
بينما تتسارع وتيرة استفحال الأزمة الإقتصادية في جميع أنحاء العالم لأسباب عديدة في مقدمتها مع اقتراب سنة 2026 من نهايتها، تبعات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران بتفرعاتها، يطرح في كل يوم يمر سؤال عن موعد عودة الإنفجار الواسع في الحرب الدائرة في الشرق الأوسط أو منطقة غرب آسيا لأنه لا يظهر حتى الآن أي ضوء في مسار التوصل إلى تسوية سلمية.
الرئيس الأمريكي ترامب وطاقمه الرئاسي في البيت الأبيض يخلق بتصريحاته المتقلبة من بين حسم الصراع بالحرب التي ستركع طهران وتزيلها من الوجود، إلى التفاؤل بقرب التوصل إلى إتفاق ينهي أزمات الطاقة وسلاسل التوريد وغيرها، حالة من عدم اليقين ويزيد من اضطرابات الأسواق التي يكسب البعض بفضلها ماديا بينما يخسر آخرون.
البعض يفسر هذه التقلبات بغياب استراتيجية واضحة للبيت الأبيض في الصراع وتعرضه للضغوط التي تمارسها عليه تل أبيب وجماعات الضغط الموالية لها التي لا تريد سوة نهاية للصراع تقوم على الهزيمة الكاملة لطهران وتولي سلطة موالية للغرب السلطة فيها أو تقسيم إيران إلى دوليات على أساس طائفي وعرقي وهو أمر من شأنه تصفية إحدى القوى الإقليمية التي تهدد بعرقلة مشروع إسرائيل الكبرى.
منذ توقيع مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران بوساطة باكستانية والتي وصفت بـ "مذكرة تفاهم إسلام آباد" في 17 يونيو 2026، تم وقف العمليات العسكرية الكبرى المتبادلة واقتصر الأمر على الضربات المحدودة، ولكن بدل التقدم نحو التسوية وتهيئة الأجواء لمفاوضات أشمل دخل الجميع وسط متاهة من التفسيرات المتناقضة والتوقعات المتضاربة والاستعدادات للحرب.
في الولايات المتحدة وإسرائيل وكثير من الأوساط الغربية راج القول أن مبادرة التفاهم تشكل اعترافا ضمنيا من واشنطن بخسارتها للحرب ضد طهران وضرورة التراجع عنها.
وبرر تراجع واشنطن عن مبادرة التفاهم وانهيار التهدئة المؤقتة إلى مجموعة من الأسباب الميدانية والسياسية والخلافات الجوهرية حول بنود المذكرة وتفسيرها.
وتتلخص أبرز الأسباب وراء هذا التراجع فيما يلي:
الخلاف الحاد حول تفسير البنود المتعلقة بمضيق هرمز: شكل ملف أمن الملاحة في مضيق هرمز شرارة رئيسية لانهيار التهدئة، حيث أدى استهداف السفن التجارية والمواجهات العسكرية المتبادلة في الميدان البحري إلى إعلان واشنطن انتهاء مفاعيل الاتفاق المؤقت.
الخلاف الجوهري حول الأصول المالية المجمدة: أثيرت خلافات حادة حول "البند 11" المرتبط بآلية وكيفية استخدام إيران لأموالها التي سيرفع التجميد عنها (مثل الأموال المودعة في قطر). فبينما أصرت الإدارة الأمريكية على أن تخضع الأموال لرقابة تضمن إنفاقها فقط على سلع أساسية محددة، رفضت طهران ذلك متمسكة بحقها الكامل في التصرف بها.
تسريب تفاصيل الاتفاق: تسبب قيام وسائل إعلام إيرانية رسمية وغربية بنشر مسودات وبنود من الاتفاق تضمنت معلومات حول مكاسب مالية واعترافات اقتصادية لصالح طهران، في إثارة حساسية بالغة وانزعاج لدى إدارتي دونالد ترامب ونتنياهو لما أحدثه ذلك من ضغوطات وانطباعات سلبية داخل الساحة السياسية الأمريكية.
تباعد الأولويات وشروط طاولة المفاوضات: تصر واشنطن على أن يشمل أي تفاهم تفكيكا كاملا للبرنامج النووي الإيراني وتراجعا في مخزون اليورانيوم عالي التخصيب والقدرات الصاروخية الباليستية، في حين ترفض طهران تقديم أي "تنازلات مسبقة" وتشترط رفعا فوريا شاملا للحصار الاقتصادي والبحري قبل الخوض في التفاصيل.
التحول إلى استراتيجية "الخنق الاقتصادي": فضل البيت الأبيض العودة إلى تكتيك "الضغط الأقصى" واستعراض القوة بدلا من تقديم حلول وسطى، مراهنا على أن مضاعفة الإنهاك الاقتصادي لقطاع الطاقة والمال الإيراني سيجعل واشنطن تفاوض من موقع قوة أكبر مستقبلا.
مع نهاية شهر أكتوبر 2026 وتزايد المؤشرات على أن الاقتصاديات الغربية أساسا تواجه خطر إنهيار ضخم نتيجة تراكم مشاكل ارتفاع اسعار الطاقة وتضخم الديون – الدين الأمريكي تجاوز 40 ترليون دولار – قدر الخبراء أنه لم يعد هناك خيار أمام واشنطن سوى تجربة ركوب مغامرة عسكرية كبرى جديدة مع تل أبيب ضد إيران محذرين في نفس الوقت من أن الفشل مرة أخرى كما حدث في حرب الأربعين يوما التي بدأت في 28 فبراير 2026 سيعني تحولات أساسية في توازن القوى العالمية وخاتمة للكثير من النظم الغربية مشابهة لما حدث للإتحاد السوفيتي نهاية العقد الأخير من القرن العشرين.
الهجوم الجديد
يوم الأحد الأول من شهر نوفمبر 2026 الذي يصادف اليوم الـ138 منذ توقيع مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، وبعد 247 يوما من اندلاع الحرب، صرح الرئيس الأمريكي ترامب إنه تحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو. وأضاف، متحدثا عن المكالمة التي جرت يوم السبت، "أجريت معه محادثة جيدة جدا". وقال إن إيران كانت أحد موضوعات المحادثة وإن الحرب عليها ستنتهي قريبا جدا.
وكرر ترامب الأحد تهديده باستئناف الضربات ضد إيران وقال خلال تجمع انتخابي في ولاية آيوا إنه قد يضطر لتوجيه "ضربة ساحقة" لطهران في وقت لم يحدده. وأضاف إن الجميع سيرون ذلك بأنفسهم. وأوضح أن بلاده استخدمت قاذفات من نوع "بي-2" لضرب القدرات النووية الإيرانية، معتبرا أن طهران لا تزال غير مدركة لحجم ما تعرضت له. وأكد أن واشنطن دمرت قدرات إيران على تخصيب اليورانيوم خلال عمليتيْ "مطرقة منتصف الليل" و"الغضب الملحمي".
ووصف ارتفاع أسعار النفط بأنه "ثمن ضئيل للغاية مقابل ضمان أمن الولايات المتحدة والعالم"، مضيفا أن المكاسب المحققة من فنزويلا وحدها تعادل عشرة أضعاف تكلفة الحرب على إيران.
موقع "أكسيوس" أفاد نقلا عن مصدرين أمريكي وإسرائيلي- بأن الاتصال بحث السرعة التي يمكن بها استئناف العمليات العسكرية.
يذكر أن الرئيس الأمريكي ركز في الأسابيع الأخيرة من شهري سبتمبر وأكتوبر 2026 على نيته استهداف جبل فأس حيث توجد منشآت نووية بما يسمى أم القنابل.
الخبير العسكري والاستراتيجي العميد إلياس حنا ذكر إن تلويح ترامب باستهداف منشأة "جبل الفأس" المحصنة قرب مجمع نطنز النووي يواجه تعقيدات تكتيكية واستخباراتية، نظرا لوقوعها على عمق يتراوح بين 80 و100 متر داخل صخور الغرانيت الصلبة.
وأوضح حنا أن هذا العمق يتجاوز القدرة الاختراقية المباشرة للقنابل الأمريكية الخارقة للتحصينات من طراز "جي بي يو-57″، التي تستطيع اختراق نحو 60 مترا، مشيرا إلى أن واشنطن استهلكت نحو 14 قنبلة من هذا الطراز خلال ضربات يونيو 2025 وحرب فبراير من 2026.
وأضاف أن الترسانة الأمريكية لم يتبق فيها، وفق تقديره، سوى نحو 6 قنابل من هذا النوع، ما يجعل التدمير الكامل للمنشأة غير مضمون عسكريا.
ورجح حنا لجوء القيادة العسكرية الأمريكية إلى أسلوب "التحييد بالصدمة الزلزالية"، عبر استهداف مداخل الأنفاق الأربعة ومرافق التهوية، بهدف دفن المنشأة وتعطيلها.
خبراء عسكريون غربيون ذهبوا أبعد من ذلك وأشاروا إلى أن المنشأة توجد على عمق يفوق 600 مترا تحت الأرض وأنه لا يمكن إصابتها حتى بالسلاح النووي.
يذكر أنه ويوم الخميس 17 أكتوبر وفي مقابلة نشرها موقع نيوزماكس الإخباري الأمريكي اليميني، أشار ترامب إلى أنه لا يخطط لاستخدام الأسلحة النووية، لكنه أوضح أيضاً أن السلاح الجوي المدمر، قنبلة الانفجار الجوي الضخمة GBU-43/B MOAB - "أم القنابل" "ليست نووية".
في طهران ويوم السبت 31 أكتوبر أصدر الزعيم الأعلى الإيراني مجتبى خامنئي أوامر للقوات المسلحة بالرد الفوري "دون أي قيود جغرافية على أي تهديد من العدو"، وذلك وفقا لبيان نشر على حسابه الرسمي على تطبيق تيليغرام.
وذكر خامنئي إن إيران ستحدد زمان وظروف إنهاء أي هجمات عسكرية أو "إرهابية جديدة يستأنفها الأعداء"، وأمر بتحديث قائمة الأهداف العسكرية "على نحو يتيح وضع مختلف أنواع الأصول المادية وغير المادية" للولايات المتحدة وإسرائيل في مرمى نيران القوات المسلّحة.
ضربة نووية
يوم الإثنين 2 نوفمبر نبه الصحافي الأمريكي تاكر كارلسون إلى احتمال ذهاب الرئيس ترامب نحو شن ضربة نووية ضد أحد المواقع الإيرانية شديدة التحصين.
وقال كارلسون، في منشور على حسابه على منصة "إكس": "إدارة ترامب قد تكون على بعد أيام من شن ضربة نووية على إيران تحت ضغط نتنياهو، تستهدف منشأة "جبل الفأس" النووية المحصنة تحت الأرض، لعدم قدرة الأسلحة التقليدية الأمريكية على اختراق تحصيناتها".
وأضاف: "ترامب قد يحسم قراره بشأن استخدام السلاح النووي بحلول 7 نوفمبر، بينما يحاول فانس وويتكوف إقناعه بالتوصل إلى اتفاق مع إيران".
واعتبر كارلسون أن رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلية بنيامين نتنياهو أصبح "محاصراً ويائساً"، بعد نتائج انتخابات "الكنيست"، التي لا تخوله تشكيل حكومة، وقال: "يجب على نتنياهو أن يبقى قريباً من ترامب. إنه بحاجة إلى هذه الحرب".
كما كشف أن نتنياهو "مارس، لتحقيق هذا الهدف، أقصى درجات الضغط على أقرب حلفائه في الإدارة، بما في ذلك وزير الحرب بيت هيغسيث وقائد القيادة المركزية الأمريكية (سينتكوم) براد كوبر، اللذين يعارض كلاهما التوصل إلى تسوية تفاوضية للحرب التي أداراها بشكل سيء للغاية، وكلاهما يدفع نحو استئناف العمليات القتالية الكبرى".
وحذر كارلسون من أن "التداعيات الإشعاعية الناتجة عن انفجار أرضي في "جبل الفأس" من شأنها أن تلوث الخليج العربي، مما يؤدي إلى تسمم إمدادات المياه لمئة مليون شخص".
كذلك، قال كارلسون إنه"ومنذ فبراير، قامت الإدارة بهدوء بإعادة كتابة العقيدة النووية الأمريكية لجعل استخدام ما يسمى بـ "الأسلحة النووية التكتيكية في ساحة المعركة أسهل وبالتالي أكثر ترجيحاً"، مضيفاً: "لا يبدو أن أحداً في واشنطن من أي من الحزبين منزعج من هذا. والآن نحن على حافة الهاوية".
وتأتي هذه الأخبار على ضوء تزايد الحديث عن مشاورات تعقد بوساطة قطرية بهدف إعادة إحياء مفاوضات إنهاء الحرب، في الوقت الذي تصر فيه طهران على مقترح "الـ7 أيام" الذي سبق لها أن قدمته، كخارطة طريق لفتح مضيق هرمز، وإعادة إحياء المحادثات الهادفة للتوصل إلى اتفاق نهائي.
الدعم الروسي-الصيني
مع اقتراب سنة 2026 من نهايتها تطرح علامات استفهام كثيرة عن موقف موسكو وبكين من توسيع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على طهران.
كتبت ليلى نقولا أستاذة العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية:
تتقاطع مصالح روسيا والصين مع إيران في رفض سيناريو الحرب والدعوة إلى التفاوض لحل الأزمة، غير أن هذا التقاطع لا يعني استعدادا للدخول في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة دفاعا عن إيران.
تداخل واضح بين المسار الدبلوماسي والسعي للوصول الى حل، واستمرار تصاعد الإشارات التصعيدية وإبقاء الخيارات العسكرية على الطاولة.
ويشير كثيرون إلى أن خيار العودة إلى طاولة التفاوض جاء نتيجة جملة عوامل متداخلة، من بينها تقارير استخبارية أمريكية وإسرائيلية تفيد بعدم القدرة على اسقاط النظام خاصة بعد توقف التظاهرات، وعدم وجود رغبة إقليمية بالحرب (باستثناء إسرائيل)، إضافة إلى الإعلان عن مناورات مشتركة بين إيران وروسيا والصين في شمال المحيط الهندي، قبل أن يصار إلى تأجيلها، في خطوة تحمل دلالات تتجاوز بعدها الإجرائي. مع العلم أن التأجيل بحد ذاته يعكس "رسالة مزدوجة": إعطاء فرصة للدبلوماسية، مع الحفاظ على التهديد بـ"الاصطفاف العسكري" في حال فشل التفاوض.
بالتوازي، جرى تداول معلومات غير مؤكدة عن وصول طائرات نقل عسكرية صينية وروسية إلى إيران، وعن شحنات من المعدات، من دون صدور أي تأكيد أو نفي رسمي. غير أن مجرد تداول هذه المعلومات على نطاق واسع أسهم في تعزيز الانطباع بأن إيران ليست معزولة بالكامل في مواجهة الضغوط العسكرية، وأن إيران قد تكون قد رممت قدراتها العسكرية وقد تحقق مفاجآت عسكرية في حال تم شن حرب عليها.
تشكل إيران أحد المسارات الأساسية لكسر القيود الغربية على حركة التجارة والطاقة الروسية وعلى هذا الأساس، تطرح مسألة الموقفين الروسي والصيني من أي حرب تستهدف إسقاط النظام في إيران غالبا ضمن مقاربتين متناقضتين:
- الأولى: تضخم أهمية الدعم الروسي– الصيني إلى حد اعتبار أن أي حرب أمريكية–إسرائيلية لإسقاط النظام تشكل "خطا أحمر" استراتيجيا (للصن وروسيا) لن يسمح بتجاوزه.
- والثانية: تقلل من وزن هذه المواقف، وترى أن موسكو وبكين سوف تستمران في اعتماد سياسة المتفرج من بعيد فيما تواصل الولايات المتحدة توجيه الضربات لحلفائهما، وتقليص نفوذهما في مناطق حيوية.
غير أن القراءة الموضوعية الأكثر دقة تقتضي مقاربة واقعية لسلوك الدولتين، ترى في إيران دولة مفصلية مهمة، ولكن غير حاسمة في نفوذهما العالمي. وعليه، فإن الدعم الروسي– الصيني المحتمل يمكن أن يكون دعما حقيقيا ومحسوبا بدقة، لا التزاما وجوديا مفتوحا.
أولًا: إيران في الحسابات الروسية
بالنسبة لروسيا، تكتسب إيران أهميتها أساسا من موقعها الجغرافي، لا من كونها حليفا استراتيجيا بالمعنى الكلاسيكي، إذ إن العلاقات التاريخية بين الدولتين لطالما شابها الشك وعدم الثقة والتنافس المكتوم.
تشكل إيران أحد المسارات الأساسية لكسر القيود الغربية على حركة التجارة والطاقة الروسية، ولا سيما عبر ممر النقل الدولي شمال- جنوب الذي يربط روسيا بالمحيط الهندي.
غير أن هذه الأهمية تبقى، من منظور موسكو، وظيفية واستراتيجية، لكنها لا تتخذ طابعا وجوديا. تمتلك روسيا بدائل أخرى، وإن كانت أقل كفاءة أو أعلى كلفة، سواء عبر القطب الشمالي أو عبر آسيا الوسطى والمحيط الهادئ.
لذلك، يسعى الروس إلى منع الفوضى، وإلى مساعدة إيران على تحقيق الاستقرار ورد أي عدوان خارجي عليها، انطلاقا من مصالحهم الحيوية في الحفاظ على خط شمال- جنوب، وكذلك لمنع الولايات المتحدة من استخدام سياسة القضم المتدرج للحلفاء، بما قد يفتح الطريق لاحقا للوصول الى العمق الحيوي الروسي نفسه.
ثانيا: إيران في الاستراتيجية الصينية
في المقاربة الصينية، تبدو إيران جزءا من شبكة أوسع من العلاقات والممرات التي تعتمدها بكين لمد نفوذها الاقتصادي.
تنظر الصين إلى إيران باعتبارها موردا مهما للطاقة، وعقدة جغرافية مفيدة ضمن مبادرة الحزام والطريق، لكنها، في الوقت نفسه، تتجنب تحويل هذه العلاقة إلى تحالف دفاعي قد يؤدي إلى صدام مباشر مع الولايات المتحدة.
تعتمد الصين عادة سياسة توزيع المخاطر، وتحرص على عدم ربط مشاريعها الاستراتيجية بمصير دولة واحدة تعاني من عقوبات وضغوط مزمنة، وتقيس سياستها وتحالفاتها مع الدول انطلاقا من مبدأ "الجدوى".
من هنا، فإن رفض الصين لحرب إسقاط النظام في إيران لا ينبع من التزام أيديولوجي، بقدر ما هو خشيتها من زعزعة استقرار منطقة حيوية للتجارة العالمية، وتعطيل سلاسل التوريد والطاقة، فضلا عن القلق من تكريس نموذج التدخل العسكري الأحادي الذي قد يهدد مصالحها مستقبلا.
بالنتيجة، تتقاطع مصالح روسيا والصين مع إيران في رفض سيناريو الحرب والدعوة إلى التفاوض لحل الأزمة، غير أن هذا التقاطع لا يعني استعدادًا للدخول في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة دفاعا عن إيران، ولا تقديم التزامات أمنية ودفاعية صلبة.
ولا شك أن صانع القرار الإيراني يدرك هذه المعادلة، ويتعامل مع الدعم الروسي والصيني لا بوصفه مظلة إنقاذ، بل كعامل دولي ضاغط ومساعد لتأمين نوع من التوازن، إلى حد ما، مع الاصطفاف الغربي–الأمريكي–الإسرائيلي ضد إيران.
خلال شهر سبتمبر 2026 وفي موقف موحد بشأن التحرك الأوروبي ضد طهران، أعلنت الصين وروسيا دعم إيران في رفض إعادة فرض عقوبات أممية، معتبرة الخطوة "معيبة قانونيا ومدمرة سياسيا".
وأعلنت الصين وروسيا، العضوان الدائمان في مجلس الأمن، دعمهما لموقف إيران الرافض لتحرك أوروبي لإعادة فرض عقوبات الأمم المتحدة التي رفعت قبل عشر سنوات بموجب الاتفاق النووي لعام 2015، والذي كانت الصين وروسيا من بين الدول التي وقعت عليه مع قوى عالمية، من بينها الدول الأوروبية الثلاث: ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة، المعروفة باسم "الترويكا الأوروبية".
وانسحب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من الاتفاق في ولايته الأولى عام 2018.
وانتهي العمل بالاتفاق في أكتوبر من عام 2026، وتسمح آلية "العودة السريعة" بإعادة تفعيل العقوبات التي رفعت بموجب ذلك الاتفاق ولكن الصين وروسيا استخدمتا الفيتو في مجلس الأمن لمنع التجديد.
وكانت ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة قد سعت لتفعيل آلية إعادة العقوبات، متهمةً إيران بخرق الاتفاق النووي، الذي أدى إلى تخفيف العقوبات المالية الدولية المفروضة طهران مقابل فرض قيود على برنامجها النووي. بينما تنفي طهران وجود أي نوايا عسكرية لبرنامجها النووي وتؤكد حقها في تطوير برنامج مدني.
ودعت موسكو الدول الغربية إلى "العودة للمنطق وإعادة النظر في قراراتها الخاطئة"، محذرة من "تداعيات لا يمكن إصلاحها".
يذكر أن العلاقات بين موسكو وطهران شهدت تقاربا منذ بدء الحرب بين روسيا وأوكرانيا عام 2022، واتهمت الدول الغربية وكييف إيران بتزويد روسيا بمسيرات من طراز شاهد وصواريخ قصيرة المدى استخدمتها في حربها في أوكرانيا.
ترامب وموقف بكين وموسكو
يتجنب الرئيس الأمريكي ترامب التعمق في الحديث عن مستوى دعم روسيا والصين لإيران مكتفيا بالاشارة إلى تشابه بين دعم بلاده لإوكرانيا ودعم موسكو وبكين لإيران
ومؤخرا قال ترامب، إنه "لا يشعر بالقلق إزاء جمع دول أخرى معلومات استخباراتية عن الولايات المتحدة"، مشيراً إلى أن "واشنطن تمارس أنشطة مماثلة ضد روسيا والصين".
ونقلت وسائل إعلام غربية عن ترامب قوله، خلال تجمع انتخابي في ولاية آيوا، إن أحد الأشخاص أبلغه بأن الصين وروسيا تتجسسان على الولايات المتحدة، معتبراً أن ذلك صحيح، لكنه أضاف: "لكننا نفعل الشيء نفسه تجاههما".
ولم يكشف ترامب عن طبيعة المعلومات التي استند إليها في حديثه، كما لم يحدد هوية الشخص الذي ناقشه في أنشطة التجسس أو الأجهزة الاستخباراتية المعنية.
وجاءت تصريحات ترامب، خلال حديثه إلى الصحافيين على متن الطائرة الرئاسية "إير فورس وان"، رداً على سؤال بشأن تقرير لصحيفة "وول ستريت جورنال" أفاد بأن جهات صينية قدمت لإيران صوراً فضائية عالية الدقة لقاعدة موفق السلطي الجوية في الأردن، قبل هجوم صاروخي إيراني استهدف القاعدة في 17 يوليو 2026، وأسفر عن مقتل جنود أمريكيين.
وقال ترامب ردا على السؤال: "إنهم يفعلون ما نفعله نحن"، مضيفا: "عندما يقولون إن الصين تتجسس علينا، أقول إنكم على حق، ونحن نتجسس عليهم أيضا".
وبحسب تقرير "وول ستريت جورنال"، ربط مسؤولون أمريكيون بين الصور الفضائية والهجوم الذي استهدف القاعدة الأردنية، من دون الكشف عن هوية الجهات الصينية المعنية أو اتهام بكين مباشرة بالضلوع في الهجوم.
التراجع الإمبراطوري
جاء في بحث نشره المعهد المصري للدراسات كتبه د. عمرو دراج ونشر في 20 مايو 2026:
أثارت الحرب التي شنتها الولايات المتحدة الأمريكية، بالإشتراك مع إسرائيل، على إيران، العديد من التساؤلات حول تراجع الفعالية العسكرية الأمريكية، على الرغم من القوة الجبارة التي تمتلكها، وعن مدى قدرة الولايات المتحدة في تحقيق أهداف الحرب باستخدام قوتها العسكرية التي لايوجد لها منافس، وعما إذا كانت هذه القوة قد وصلت لذروتها وبدأت في التراجع، وعن مدى فقدان الجيش الأمريكي، بكل قوته، القدرة على خوض غمار الحرب الحديثة والفوز بها؟
أستاذ العلاقات الدولية الأمريكي الشهير روبيرت بيب ذكر في تحليل جديد له، أنه “إذا ما كانت حرب الخليج في العام 1991 قد خلقت عالم ما بعد الحرب الباردة، فإن حرب إيران في العام 2026 من الممكن أن تكون قد أنهته.
"على مدى ثلاثين عاما، كان العالم يفترض أن الولايات المتحدة تستطيع أن تسود عمليات التصعيد العسكري في أي مكان على الأرض تقريبا، إلا أن حرب إيران قد تكون الحرب الأولى التي حطمت هذا الإفتراض".
من المهم، في هذا السياق، إلقاء الضوء على بعض التفاصيل حول ما وصل بنا إلى الوضع الحالي، وعن طبيعة العمليات العسكرية في السنوات الأخيرة، بصرف النظر عن مألات الصراع الجاري في المستقبل، وذلك في إطار التحولات الكبرى التي يمر بها العالم، وكذلك التغيرات الحادثة في النظام الدولي بشكل عام.
الولايات المتحدة لازالت قادرة بالطبع على توجيه ضربات تدميرية ولكن، قبل ذلك، يجب البحث في السؤال المتعلق بكيفية تمكن إيران، التي لايمكن مقارنة قوة ألتها العسكرية بالألة التدميرية الأمريكية، من الصمود طيلة هذا الوقت، مما وضع الولايات المتحدة أمام خيارين لا ثالث لهما، إما الإنسحاب المذل الذي يصاحبه بعض الأكاذيب والسرديات حول تحقيق النصر لحفظ ماء الوجه، ما يعني في واقع الأمر نصرا سياسيا ومعنويا كبيراً لإيران، يساهم في تكريس مكانتها المستقبلية، أو اللجوء لخيار التدمير الشامل لكل مقدرات إيران، حيث ثبت عدم جدوى الضربات والعمليات العسكرية المحدودة في تحقيق أي هدف رئيس من أهداف الحرب، مع ما سيترتب على ذلك من دمار شامل في المنطقة ككل، وتداعيات عالمية غير معروف مداها؟
إلا أنه لا يمكن التطرق لهذا الأمر إلا في سياق كلي، يتعلق بتراجع الهيمنة الإمبراطورية الأمريكية العالمية بشكل عام، يأتي فيه فقدان القدرة على الهيمنة العسكرية التامة كأحدث مظاهر تراجع الهيمنة الإمبراطورية، في ظل التطور السريع لأليات الحروب الحديثة، الذي يبدو أن الولايات المتحدة، حتى الأن على الأقل، لا تستطيع أن تلاحقه.
عالجت العشرات من الدراسات الرصينة في العقد الأخير مسألة تراجع النفوذ الإمبراطوري الأمريكي حول العالم، ورصدت العديد من الدلائل على حدوث ذلك. وقد قاد الإنسحاب الأمريكي المهين من أفغانستان في العام 2021 للاقتراب من هذه المسألة بالبحث والتحليل من خلال دراسة شاملة قمت بإصدارها لمعالجة هذا الموضوع، وذلك في محاولة لاستكشاف أثر ذلك على مستقبل المنطقة العربية. حاولت من خلال الدراسة التعمق في المراجع الغربية التي تعالج هذا الموضوع حتى أتجنب الوقوع في فخ "التفكير الرغائبي"، وقمت باستعراض العديد من كتابات عدد من أهم الكتاب والمفكرين الذين تصدوا لهذا الموضوع في ذلك الوقت أمثال ألفريد ماكوي، وهنري كيسنغر، و نيال فيرجسون، وناعوم تشومسكي، وفرانسيس فوكوياما، وكريس هيدجز، وغيرهم. وكان من المثير، بالنسبة لي على الأقل، أن يكون عنوان ما كتبه فوكوياما مثلاً حول الموضوع: "نهاية الهيمنة الأمريكية"، وهو الذي كان قد كتب قبل ذلك بسنوات كتابه الأشهر عن: “نهاية التاريخ والرجل الأخير"!
بالطبع من أهم من تصدى لهذا الموضوع أيضاً المؤرخ الفرنسي الشهير إيمانويل تود، الذي أنتج العديد من المؤلفات العميقة حول الموضوع منذ سنوات طويلة.
لن أقوم باستعراض تفصيلي لهذه الكتابات، أو للموضوع نفسه، في هذا المقام لأنه ليس الموضوع الرئيس في الورقة، إلا أنه يمكن القول بأن هؤلاء الكتاب، وغيرهم، قد تناولوا الموضوع من زوايا مختلفة ومظاهر متعددة مؤداها جميعاً أن هناك تراجعاً لا يمكن إنكاره في الهيمنة الإمبراطورية على العالم.
يرصد الكثيرون من الباحثين تراجع النفوذ الأمريكي خارج الولايات المتحدة كمظهر رئيس للتراجع الإمبراطوري الأمريكي، إلا أن الدراسة المعمقة للشأن الأمريكي، في واقع الأمر، تكشف أن الأمر لا يتعلق فقط بفشل الأداء الخارجي، وإنما قد يعود بالدرجة الأولى لعوامل داخلية وذاتية أثرت بشكل كبير على التماسك الداخلي للمجتمع، وهو ما أثر بالتأكيد على أدائها الخارجي. فقد ظهرت، خاصة في العقدين الأخيرين مشاكل داخلية جمة تتعلق بالاستقطاب السياسي الحاد، والظلم الإجتماعي البيِّن الذي يتمثل في ارتفاع نسب الفقر والتفاوت الشديد في الدخول والثروة بين الفئات الأغنى والأفقر، فضلاً عن تسارع الانحدار الأخلاقي وتزايد نسب إدمان المخدرات، وانتشار الجريمة والعنف المجتمعي، خاصة في المدارس، فضلاً عن تنامي المثلية وتراجع دور الأسرة السوية، وانخفاض نسب الإنجاب، وزيادة معدلات الطلاق، وغير ذلك من المشكلات الإجتماعية.
بل إن فوكوياما، في دراسته المشار إليها أعلاه، يعتبر أن التحدي الذي يواجه المكانة العالمية للولايات المتحدة بشكل أكبر في الوقت الراهن هو الاستقطاب السياسي داخل أمريكا نفسها، وبناء على ذلك، فإن فوكوياما يرى أنه على الرغم من أن الولايات المتحدة ستبقى قوة عظمى لسنوات عديدة قادمة، إلا أن مدى تأثيرها ونفوذها يعتمد على قدرتها على إصلاح مشاكلها الداخلية، فضلاً عن سياستها الخارجية.
الاصلاح
أتفق جزئياً مع هذا التشخيص، إلا إني أرى أن المشاكل التي يعاني منها المجتمع الأمريكي غير قابلة للإصلاح، فهي، من وجهة نظري، ليست سوى أعراض حتمية للمرض الأصلي المتعلق بعدم صلاحية النموذج الحضاري الأمريكي ذاته لإنتاج مجتمع أفضل من الموجود. حيث يستمد هذا النموذج حياته من الجذر العلماني القائم على تغليب المصلحة الفردية، ومركزية الإنسان، وعلى الصراع كوسيلة للترقي وحسم الخلاف، وغير ذلك من الخصائص المعروفة للنموذج الرأسمالي التقليدي، والتي تفاقمت بعد تبني النيوليبرالية المتوحشة منذ الربع الأخير من القرن الماضي، ومحاولة فرض هذا النموذج على العالم بأجندة تبناها المحافظون الجدد على مدار العقود الثلاثة الماضية.
الأثر المهم الأخر للمشكلات الداخلية الأمريكية، في سياق تراجع النفوذ الخارجي، أنها تسببت في تراجع جاذبية النموذج الإجتماعي الأمريكي، أو ما يطلقون عليه هناك "الحلم الأمريكي"، الذي تبين للعالم أنه وهم كبير، وأن المجتمع الأمريكي مثله مثل الكثير من مجتمعات العالم الثالث يعاني من الفقر والظلم الإجتماعي والتفاوت الضخم في مستويات المعيشة والعنف والجريمة والاستقطاب إلى أخر هذه المظاهر.
مظاهر تراجع الدور الأمريكي العالمي تصاعدت بشكل حاد إثر تولي دونالد ترامب ولايته الثانية، بسبب عوامل كثيرة متعلقة بسياساته وجذورها الرئيسية، والتي رصدتها في دراستي التي صدرت عقب عودته للبيت الأبيض مباشرة. كان من النتائج الرئيسية لهذه السياسات التراجع الحاد في القوة الناعمة للولايات المتحدة، والتي طالما اقترنت بالقوة الصلبة في فرض القيادة العالمية، كما يوضح ستيفن والت، أستاذ العلاقات الدولية الأمريكي المرموق، في مقال نشره مؤخراً في مجلة "فورين بوليسي"، حيث رصد ازدياد اعتمادها بشكل حاد على القوة الخشنة المتمثلة في مزيج من الضربات العسكرية والضغوط الاقتصادية الشديدة، في مقابل تراجع واضح في استخدام أدوات الجذب والتأثير غير المباشر التي ميزت النفوذ الأمريكي لعقود.
يعرف جوزيف ناي، أحد أبرز المفكرين في العلاقات الدولية، القوة الناعمة على أنها "قدرة الدولة على حث الآخرين على فعل ما تريد، لأنها تمتلك موارد تجعل الآخرين يرغبون في تقليدها أو الارتباط بها أو اتباع نهجها". أما القوة الصلبة، فهي القوة العسكرية للدولة، وقدرتها على فرض إرادتها على الآخرين بالقوة المطلقة. ولطالما برعت أمريكا في استخدام كليهما، مستخدمةً الطائرات المقاتلة والمساعدات الخارجية بكفاءة متساوية. لكن هذا الوضع آخذ في التغير، كما أشار ستيفن والت، حيث أن من أبرز سمات نهج إدارة ترامب في السياسة الخارجية ثقتها المطلقة في القوة الصلبة الأمريكية وازدرائها شبه التام للقوة الناعمة.
قلصت الإدارة الأمريكية المساعدات الأمريكية بشكل كبير، فألغت نحو 86 في المئة من برامج المساعدات الخارجية، وخفضت ما يقارب من 60 مليار دولار من التمويل الذي كان يقدم المساعدة لشعوب نحو 130 دولة. وتوقعت دراسة حديثة نُشرت في مجلة لانسيت الطبية أنه في حال عدم التراجع عن هذه التخفيضات، فإن خفض المساعدات العالمية قد يؤدي إلى وفيات كان يمكن منعها لنحو 22.6 مليون شخص في البلدان القليلة أو متوسطة الدخل بحلول عام 2030، بما في ذلك نحو 5.4 مليون طفل أصغر من 5 سنوات. وإلى جانب الخسائر البشرية، أشار مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية إلى أن هذه التخفيضات أضعفت بشكل كبير نفوذ أمريكا في الأمم المتحدة، وجردت واشنطن من إحدى أكثر أدواتها الدبلوماسية فعالية.
كما سارعت قوى أخرى إلى سد الفجوة في القوة الناعمة التي أحدثتها واشنطن. فعندما جمدت الولايات المتحدة جميع المساعدات الخارجية تقريبا في يناير2025، أُغلِقَ أكثر من ألف مطبخ إغاثي في السودان، حيث تدور رحى الحرب منذ عام 2023. ولكن سرعان ما أرسلت روسيا سفناً ضخمة إلى الموانئ الأفريقية، وأرسلت الصين وفودا زراعية لتعزيز شراكاتها مع دول أخرى في القارة. ووفقاً لموقع "War on the Rocks"، فلأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية، تخلّت الولايات المتحدة عن دورها كأول مستجيب عالمي لأزمات الجوع، مما سمح لـ "روسيا" و "الصين" باستبدال المساعدات الطارئة بأنظمة مصممة لخلق تبعيات دائمة.
النظام العالمي
تمثلت السياسة الخارجية لترامب في فترته الثانية بتقطيع أوصال النظام العالمي الذي كان يمكِن الولايات المتحدة من الهيمنة منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية، بما في ذلك من الانسحاب من المنظمات الدولية، والتوسع في فرض الرسوم الجمركية العقابية بما يناقض مبادئ حرية التجارة والعولمة، وتطبيق العقوبات التجارية والاقتصادية على الحليف قبل العدو، وإنهاء أعمال الوكالة الدولية للتنمية، والتي كانت أحد أهم أدوات النفوذ عن طريق المساعدات الواسعة التي كانت تقدمها، وإضعاف حلف شمال الأطلنطي (الناتو)، والتعامل مع الحلفاء باستخفاف، وعدم القيام بواجبات اتفاقات الحماية الأمنية معها (الخليج، أوروبا).
بل شملت الممارسات التهديد باحتلال أراضي أوروبية إذا لم يتم التوافق على بيعها (غرين لاند)، والحديث عن كندا كالولاية الأمريكية الحادية والخمسين، وتوجيه التهديد للمكسيك، وغير ذلك مما يوجد عليه أمثلة كثيرة كرست لدى هؤلاء الحلفاء أن أمريكا لم تعد الحليف الموثوق به الذي يمكن الإعتماد عليه في تحقيق الأمن والإستقرار، بل أصبحت تصرفات الولايات المتحدة تشكل التهديد الأول للسلم والأمن العالمي. كل ذلك يقلص كثيراً من قدرة الولايات المتحدة على قيادة العالم كقوة عظمى أولى، بعد أن تحولت إلى مركز نفوذ يلوح بالقوة العسكرية والعقوبات الاقتصادية كأدوات خشنة لممارسة الهيمنة.
دور القوّة العظمى إلى انحسار
نشر موقع "Tom Dispatch" يوم 30 أكتوبر 2026 مقالا للكاتب خوان كول يتناول تراجع النفوذ العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط، في مقابل تصاعد دور حركة "أنصار الله" في اليمن، على خلفية إخفاقات واشنطن في حروبها ضد إيران وعجزها، بحسب الكاتب، عن حماية قواعدها العسكرية وحلفائها الإقليميين.
يرى الكاتب أن صمود إيران وتصاعد قدرات "أنصار الله" كشفا حدود القوة العسكرية الأمريكية، وأسهما في تقويض النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط، في ما يصفه بأكبر تراجع إقليمي لواشنطن منذ انسحابها من فيتنام عام 1975.
ويقول الكاتب: فور توليه منصبه في عام 2025، دخل الرئيس دونالد ترامب في مواجهة مع جماعة "أنصار الله" في اليمن، التي يطلق عليها الأمريكيون عادة اسم "الحوثيين". وقد تلقى ترامب درسا جديدا حول حدود القوة العسكرية الأمربكية، وهو درس سبق أن تأكدت صحته في تجارب متعددة، بدءاً من كوريا ولاوس وفيتنام، وصولا إلى أفغانستان والصومال والعراق. فبينما يمتلك الجيش الأمريكي القدرة على إلحاق دمار هائل، فإنه يعجز عن حسم الحروب، ما لم يكن خصمه طرفا ضعيفا للغاية - كما كان الحال في غرينادا وبنما. وبعد أن تسببت القوات الأمريكية في مقتل الكثير من المدنيين من دون أن تنجح في كسر عزيمة القوات اليمنية، قرر ترامب بعد أن نال نصيبه من خيبة الأمل إنهاء هذه المواجهة.
بعد ذلك، خاض ترامب حربا قصيرة ضد إيران، زاعما أنه دمر منشآتها النووية بشكل كامل، قبل أن يسخر كامل ثقل الجيش الأمربكي لقتل أعداد كبيرة من المدنيين العزل - الذين كانوا على متن قوارب وصفت بأنها مخصصة للمخدرات - واختطاف نيكولاس مادورو، رئيس فنزويلا، تلك الدولة الفقيرة والضعيفة.
وفي فبراير 2026، شن ترامب حرباً ثانية ضد إيران، وذلك بعد فشل الجيش الأمريكي في تحقيق أهدافه. وهو يزعم الآن أن إيران، على الرغم من صراع عام 2025، كانت على بُعد أسبوعين فقط من تطوير سلاح نووي. وقد سارت حرب ترامب الثانية ضدّ إيران وفق نمطٍ متوقّع، إذ تمكّنت الولايات المتحدة بسهولة من تدمير مدرسة ابتدائية، وإلحاق دمارٍ واسع بالمستشفيات والمباني السكنية. لكن في المقابل، تعرضت قواعدها العسكرية الرئيسة في الشرق الأوسط - التي كانت تشكّل ركيزة النفوذ الأمريكي في المنطقة لعقود- للتدمير الكامل، كما انكشف عجز واشنطن عن حماية نفسها أو حلفائها، وتجلت بوضوح نقاط الضعف في شبكة قواعدها المنتشرة حول العالم، بما في ذلك تلك الموجودة داخل الأراضي الأمريكية ذاتها.
وبعد إخفاقه مرتين في هزيمة إيران، القوة الإقليمية التي تعاني من ضائقة اقتصادية، يدرس ترامب حالياً خوض حرب ثالثة ضدها. وإذا ما مضى قدما في هذا المسعى، فمن المرجح أن يؤدي الصراع إلى إشعال حريق أكبر في المنطقة، حيث تواصل جماعة "أنصار الله" منذ أسابيع استهداف المطارات والبنية التحتية النفطية في المملكة العربية السعودية، فضلاً عن استهداف وكلائها في اليمن.
حدود القوة الأمريكية
لقد أدى فشل "تل أبيب" وواشنطن في تحقيق أهدافهما الحربية المتعلقة بإيران إلى أكبر تراجع أمريكي من منطقة ما منذ الانسحاب الأمريكي من فيتنام عام 1975. وقد برزت هذه الهزيمة الأميركية المدوية — التي جاءت بعد جيل من الإخفاقات والجمود في حروب لا تنتهي — بشكل جليّ مع تجدّد صراع إقليمي آخر، لم يحظَ إلا بالقليل من الاهتمام مقارنةً بالحرب المتعثّرة التي خاضتها إدارة ترامب ضدّ طهران. ففي خريف هذا العام، شنت القوات التي يعرفها معظم الأميركيين باسم "الحوثيين" هجوماً خاطفاً داخل اليمن، وشرعت في استهداف البنية التحتية للطيران والطاقة في المملكة العربية السعودية باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة. وبذلك، سلّطت هذه القوات الضوء على حدود القوة الأميركية، وعلى تقلّص الحضور العسكري للولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط.
وعاد الصراع طويل الأمد بين المملكة العربية السعودية وجماعة "أنصار الله" في شمال اليمن — التي يقودها الحوثيون — إلى الاشتعال مجدّداً في يوليو 2026، عندما قصفت السعودية مطار صنعاء الدولي لمنع وفد حوثي من الهبوط أثناء عودته من إيران بعد المشاركة في مراسم جنازة آية الله علي خامنئي. وردت حكومة "أنصار الله" بشن هجماتٍ خاصة بها، ونجحت في أكتوبر في إغلاق أحد المطارات السعودية لفترة وجيزة. بعد ذلك، توسعت دائرة الحرب المتجددة لتتحول إلى صراعٍ إقليمي، إذ تعهّدت كل من باكستان وتركيا، ومؤخراً مصر، بالدفاع عن المملكة ضد أي هجوم، على الرغم من أنّ أياً من هذه القوى الإقليمية لا يبدو متحمسا لتنفيذ عمليات عسكرية داخل اليمن نفسه. واللافت في هذا الصراع غياب أقوى حلفاء المملكة العربية السعودية، وهي الولايات المتحدة، إذ رفض الرئيس دونالد ترامب مرارا التدخّل لصالح حلفائه السعوديين.
يعد التوصيف الشائع في الصحافة الأمربكية لحركة "أنصار الله" بأنها "ميليشيا مدعومة من إيران" توصيفاً غير دقيق، فالحركة تستند في تحرّكاتها إلى دوافع محلية وقومية عربية، كما أنها تمثّل سلطة حكم متكاملة تسيطر على نحو 80 في المئة من سكان اليمن. ومع ذلك، فهي تتلقى بالفعل دعما تقنيا وعسكرياً سريا من إيران، لكنه لا يرقى بأي حال إلى مستوى الدعم الأمريكي للسعودية، الذي يشمل أسلحة متطورة تقدّر قيمتها بمئات المليارات من الدولارات — بدءاً من التجهيزات التي تحوّل القنابل "الغبية" (غير الموجهة) التي تزن 2000 رطل إلى ذخائر دقيقة التوجيه، وصولا إلى الصواريخ المتطورة "جو-جو". ومن المفارقات أنّ الحرب التي شنها ترامب على إيران بالتنسيق مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أدّت إلى إضعاف السعودية وكشفت عن ثغراتها أمام الهجمات العسكرية بالطائرات المسيّرة والصواريخ الإيرانية، الأمر الذي دفع الرياض للسعي نحو تحقيق انتصار رمزي على خصم أقل قوة في اليمن المجاور. غير أن نقاط الضعف التي كشفت عنها الطائرات المسيرة الإيرانية شجعت "أنصار الله" على توجيه ردود قوية وحازمة.
القوى العظمة المتضائلة
يشير رفض الولايات المتحدة الانضمام إلى الحرب التي تقودها المملكة العربية السعودية إلى تراجع عميق في القدرات الأمريكية ومكانة واشنطن في الشرق الأوسط. فعلى مدى عقود، هيمن الجيش الأمريكي على المنطقة من خلال شبكة تضم نحو 20 قاعدة رئيسة، حيث كانت البحرية الأمريكية تدير عملياتها انطلاقاً من مقر الأسطول الخامس في المنامة بالبحرين، بينما نفذت القوات الجوية الأمريكية مهامها من قاعدة "العديد" الجوية الضخمة في قطر، التي كانت تضم 10 آلاف فرد من القوات الأمريكية. كما تمركزت آلاف القوات البرية في كل من الكويت والإمارات العربية المتحدة والأردن. وقد اعترفت وزارة الدفاع الأمربكية (البنتاغون) بأنّ "الضربات الإيرانية ألحقت أضراراً جسيمة ودمّرت مئات المباني والمنشآت في القواعد الأمريكية في كل من الكويت، والبحرين، وقطر، والإمارات، والسعودية، والعراق، وعمان، والأردن خلال الصراع. إضافة إلى ذلك، دمرت أو تضررت عشرات الطائرات الأمريكية".
وقد دمرت القاعدة البحرية في المنامة، التي تعد واحدة من أهم المنشآت البحرية الأمريكية ومقراً للأسطول الخامس، من جراء الضربات الإيرانية. حتى أن القائم بأعمال وزير البحرية، هونغ تساو، اعترف شهر سبتمبر 2026 بأن إيران "دمرت قواعد البحرين تدميرا شاملا". وقد أدى فقدان قاعدة المنامة إلى نقص في الإمدادات وتراجع في الروح المعنوية على متن حاملة الطائرات "يو أس أس لينكولن" وغيرها من السفن التي أجرت أو تجري دوريات قرب مضيق هرمز، الأمر الذي وضع وزير الدفاع بيت هيغسيث في موقف لا يحسد عليه.
كما تعرضت مكاتب وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) في السفارة الأمريكية بالرياض للتدمير الكامل. واستهدفت إيران "مركز العمليات الجوية المشتركة" في قاعدة "العديد" بقطر - وهو المركز الذي كان "البنتاغون" يدير منه على مدى عقود ضرباته ضد أعداء متنوعين، بدءاً من حركة طالبان وصولا إلى تنظيم "داعش" - مما جعله خارج الخدمة تماماً. وبموازاة ذلك، تم سحب جميع القوات الأمريكية من العراق، وهي عملية تسارعت وتيرتها بسبب عجز أنظمة الاعتراض الصاروخي الأمريكية عن حماية هذه القوات من هجمات إيران والحركات الشيعية المتحالفة معها هناك.
لقد أدى استخدام إيران لأسراب من طائرات "شاهد" المسيرة إلى استنزاف جزء كبير من مخزون الولايات المتحدة و"إسرائيل" من الصواريخ الاعتراضية، وهي صواريخ يتطلّب استبدالها وقتاً طويلاً وتكاليف باهظة. ففي حين لا تتجاوز تكلفة طائرة "شاهد" الأساسية 20 ألف دولار – على الرغم من أنّ النسخ الأحدث والمحصنة منها أعلى تكلفة - تصل تكلفة الصاروخ الاعتراضي الواحد من طراز "باتريوت" إلى 4 ملايين دولار. ومن بين الأسباب التي قد تجعل إدارة ترامب متردّدة في التدخّل في اليمن، أنه في حال تعذّر على الولايات المتحدة تنفيذ مهام جوية انطلاقاً من قاعدة "العديد"، ومع عدم وجود ضمانات بحماية أيّ أسراب جديدة من الطائرات المقاتلة في المنطقة من التهديدات الإيرانية - ولا سيما في ظلّ النقص في الصواريخ الاعتراضية - فإنّ قدرة "البنتاغون" على إنقاذ أي طيارين أمريكيين يتم إسقاط طائراتهم فوق اليمن ستكون محدودة للغاية.
ضعف أمريكا الشديد في منطقة الشرق الأوسط
شنت المملكة العربية السعودية حرباً ضد حركة "أنصار الله" الصاعدة في عام 2015، وذلك بعد أن نفّذت الحركة انقلابا في العاصمة صنعاء. وتستمد حركة "أنصار الله" جذورها من المذهب الزيدي الشيعي في اليمن، وإن كانت أكثر تطرفاً من الزيدية التقليدية. (يختلف الشيعة الزيديون جوهرياً عن الشيعة الإيرانيين، إذ ليس لديهم مرجعية "آية الله" وتربطهم علاقات جيدة نسبيا بالسنة).
يشكل الزيديون نحو ثلث سكان اليمن، ويتركز وجودهم في شمال البلاد. ولطالما أبدى الكثير منهم استياءهم من هيمنة المملكة العربية السعودية - جارتهم السنية الغنية بالنفط - على حياتهم السياسية والثقافية. وتتبنى السعودية رسمياً أيديولوجية "الوهابية" المتشددة، وهي شكل متزمت من الإسلام يصرّ على التفسير الحرفي للقرآن. وقد أثار النشاط الدعوي الوهابي في أوساط الشيعة غضب جماعة الحوثي، التي بدأ أتباعها في التمرد ضد حكومة علي عبد الله صالح عام 2004. ولكن بعد الإطاحة بصالح في إثر احتجاجات شعبية خلال "الربيع العربي" عام 2012، تحالف صالح تدريجياً مع الحوثيين، وبحلول عام 2015، انضم نحو نصف الجيش اليمني إلى صفوفهم، إلى جانب بعض القبائل السنية الكبرى.
ورداً على صعود الحوثيين، بدأ تحالف تقوده السعودية - بمشاركة الإمارات العربية المتحدة - في قصف اليمن عام 2015. وحتى عام 2022، قدّمت الولايات المتحدة - التي كانت تتمتع حينها بهيمنة عسكرية في المنطقة - للسعوديين مشورة استراتيجية وأسلحة، ووفّرت خدمة التزوّد بالوقود جواً لطائراتهم المقاتلة المشاركة في الحرب. ومع ذلك، تسببت نزعة الرياض لقصف البنية التحتية المدنية، بدلاً من الاكتفاء باستهداف المواقع العسكرية، في نشوء توترات بين الحليفين. وعلى الرغم من تمكّن السعودية وتحالفها من طرد الحوثيين من أجزاء واسعة من جنوب البلاد، بما في ذلك مدينة عدن، إلا أنهم فشلوا في إخراجهم من الشمال. وقد أقرت السعودية ضمنياً بفشلها من خلال قبول هدنة - برعاية الأمم المتحدة – في أبريل 2022، وهي الهدنة التي ظلت قائمة إلى حد كبير حتى صيف سنة 2026.
تأثير الحروب الأبدية
ساهمت الحروب الأبدية التي تشنها الولايات المتحدة ضد دول الشرق الأوسط، التي ترفض المشروع الإسرائيلي أو الاستعمار الجديد للشركات الأمريكية، في إشعال فتيل الصراع السعودي- اليمني مجدداً. وتُعد إيران آخر دولة رئيسة في المنطقة ترفض "إسرائيل" وتغلق أبوابها أمام استثمارات الشركات الأمريكية، وهو موقف يغذي جزءاً كبيراً من العداء الذي تكنّه واشنطن لها. وبناءً على ذلك، تمكّن نتنياهو - بصفته زائراً يحظى بامتياز دخول "غرفة العمليات" في البيت الأبيض- من إقناع ترامب بسهولة بشن هجوم على إيران في فبراير 2026.
وقد ثبت أنّ التوقّعات السطحية لنتنياهو ورئيس جهاز "الموساد" آنذاك، ديفيد برنيع - بأنّ الجمهورية الإسلامية ستنهار إذا ما اغتالت "إسرائيل" آية الله السيد علي خامنئي ونحو 50 شخصية رفيعة المستوى في النظام - لم تكن سوى أوهام واهية. كما انقلبت الفكرة القائلة بأنّ إيران ستكون عرضة للانهيار تحت وطأة حصار نفطي مشدّد، فبعد استشهاد السيد علي خامنئي، صعد إلى الحكم تيارٌ من المتشدّدين، معظمهم من قدامى المحاربين الذين خاضوا الحرب العراقية-الإيرانية الضارية في ثمانينيات القرن الماضي. وقد انتهج هؤلاء القادة الجدد سياسة "تقويض" النفوذ الأمريكي، مستهدفين القواعد العسكرية الرئيسة للولايات المتحدة في المنطقة.
وقد تسبّبت إيران في أزمة طاقة عالمية أعادت إلى الأذهان ذكريات أزمة السبعينيات. وكان من الممكن أن تكون هذه الأزمة أكثر تدميراً لولا تدخّل الصين، التي طرحت كميات من النفط من احتياطياتها الضخمة (الخاصة والعامة)، وخفضت وارداتها النفطية من 11.5 مليون برميل يومياً إلى أقل من 9 ملايين برميل، وهو إجراء ساعد عليه جزئياً توجّه الصين نحو المركبات الكهربائية، مما وفّر استهلاك 1.5 مليون برميل يومياً. وعلى الرغم من أنّ ارتفاع أسعار البنزين والديزل ألحق ضرراً بالقارة الآسيوية أكبر مما ألحقه بالولايات المتحدة، إلا أنّ الأسعار ارتفعت على مستوى العالم. كما تأثرت إمدادات الهيليوم الذي يُعدّ عنصراً أساسياً لتبريد رقائق الحاسوب أثناء عمليات التصنيع، بحيث يأتي ثلث الإنتاج العالمي من منطقة الخليج، ما أدى بدوره إلى ارتفاع أسعار الأجهزة الإلكترونية.
من خلال توجيه ضربات ناجحة إلى المملكة العربية السعودية، أثبتت إيران أنّ قدرة المملكة على حماية نفسها ليست تامة، وأن بنيتها التحتية عرضة للاختراق. كما أظهرت إيران - عبر فرض حصار على مضيق هرمز بطريقة واجهت الولايات المتحدة صعوبة في إنهائها - مدى هشاشة الممرات البحرية العالمية الحيوية، وهو أمر سبق أن سلّطت جماعة "أنصار الله" الضوء عليه من خلال استهداف حركة الملاحة في البحر الأحمر، احتجاجاً على الإبادة الجماعية في غزة.
حصارٌ مقابل حصار
عندما قصفت القوات السعودية مطار صنعاء في يوليو 2026، خلصت قيادة "أنصار الله" إلى أنّ الرياض تشكل خطراً وجودياً مستمراً على كيانها، وأنها تسعى إلى خنق الاقتصاد اليمني، على غرار ما فعلته "إسرائيل" في قطاع غزة. إضافة إلى ذلك، استشعرت إمكانية تقليص نفوذ المملكة في أعقاب فشل الحرب الإسرائيلية-الأمريكية على إيران. وكما أضعفت إيران دول الخليج العربية من خلال فرض حصار على مضيق هرمز، اعتقد الحوثيون أنّ بإمكانهم إلحاق ضرر جسيم بالاقتصاد السعودي عبر منع حركة الملاحة المتجهة إلى الرياض عبر مضيق باب المندب —أو "مضيق الدموع"— الواقع بين البحر الأحمر وخليج عدن.
وقد شهدت الصادرات السعودية عبر مضيق هرمز تراجعاً كبيراً، لكنّ المملكة امتلكت متنفّساً بديلاً، تمثّل في خط أنابيب "الشرق-الغرب" الممتد إلى مدينة ينبع على ساحل البحر الأحمر، حيث كانت السفن التي تشحن نفطها من ينبع تتجه نحو الأسواق الآسيوية الرئيسة للمملكة عبر مضيق باب المندب. ومن ثم، أدرك "أنصار الله" أنهم إذا نجحوا في بث الرعب في نفوس قادة ناقلات النفط العابرة لهذا الممر، فسيتمكنون من تقليص إيرادات المملكة بشكل أكبر. وفي هذا السياق، حذر المتحدّث باسم الحوثيين، محمد عبد السلام، من أن منع الملاحة السعودية ليس سوى خطوة أولى ضمن استراتيجية قائمة على مبدأ "حصار مقابل حصار". لم تكن هذه الفكرة وليدة اللحظة، فقد سبق للسعودية والولايات المتحدة، خلال الحرب التي استمرت 7 سنوات بين السعودية واليمن، أن حاولتا مراراً فرض حصار على واردات الوقود المتجهة إلى شمال اليمن.
وخلال الأشهر الـ3 التي تلت ذلك، نشرت حركة "أنصار الله" صواريخ وطائرات مسيّرة صُنعت استناداً إلى نماذج إيرانية، وبأيدي مهندسين عسكريين— كانوا يعملون سابقاً في ظل الحكومة الوطنية للرئيس علي عبد الله صالح، وانضم كثير منهم لاحقاً إلى الجناح العسكري لـ"أنصار الله"—في ما بات يعرف بـ"المجمع الصناعي العسكري" اليمني.
وكما أثبتت أنظمة الاعتراض التابعة للمملكة عجزها عن منع الضربات الإيرانية التي استهدفت مواقع مثل قسم وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) في السفارة الأمريكية بالرياض، فقد فشلت أيضاً في بعض الأحيان في التصدي لوابل الصواريخ والطائرات المسيّرة المقبلة من اليمن. وقد تعرّضت مصافٍ ومنشآت نفطية - بما في ذلك المقر الرئيس لعملاق النفط السعودي "أرامكو" في الظهران- للقصف. وفي أكتوبر، تمكّنت جماعة "أنصار الله" من إغلاق مطار الرياض الدولي، في خطوة تماثل محاولة السعوديين إغلاق مطار صنعاء في يوليو. كما توسعت "أنصار الله" خارج معاقلها الجبلية وتقدّمت بقوة نحو الساحل الجنوبي الغربي لليمن، حيث سيطرت على ميناء المخا الاستراتيجي المطل على مضيق باب المندب. وبالتوازي مع ذلك، تحركت الجماعة نحو مدينة تعز - وهي مدينة صناعية داخلية يبلغ عدد سكانها قرابة مليون نسمة، وتعد واحدة من آخر التجمّعات السكانية الكبرى التي لم تكن خاضعة لسيطرتها - في حملة وضعت الحكومة اليمنية الصغيرة المدعومة من السعودية، بقيادة رشاد العليمي في عدن، أمام اختبار صعب لقدرتها على الصمود والمقاومة.
سكان المرتفعات وشيوخ النفط
تماماً كما كانت حرب فيتنام صراعاً واحداً من بين صراعات كثيرة دارت في العالم الثالث خلال الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، فإنّ الحرب السعودية-اليمنية عام 2026 تُعدّ جزءاً من صراع أوسع بين الولايات المتحدة و"إسرائيل" من جهة، وإيران من جهة أخرى. ومع ذلك، فمثلما كانت حرب فيتنام تتعلّق في جوهرها بمناهضة الاستعمار والقومية والسيادة الفيتنامية، أكثر من تعلّقها بالشيوعية أو بملكية وسائل الإنتاج، فإن الحرب السعودية-اليمنية تدور حول الاستقلالية اليمنية أكثر من كونها مرتبطة بتحالف الحوثيين الفضفاض مع إيران. فالصراع ليس في المقام الأول مواجهة بين الزيدية والوهابية، على الرغم من أن التوترات الدينية تشكّل جزءاً من المشهد، بل هو متجذّر بعمق في صراع بين سكان المرتفعات اليمنية الذين يعانون من فقر مدقع، وبين شيوخ سعوديين يتمتعون بثراء فاحش.
ترتبط النخبة الحاكمة السعودية -التي تمثل حكماً قائماً على الثروة- ارتباطاً وثيقاً بواشنطن، وتجري صفقات سرية مع الإسرائيليين، الذين تشاركهم الشكوك تجاه المقاومة الفلسطينية المعدمة. كما تنظر هذه النخبة إلى جماعة "أنصار الله" باعتبارها أداة في يد إيران داخل شبه الجزيرة العربية، وبأنّ جمهوريين راديكاليين يسعون للإطاحة بالأنظمة الملكية النفطية في المنطقة لصالح نهج شعبوي. من جانبها، تتبنّى حركة "أنصار الله" فكراً قومياً عربياً مناهضاً للولايات المتحدة، وتسعى إلى توظيف الموارد النفطية لخدمة أهداف شعبوية. كما أبدت استعدادها لمهاجمة "إسرائيل" دفاعاً عن الفلسطينيين في غزة ضد الإبادة الجماعية.
وفي الأسبوع الأخير من أكتوبر، شنّت جماعة "أنصار الله" هجمات مكثّفة على أهداف في أنحاء المملكة العربية السعودية، مما دفع واشنطن إلى إجراء انسحاب إضافي من المنطقة. فقد استهدفت القوات اليمنية مطار الملك فهد الدولي في الدمام. وذكر متحدّث باسم "أنصار الله" أنّ الجماعة استهدفت أيضاً وزارة الدفاع السعودية في العاصمة الرياض، إضافة إلى منشأة تابعة لشركة "أرامكو" في ينبع، ومطاراً في مدينة أبها الجنوبية. كما وردت تقارير عن هجوم استهدف حقلاً نفطياً آخر تابعاً لشركة "أرامكو".
وفي منشور له على منصة "إكس" بتاريخ 21 أكتوبر -عقب موجة الهجمات هذه- كتب تومي بيغوت، المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية، أن "الحوثيين صعدوا من أعمالهم العدائية ضد المملكة العربية السعودية، بما في ذلك شن هجمات على مطارات مدنية وبنية تحتية حيوية أخرى". وعلى أثر ذلك، صدرت توجيهات بمغادرة الموظفين الحكوميين الأمريكيين - ممن لا تندرج مهامهم تحت فئة الطوارئ - وأفراد عائلاتهم، للأراضي السعودية.
ولا يعد هذا سوى أحدث دليل على أكبر تراجع إقليمي للولايات المتحدة منذ نصف قرن، ومؤشر على تدهور عسكري أمريكي عميق. وعلى الرغم من أن نتيجة الحرب الدائرة بين "أنصار الله" والسعوديين لن تحسم الصراع الأمريكي- الإسرائيلي مع إيران، إلا أن قدرة "أنصار الله" بحد ذاتها على خوض هذه المواجهة تكشف عن ضعف شديد في الموقف الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط.
عمر نجيب









