطين بالجبال، ومعزولين عن الإمدادات، أي الذخيرة والماء والطعام. إلى متى يمكنهم الصمود هناك؟".
أسلحة طهران السرية
بداية شهر أبريل 2026 كشف الخبير العسكري والسياسي الروسي فلاديسلاف شوريغين أبرز الإجراءات الوقائية التي اتخذتها طهران عقب حرب 12 يوما في يونيو 2025، والتي ظهرت فعاليتها خلال الحرب المتواصلة منذ 28 فبراير 2026.
يرى الخبير العسكري الروسي أن إيران خرجت من حرب صيف عام 2025، التي استمرت اثني عشر يوما، باستنتاجات حاسمة، كان أبرزها إقامة نظام متعدد المستويات لتداول السلطة. في إطار هذه الخطوة، عين المرشد الأعلى علي خامنئي أربعة مستويات من البدائل لشخصيات عسكرية وسياسية رئيسة، بحيث لا يؤدي موت أي قائد سياسي أو عسكري إلى شلل نظام الحكم.
كما أدخلت تعديلات جوهرية على العقيدة العسكرية للحرس الثوري الإيراني، وفرت درجة عالية من الاستقلالية في اتخاذ القرارات للقادة المحليين. في ظروف انقطاع الاتصالات المركزية أو تدمير القيادات العليا، بات على القادة الميدانيين التصرف وفق قوائم أهداف معتمدة مسبقاً، لضمان استمرار عمل المنظومة.
استدرك شوريغين أن الاستراتيجيين الإيرانيين أدركوا أن المواجهة المباشرة مع خصم يتفوق تقنيا في معركة كلاسيكية لا طائل منها، فتبنوا ما يسمى عقيدة "الدفاع الهجومي"، التي تهدف إلى رفع كلفة الحرب على المعتدي إلى مستوى غير مقبول. يتمثل جوهر هذه العقيدة في توسيع جغرافية الصراع، وشن هجمات ليس فقط على إسرائيل، بل أيضا على القواعد الأمريكية وحلفاء واشنطن في منطقة الخليج، بهدف إحداث صدمة اقتصادية وضغط سياسي على الولايات المتحدة.
في إطار هذه العقيدة القتالية الجديدة، اعتمدت إيران على أسلحة تخلق خللا كبيرا في التوازن، حيث جرى تجميع مخزونات ضخمة من الصواريخ الباليستية، التي تقدرها بعض التقارير بنحو مئتي ألف صاروخ، وتخزينها في "مدن صواريخ" تحت الأرض محصنة بالألغام والأنفاق. هذه الترسانة الضخمة من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة المحفوظة تحت الأرض أكسبت إيران قدرة على ضرب أهداف في جميع أنحاء المنطقة، مع فعالية منخفضة الكلفة، إذ يمكن للطائرات المسيرة الرخيصة أن تدمر رادارات الدفاع الجوي، أو محطات النفط، أو مراكز بيانات تبلغ قيمتها مليارات الدولارات.
لم يقتصر الأمر على ذلك، فخطوط الإنتاج العسكري التي دمرت في صيف عام 2025 لم ترمم فحسب، بل تضاعفت عدة مرات وانتشرت في جميع أنحاء البلاد، كما جرى شراء معدات من روسيا والصين وبيلاروس على وجه السرعة. وكان الرهان الأكبر على طائرات الكاميكازي المسيرة من طراز "شاهد" الإيرانية الصنع، لما تتميز به من انخفاض الكلفة وصعوبة اعتراضها، وقدرتها على استنزاف المخزونات الباهظة الثمن من صواريخ الدفاع الجوي لدى الخصم.
إلى جانب ذلك، استخدمت إيران سلاحا اقتصاديا مؤثرا، معتمدة على أصولها الرئيسة المتمثلة في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو عشرين بالمئة من نفط العالم. هي لم تمنع عبور ناقلات النفط بشكل كامل، إدراكا منها أن تهديد الملاحة وتوجيه ضربات مستهدفة للناقلات سيؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط وأسعار التأمين، ما يضر بالاقتصاد العالمي، والأهم من ذلك، بمصالح الناخبين الأمريكيين.
من جانب آخر، يلفت شوريغين إلى أن القيادة الإيرانية تدرك بوضوح أنها تخوض معركة بقاء، وهو ما يوحد النخبة ويدفع الإيرانيين إلى الالتفاف حول القيادة في مواجهة العدوان الخارجي. الدليل على ذلك أن شوارع طهران لم تشهد أعمال شغب كما توقعت واشنطن. علاوة على ذلك، لم يؤد اغتيال خامنئي وقيادة الحرس الثوري إلى انهيار النظام، إذ دخلت الآلية الدستورية لنقل السلطة حيز التنفيذ، وجعل النظام اللامركزي من الممكن الحفاظ على السيطرة العسكرية والصناعية.
بالمقابل، توقف الخبير العسكري عند نقاط الضعف الإيرانية، مشيرا إلى أنها تكمن، في اعتقاده، في التأخر التكنولوجي. تجلى ذلك في تعطل جزئي لأنظمة الدفاع الجوي الإيرانية بسرعة خلال الأيام الأولى للحرب، إضافة إلى أن إيران لم تستخدم سلاحها الجوي عمليا، إذ دمرت طائراتها الحربية في قواعدها. كما أشار إلى مشكلة استنفاد المخزونات، موضحا أن مخزونات الصواريخ والطائرات المسيرة، مهما بلغ حجمها، ليست بلا نهاية، لا سيما وأن مرافق إنتاج هذه الأسلحة، وإن كانت متفرقة، تتعرض للهجوم باستمرار.
في ختام تحليله، يضع شوريغين يده على نقطة حساسة، لافتا إلى مخاطر أسلوب اللامركزية المعتمد، حيث إن استقلالية القادة الميدانيين تحمل في طياتها احتمالات وقوع حسابات خاطئة أو توجيه ضربات لأهداف قد تزيد من ابتعاد جيران إيران عنها وتفاقم عزلتها، لا سيما وأن إيران، على حد قوله، تخوض هذه الحرب عمليا وحيدة.
اليمن ومضيق باب المندب
كتب بوغدان ستيبوفوي ويوليا ليونوفا يوم 2 أبريل 2026، في "إزفيستيا" عن التأثير الكبير على مسار الحرب بعد انضمام اليمن لدعم لإيران:
انضمت اليمن بقيادة حركة الحوثيين إلى الصراع في الشرق الأوسط إلى جانب طهران. فأطلقت صواريخ باليستية وصواريخ مجنحة، بالإضافة إلى طائرات مسيرة، على جنوب إسرائيل خلال عطلة نهاية الأسبوع الأول من شهر أبريل. ووفقًا للمستشرق كيريل سيمينوف، فإن الهجمات الحالية تعد في المقام الأول استعراضًا للتضامن داخل "محور المقاومة" للقوى التي تتوحد حول إيران.
لم تصبح الضربات على إسرائيل بعد "خطًا أحمر" للولايات المتحدة، يفضي تجاوزه إلى عملية عسكرية واسعة النطاق وفورية ضد اليمن. وقد ساهمت الاتفاقات غير الرسمية بين واشنطن وحركة أنصار الله سابقًا في تهدئة التصعيد. ولم تتأثر حرية الملاحة حتى الآن.
وأشار سيمونوف إلى أن الحوثيين إذا قرروا إغلاق مضيق باب المندب بالكامل، فإن العواقب ستكون "خطيرة للغاية". فـ "تحويل مسار الشحنات، بما في ذلك النفط والغذاء، حول إفريقيا سيؤدي إلى زيادة هائلة في تكاليف النقل وارتفاع حاد في الأسعار في كل مكان تقريبًا".
وقال الخبير العسكري دميتري كورنيف: "إن محاولة إغلاق مضيق باب المندب بالكامل ستكون بمثابة خط أحمر للمجتمع الدولي. ونظرًا للأهمية البالغة لهذا المَمر الحيوي، ستكون الإجراءات الانتقامية فورية".
وأضاف أن الولايات المتحدة وحلفاءها الأوروبيين- وعلى رأسهم فرنسا التي لها وجود عسكري في المنطقة- لن يقفوا وحدهم في وجه الحوثيين، بل سيقف معهم أيضًا قادة إقليميون، من بينهم السعودية.
وخلص كورنيف إلى القول: "يمتلك الحوثيون القدرة التقنية على زعزعة استقرار الملاحة البحرية، لكن تنفيذ هذا السيناريو سيؤدي إلى تدويل واسع النطاق للصراع، مع جبهة موحدة من القوات الغربية في مواجهة أنصار الله".
خيارات أوروبا
يضغط الرئيس ترامب على دول أوروبا الغربية وغيرها ويهددها في محاولة لجعلها تنضم إلى حملته ضد إيران، وحتى الأن لم يجد تجاوبا.
تناول تقرير في صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية نشر يوم 4 أبريل 2026 التحديات الأوروبية في "إعادة فتح" مضيق هرمز، بالإشارة إلى محدودية الخيارات العسكرية والدبلوماسية وارتفاع تكلفتها، مع تحذيرات من استمرار السيطرة الإيرانية وتأثيرها على الاقتصاد العالمي وأسعار الطاقة.
لدى القادة الأوروبيين وغيرهم من المسؤولين أفكارا لإعادة الملاحة إلى المضيق بعد انتهاء الحرب مع إيران. لكن لا يوجد أي منها مضمون النجاح.
عندما اجتمع مسؤولون رفيعو المستوى من أربعين دولة افتراضياً بداية أبريل لمناقشة سبل إعادة حركة الملاحة إلى مضيق هرمز، طرح وزير الخارجية الإيطالي اقتراحاً. حثهم فيه على إنشاء "ممر إنساني" يتيح مرورا آمنا.
وكانت الخطة، التي وصفها المسؤولون الإيطاليون بعد الاجتماع، واحدة من عدة مقترحات متنافسة من أوروبا وخارجها، تهدف إلى منع الحرب على إيران من التسبب في أزمة واسعة النطاق. إلا أنها لم تحظَ بموافقة المبعوثين المشاركين في الاجتماع، وانتهى الاجتماع من دون خطة ملموسة لـ"إعادة فتح المضيق"، عسكرياً أو غير ذلك.
ويتعرض القادة الأوروبيون لضغوط من الرئيس ترامب لتخصيص موارد عسكرية، فوراً، لإنهاء السيطرة الإيرانية على المضيق والسيطرة على أزمة الطاقة والاقتصاد العالمية المتفاقمة. وقد رفضوا الاستجابة لمطالبه بإرسال سفن حربية الآن. وبدلاً من ذلك، يناقشون بشدة ما يجب فعله للمساعدة في فتح هذا الممر الملاحي الحيوي بمجرد انتهاء الحرب.
لكنهم يواجهون صعوبة في التوصل إلى خطة عمل موحدة.
يعكس ذلك جزئياً بطء وتيرة الدبلوماسية في أوروبا، وكثرة الدول، بما فيها دول الخليج العربية، التي تعنى بـ"حماية المضيق" بعد انتهاء الحرب. وقد أصرت دول عديدة مشاركة في المحادثات، كإيطاليا وألمانيا، على ضرورة موافقة الأمم المتحدة على أي جهد دولي، الأمر الذي قد يبطئ العمل أكثر. وسيتناول القادة العسكريون هذه المسألة في مناقشات مقبلة.
أكثر ما يعكسه هذا الصراع هو مدى صعوبة "تأمين المضيق" فعلياً في ظل سلام هش، سواء لأوروبا أو لأي طرف آخر. لا يبدو أي من الخيارات المتاحة لأوروبا ودول الخليج وغيرها من الدول مضموناً، حتى بافتراض توقف القتال الرئيسي.
الفكرة الأولى: مرافقة السفن الحربية
الخطة: طرح مسؤولون فرنسيون، بمن فيهم الرئيس إيمانويلماكرون، مراراً وتكراراً إمكانية مساعدة السفن الحربية الفرنسيةفي مرافقة السفن التجارية عبر المضيق بعد انتهاء الحرب. كماحثّ مسؤولون أمريكيون الأوروبيين وحلفاء آخرين، كاليابان، علىمرافقة السفن التي ترفع أعلام بلدانهم. (على سبيل المثال، مرافقةسفينة فرنسية لسفينة فرنسية).
المشكلة: مرافقة السفن الحربية مكلفة. كما أن أنظمة الدفاعالجوي وحدها قد لا تكون كافية لصدّ بعض أنواع الهجمات،كضربات الطائرات المسيّرة، في حال قررت إيران استئناف إطلاقالنار. قال وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس شهر مارسالماضي: "ما الذي يتوقعه العالم، وما الذي يتوقعه دونالد ترامب،من حفنة أو حفنتين من الفرقاطات الأوروبية في مضيق هرمز،لتحقيق ما يعجز عنه الأسطول الأميركي القوي وحده؟"
الفكرة الثانية: مسح الألغام
الخطة: يقول مسؤولون ألمان وبلجيكيون، من بين آخرين، إنهممستعدون لإرسال كاسحات ألغام لتطهير المضيق من المتفجراتبعد الحرب.
المشكلة: لا يزال القادة العسكريون الغربيون غير مقتنعين بأنإيران قد زرعت ألغاماً في المضيق، ويعود ذلك جزئياً إلى استمرارمرور بعض السفن الإيرانية عبره. لذا، فبينما قد تُنشر كاسحاتألغام كجزء من حراسة بحرية، إلا أن دورها قد يكون محدوداً.
الفكرة الثالثة: دعم جوي
الخطة: إرسال طائرات مقاتلة وطائرات مسيرة لاعتراض أيهجمات جوية إيرانية على السفن. وقد ضغط المسؤولونالأمريكيون على أوروبا للقيام بذلك.
المشكلة: مكلفة للغاية أيضاً. ولا يزال نجاحها غير مضمون. فبإمكان إيران مهاجمة السفن بجندي واحد على متن زورقسريع، وإذا نجحت بضع محاولات فقط، فقد يكون ذلك كافياًلردع شركات التأمين ومالكي السفن عن محاولة العبور.
الفكرة الرابعة: كل ما سبق، بالإضافة إلى الدبلوماسية
الخطة: استخدام المفاوضات والنفوذ الاقتصادي للضغط علىإيران للامتناع عن شن هجمات مستقبلية، ونشر وسائل عسكريةمتنوعة لفرض ذلك. سيتجاوز هذا الجهد حدود أوروبا. ففي يومالخميس 2 أبريل 2026، دعت وزارة الخارجية الألمانية الصين إلىاستخدام نفوذها لدى إيران "بشكل بنّاء" للمساعدة في إنهاء"الأعمال العدائية".
المشكلة: التكلفة الباهظة. ولا يزال الأمر غير مضمون. ويبدو أنالمفاوضات لم تُسفر إلا عن القليل لوقف القتال. لكن قد يكون هذاهو الخيار الأفضل لأوروبا، لعدم وجود خيار أفضل.
ماذا لو لم ينجح أي من ذلك؟
أعلن مسؤولون إيرانيون هذا الأسبوع أنهم سيواصلون السيطرةعلى حركة الملاحة عبر المضيق بعد انتهاء الحرب. وقد وضعوابالفعل خططًا لفرض رسوم مرور على السفن التي تعبر المضيق،الذي يُفترض أن يكون ممراً مائياً مفتوحاً بموجب القانون الدولي.
يُهدد استمرار "الحصار" بكارثة اقتصادية عالمية. وتعتمد دولالعالم على الشحنات عبر المضيق لتوفير الوقود والأسمدة، من بينسلع أساسية أخرى. وفي بعض المناطق، تلوح في الأفق بوادرنقص. وفي مناطق أخرى، كأوروبا، أدى ارتفاع أسعار النفطوالغاز والأسمدة إلى تفاقم التضخم وتراجع النمو الاقتصادي.
يقول هانز كونيغ، المدير الإداري في شركة أورورا لأبحاث الطاقة،وهي شركة استشارية في برلين: "إن التهديد الأكبر الآن هوالركود التضخمي". "أسعاركم مرتفعة، وهذا يخنق النمو الضئيلالذي كنا سنشهده هذا العام."
عمر نجيب









