
لم يكن استهداف مطار صنعاء الدولي عملية عسكرية جديدة في سياق الحرب اليمنية، لأنه هذه المرة حمل دلالات سياسية واستراتيجية تتجاوز حدود اليمن لتلامس مجمل معادلات الأمن الإقليمي. فبالنسبة لصنعاء، يمثل المطار أحد أبرز الرموز السيادية، واستهدافه يُقرأ بوصفه رسالة سياسية وعسكرية تعني أن مرحلة التهدئة التي شهدتها الساحة اليمنية خلال الأعوام الأربعة الأخيرة باتت مهددة بالانهيار، وأن قواعد الاشتباك التي حكمت العلاقة بين الرياض وصنعاء منذ الهدنة أصبحت موضع مراجعة.
ويأتي هذا التطور في ظل بيئة إقليمية شديدة التعقيد، تتداخل فيها المواجهة بين إيران والولايات المتحدة والكيان الصهيوني مع ساحات صراع متعددة تمتد من غزة ولبنان إلى العراق واليمن. لذلك لا يُنظر إلى ما جرى باعتباره حادثاً منفصلاً، وإنما باعتباره حلقة جديدة في سلسلة تصعيد قد يدفع المنطقة نحو مواجهة أوسع إذا لم يتم احتواء تداعياته سياسياً.
نهاية مرحلة التهدئة إذا كان الهدف من استهداف مطار صنعاء توجيه رسالة ردع إلى القيادة اليمنية، فإن القراءة المقابلة في صنعاء تبدو مختلفة تماماً. فهناك من يرى أن هذه الخطوة تعني عملياً انتهاء آخر مظاهر خفض التصعيد بين الطرفين، وأنها تمنح صنعاء مبرراً للرد وفق قواعد اشتباك جديدة قد لا تقتصر على استهداف أهداف عسكرية مباشرة، وإنما تمتد إلى ساحات أكثر حساسية تمس الأمن الاقتصادي والإقليمي.
و لا يكمن الخطر في الضربة نفسها، بل في ما قد يترتب عليها من توسيع لدائرة المواجهة، بحيث تنتقل من نزاع يمني إلى أزمة إقليمية تتداخل فيها الجبهات البحرية والبرية، وتتقاطع فيها مصالح القوى الكبرى.
صنعاء لم تعد لاعباً محلياً
خلال سنوات الحرب، نجحت قوات أنصار الله في تطوير قدراتها العسكرية بصورة لافتة، سواء على مستوى الصواريخ بعيدة المدى أو الطائرات المسيّرة أو القدرات البحرية. وقد انعكس ذلك في العمليات التي استهدفت منشآت داخل السعودية في مراحل سابقة، ثم في الهجمات التي طالت سفناً في البحر الأحمر خلال الحرب على غزة.
وبغض النظر عن حجم هذه القدرات أو تقييمها العسكري، فإنها غيّرت طبيعة الدور الذي تؤديه صنعاء. فلم تعد تُقدَّم، من وجهة نظر مؤيديها، باعتبارها طرفاً محلياً يخوض حرباً داخلية، لأنها أصبحت جزءاً من معادلة ردع إقليمية تمتلك القدرة على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وهو باب المندب.
ومن هذا المنطلق، فإن أي رد يمني محتمل لن يكون بالضرورة محصوراً في إطار “المطار بالمطار”، وإنما قد يتخذ أشكالاً أخرى تستهدف الضغط الاستراتيجي، سواء عبر استهداف منشآت داخل السعودية أو عبر التأثير في أمن الملاحة البحرية إذا اتسعت دائرة المواجهة لتصل إلى باب المندب ، ليصبح مع هرمز… معادلة الضغط المزدوج
و تكمن أهمية باب المندب في أنه يشكل البوابة الجنوبية للبحر الأحمر، بينما يمثل مضيق هرمز الشريان الرئيس لصادرات الطاقة القادمة من الخليج الفارسي . ويؤدي أي اضطراب متزامن في هذين الممرين إلى انعكاسات تتجاوز الإقليم لتصيب الاقتصاد العالمي مباشرة.
ومن هنا يبرز أحد أكثر السيناريوهات التي تثير قلق العواصم الغربية، ويتمثل في احتمال تزامن الضغوط على باب المندب مع أي تصعيد في مضيق هرمز، بما يضع طريقين رئيسيين لنقل النفط والتجارة العالمية تحت التهديد في الوقت نفسه.
ورغم أن تحقق هذا السيناريو يبقى رهناً بقرارات سياسية وعسكرية معقدة، فإن مجرد احتمال حدوثه يكفي لرفع مستويات القلق في أسواق الطاقة العالمية، نظراً إلى أهمية المضيقين في حركة التجارة الدولية.
هرمز… الورقة الإيرانية الأكثر حساسية
يمثل مضيق هرمز أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم، إذ تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط المنقولة بحراً. ولذلك ظل هذا المضيق لعقود أحد أبرز عناصر الردع الإيرانية في مواجهة الضغوط العسكرية الغربية.
وترى طهران أن أمن المضيق يرتبط بأمنها القومي، وقد لوّحت أكثر من مرة بإمكانية اتخاذ إجراءات تؤثر في الملاحة إذا تعرضت لهجوم واسع. وفي المقابل، تؤكد الولايات المتحدة وحلفاؤها التزامهم بحرية الملاحة، وهو ما يجعل المضيق نقطة احتكاك دائمة بين الطرفين.
وفي حال تزامن أي تصعيد في هرمز مع توتر في باب المندب، فإن الاقتصاد العالمي قد يواجه اضطرابات كبيرة في أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد، وهو ما يجعل كثيراً من القوى الدولية حريصة على منع وصول الأزمة إلى هذه المرحلة.
الموقف الإيراني
في خضم الاتهامات الأمريكية المتعلقة بالعلاقة بين طهران وصنعاء، أصدرت البعثة الإيرانية الدائمة لدى الأمم المتحدة بياناً نفت فيه الاتهامات الأمريكية بشأن استغلال زيارة الوفد اليمني إلى طهران لنقل معدات عسكرية، ووصفت تلك المزاعم بأنها لا تستند إلى أدلة.
كما أكدت البعثة أن التعاون الإيراني مع صنعاء، من وجهة نظرها، ينسجم مع القرارات الدولية ذات الصلة، وأن هدفه دعم عملية سياسية يقودها اليمنيون وصولاً إلى يمن موحد يحافظ على سيادته ووحدة أراضيه.
ويمثل هذا الموقف جزءاً من المعركة السياسية والدبلوماسية الموازية للمواجهة العسكرية، إذ تحاول كل من طهران وواشنطن تثبيت روايتها أمام المجتمع الدولي بشأن طبيعة العلاقة مع صنعاء وحدودها.
الحسابات السعودية
بالنسبة للرياض، لا يقتصر التحدي على الجانب العسكري. فالمملكة تمضي منذ سنوات في تنفيذ مشاريع اقتصادية عملاقة تستهدف تنويع الاقتصاد وجذب الاستثمارات الأجنبية، وهو ما يجعل أي تصعيد طويل الأمد يحمل مخاطر تتجاوز ساحات القتال.
من هنا يمكن القول إن السعودية ارتكبت الأخطاء التالية:
الخطأ التكتيكي: استهداف مطار صنعاء ينهي التهدئة ويعطي صنعاء الشرعية الكاملة للرد بكل قوة.
الخطأ الاستراتيجي: السعودية تعاني من اقتصاد يعتمد على النفط، ومنشآتها الحيوية مكشوفة. أي حرب جديدة ستؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط عالمياً، مما يضر بالاقتصاد السعودي أكثر مما يضر بإيران.
فالمنشآت النفطية، والموانئ، والمطارات، والمشاريع الكبرى، جميعها تمثل أهدافاً ذات حساسية اقتصادية واستراتيجية، كما أن أي اضطراب أمني واسع قد ينعكس على ثقة المستثمرين وعلى صورة المملكة بوصفها بيئة مستقرة للاستثمار.
الخطأ السياسي: التحالف مع أمريكا والكيان الصهيوني في زمن يشهد تحولاً عالمياً نحو متعدد الأقطاب (روسيا، الصين، إيران) يجعل السعودية في موقع الخاسر الاستراتيجي طويل الأمد.
ومن هذا المنطلق، فإن أي قرار بالتصعيد لا يخضع للحسابات العسكرية وحدها، بل يرتبط أيضاً باعتبارات اقتصادية وسياسية ودبلوماسية بالغة التعقيد.
إلى أين تتجه الأزمة؟
لا يمكن الجزم بأن المنطقة تتجه حتماً نحو حرب إقليمية شاملة، لكن المؤشرات الحالية توحي بأن هامش المناورة يضيق تدريجياً. فكل خطوة عسكرية جديدة تزيد من احتمالات سوء التقدير، وتوسع دائرة الأطراف المنخرطة في الصراع.
وإن أخطر ما في المرحلة الحالية ليس الضربات العسكرية بحد ذاتها، بل احتمال تشابك الجبهات المختلفة في إطار مواجهة واحدة تمتد من الخليج الفارسي إلى البحر الأحمر، بما يجعل أمن الطاقة والتجارة العالمية جزءاً مباشراً من معادلة الصراع.
وفي ظل هذه المعطيات، يبدو أن استهداف مطار صنعاء قد يعيد رسم قواعد الاشتباك بين الرياض وصنعاء، ويختبر قدرة الأطراف الإقليمية والدولية على منع انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع ستكون كلفتها مرتفعة على الجميع، سواء من الناحية الأمنية أو الاقتصادية أو السياسية.
نجاح محمد علي باحث متخصص في الشؤون الإيرانية و الإقليمية









