تعزية وذكريات صادقة من القلب

أحد, 2026-04-05 01:06

بسم الله الرحمن الرحيم

أعزّي نفسي، قبل أي مصاب، بمصابٍ جلل، بوفاة المرحوم إدومو ولد أحمد سيدي، كما أعزّي جميع أفراد الوطن، وعلى رأس المعزّين أسرة المرحوم، ريّا بنت محمد الحسن ولد أحمد سيدي ، وابنه صلاح الدين ولد أحمد سيدي، وبقية أفراد الأسرة الكريمة.
فقد اقتضت حكمة الله عز وجل -وأنا الذي كنت أتمنى بأن أموت قبل إدومو لكي لا أسمع نبأ وفاته  -أن أبقى حتى أكتب هذه التعزية، وذلك لكوني الشخص شبه الوحيد الذي يعرف كل شيء عن المغفور له أكثر من غيره .
وإليكم بعض ما اعُرف عنه لقد التقيت المرحوم إدومو لأول مرة سنة 1965، ونحن في بداية المراهقة ،  وكان ضمّن “گيظانة” من أخواله قادمة من ضواحي وادي الرظيظيع. واستمرت لقاءاتنا طيلة شهر يوليه وبداية الخريف في موسم ( العارظ ) ، وقد توطدت علاقتنا رغم قصر تلك المدة التي قضينا نلتقي في كل مساء .
ثم جمعتنا الظروف بعد ذلك سنة 1967، حيث كنا نرتاد حانوت ابن عمه الفاضل محمد ولد أحمد مولود كي نتعلم من خلال دكانه اللهجة الولفية السائدة في تلك البلاد وذلك لما يتم التعامل بها مع بعض الزبناء .
ثم تواجدنا بعد ذلك بسنتين في مدينة نواذيبو، حيث جمعنا معهد سانتر ممدو توري، حين اصبحنا أكثر من صديقين، وأقرب من أخوين. ولقد بدأ حينها يتسرب إلى مسامعنا الوعي العربي بواسطة بعض المعلمين والطلاب، مثل المرحوم محمد ولد العتيق، وكذلك إذاعة مصر يوم كانت عربية في عهد المرحوم جمال عبد الناصر.
واستمر ذلك التأثر كثيرا عبر المعلمين والطلبة، مثل سييدي محمد عبدالله، حتى تكوّن لدينا بعض الرأي حول الفكر القومي، وصرنا نميز بين التوجه البعثي بقيادة ميشيل عفلق وصلاح البيطار، والفكر الناصري من خلال مراجعه مثل “فلسفة الثورة” وثم ”الميثاق”، وكتابات عصمت سيف الدولة.
وقد أنشأنا أول خلية ناصرية أواخر سنة 1972، وكان من أفرادها: الإخوة مدحيد، ثم شكرود ولد التلمودي، وسيداحمد لبات وفاضل ولد سيد الهادي وأسلمو ولد مانا، والمرحومان محمدو ولد محمد بوبه، والحسين ولد البشير، ومن ثم التحق بنا لاحقًا الطالب جدو ولد  ممين قادما من معهد أبي تلميت .
وكان برنامجنا فهو أن يُنشئ كل واحد منا خلية خاصة به، وعلى أن تقوم تلك الخلايا بتكوين خلايا أخرى بعد تأهيلها لذلك عقائديا وسياسيا .
ومن أهم تلك الخلايا خلية تلاميذ السنة السادسة التي كنت أنا وسيدي أحمد لبات نتولى تكوينها. وحيث قد  تغيّبوا عنا يوم الأحد الذي كنا سوف نقابلهم فيه، وبعد مراجعة الأمر معهم فقد أخبرونا بكون  معلمهم حسن ولد مايمتس كونه قد اخبرهم  ، بأننا لسنا قدوة ، لهم وذلك لكوننا غير متعلمين وبلا مؤهلات علمية أصلا !
ولما عرضنا الأمر ، على الخلية العامة فقد قال إدومو صدق حسن، وعلينا أن نبادر إلى ليبيا لنتعلم، ثم نعود إلى وطننا مؤهلين علميا وذلك للمساهمة في إنقاذه من التبعية الغربية الإمبريالية.”وذلك لأننا قد سبق لنا التفكير في الهجرة إلى ليبيا لنستفيد من تجربة الثورة !
فقلنا له بإننا لا نملك أوراقًا ثبوتية ولا مالًا يساعدنا على السفر، فقال: “دعوا الأمر لي أنا فسأتدبره.” وفي صباح اليوم التالي، قد تواجدنا أنا وإدومو والطالب جدو ولد ممين ومحمدو ولد محمد بوبه، وقد انطلقنا في رحلة طويلة من مدينة إلى أخرى، ومن دولة إلى دولة دون أن نسأل أحدًا أو نستجدي، بل كان صدق نيتنا وسمو أهدافنا لكافيين لجذب عطف الناس لنا وخاصة تجار تجكانت، الذين قد ساعدونا ماديا ، وحتى وصلنا إلى عاصمة النيجر ( أنيمي ) ولهم منا الشكر والتقدير .
ثم التحق بنا محمد لمين ولد أحمد لعلي (أمد الله في عمره)، ومن هناك واصل بعضنا الرحلة عبر الصحراء، بينما قد سافر البعض الآخر بالطائرة. وفي تلك الرحلة الصحراوية، كان ظل السيارة هو ملاذنا الوحيد من حر الشمس، والذي قد كانت قطرات الماء تتساقط من تلك القِرَب فوق رؤوسنا، وأخرى أيضا من زيت ذلك  المحرك المتسخ بزيوت التشحيم !
وقد وصلنا أخيرًا إلى ليبيا، وبما أننا لم نكنوا نمتلك أوراقًا ثبوتية تمكننا من العمل حيث أننا توجهنا إلى سفارتنا في ليبيا واحتجزنا السفير وبعض الموظفين ، للحصول على الأوراق الثبوتية حيث  تدخلت الشرطة، الليبية التي اقتنعت بحقنا ووعدتنا بتوفير تلك الوثائق خلال عشرين يومًا على الأكثر !
وخلال تلك الفترة، فلم يكن قد عمل من بيننا يومئذ سوى إدومو، لأنه الوحيد الذي كان يحمل جواز سفر ، وكان يوفر لنا المبيت في محطته، بحيث كنا نفترش الكراتين الفارغة، ونتناول الشاي ويزودنا صباحًا بثمن ما نقتات به غداء وعشاء وحتى نعود إليه ليلًا وهكذا دواليك !
ثم سافر إدومو منفردًا إلى المغرب، وحصل على ثلاث منح من وزارة الأوقاف،فواحدة له والإثنتان واحدة لي والثانية للطالب جدو ممين .
وفي السنة الموالية، فعاد إدومو إلى الوطن، ثم توظف مفوضًا في الشرطة، بينما بقيت أنا بعده وحتى أكملت  دراستي في المغرب. وقد كنت حينئذ ، فكلما أعود في العطل، فتستقبلني الشرطة  في المطار وكأنني  كأحد رؤسائهم ومن ثم يتولون إجراءات المطار  وبعد ذلك سيذهبون بي إلى منزل إدومو ، الذي يوفر للمقيمين فيه أو مرتاديه الراحة الكاملة والمعاش والسكينة و ثم الهدوء الكامل .
ولما مارس عمله كمفوض سام ومدير امن نوكشوط فقد كان نعم ذلك المسؤول الذي ملأ بالعدل وكذا الإنصاف و القوة والرحمة في آن واحد وقته ! بحيث  كان عكس من قد وظفوا قبله والذين تخلى معظمهم عن مبادئه فلربما محاباة ، للنظام الحاكم يومئذ ! بل ظل متمسكا بتلك المبادئ يقدم لمعتنقيها الخدمات 
في نفس الوقت كان قائما ملتزما بمسؤوليات وظيفته ولا يقبل المساس بأي مصلحة للدولة ولا أمنها ! وقد استطاع رحمه الله تحقيق ذلك التوازن العادل مراعيا  خصوصية المبادئ  والمصالح العامة للدولة ثم كونه كان بارا بوالديه ورحيما بعياله وزوجه وأخواته وإخوته ومازلت الآن أحسبه قوميا عربيا مسلما يومن بالوحدة العربية كمقدمة للوحدة الإسلامية الشاملة ، وإلى حد النخاعين ( العظمي  والشوكيّ ) !
ثم قبليا كذلك في حدود الشرع الحنيف حيث قدم لها الخدمات الهامة بما فيها توظيف الأشخاص ، وتسهيل على البعض الحصول على الشهادات لما لم يوفقوا في الحصول عليها في بعض الدول الذين قد درسوا فيها !
ومن ثم قد ساهم في تأسيس كيان يشبه القبيلة مكونا من مختلف قوميات البلد وقبائله وفئاته يطلق عليها الناصريون الوحدويون لليكون ذلك الخليط الإجتماعي جسرا يسهل المرور الآمن بين تلك التجمعات لتسوية ما قد سلف من خلافات وثأر، وذلك بالحوار المسؤول والصفح المتبادل والتوجه لما يجمع والتخلي عما قد يفرق المواطنون ويعرقل نموهم ونهوضهم الإقتصادي
ثم بعد ذلك بدأ عمل ذلك الكيان بالمشاركة في مسار الدولة للرفع من مستواها لتحجز مكانها بين مصاف تلك الدول المستقلة والمزدهرة بإمكانياتها وخبراتها !
ومن اعظم تضحياته وأهمها في نفس الوقت بالنسبة لي فهي احتضانه للمراهق الزنجي ، من دولة البركان الفاسو القادم على شرطة ولاية النعمة هاربا من أوار حرب مالي وبركين الفاسو كان أبكم وأصم ولا يحمل وثائق تعرف باسمه ، أو وطنه ولا حتى أهله ، ولما كان حاله ذلك ضمه إلى عياله وجعله واحداً منهم ووضعه في تنزيل سمح له بتسميته ومنحه جنسية البلاد ، وقد ظل فى رعايته ، وإلى أن تركه أمانة مكرمة عزيزة لدى أسرته الكريمة ريا بنت احمد سيدي ، و أولاده منها !
الإخوة الأعزاء فالتسمحوا لي فيما قد تبقى لدي من فضائل ذلك الرجل لو أكملتها لتطلب ذلك ملء عدة مؤلفات وذلك يضيق عنه ظرف التعزية الذي يحتاج إلى مواكبة الحدث بخلاصات ، تحدد معالم خريطة فضائل المغفور له بإذن الله تعالى .
وفي الإخير فإني  أعزّي عائلة المرحوم وعلى رأسها إبن عمه محمد ولد احمد مولود ، وكذا ابن إدومو الأكبر صلاح الدين وبقية أفراد العائلة كما أعزّي سكان ولاية لعصابة ومقاطعة گرو وبلديتها كما أعزّي أخواله الكرام أولاد اعلي الذي كان يعتز بهم ويضع مبسمهم على ما لديه من حيوانت ، وكذا أفراد الشرطة وأخيرا ، الزنجي الأفريقي المعروف باسم الأبيكم علما ومن ثم فوجهة نظري الخاصة فإن إيواءه لذك الشخص النكرة في تلك الظروف ، وتحمله نفقاته وأمنه ، ولأكثر من ثلاثين سنة تجعل أجر ذلك سيدخله الجنة وفي معية المجاهدين الأبرار والصالحين ، والمنفقين في سبيل لله عز وجل !
ولأختم بدعائي راجيا من ربي ، عزت قدرته بإن يرحم صديقي الوفي سيد احمد ولد عبد الرحمان ابن الدجة ويغفرله ويتوب عليه وأن يكون يمرضه الطويل ، الذي عاش آلام وطأته قرابة عقد من الزمن والذي قد حوله من رجل قوي ، مالئ ثيابه ، إلى مجرد جسم هزيل ، لا يمكن الأعتقاد بكونه هو ذلك الضابط السامي الذي إذا أطل بقامته الفارعة أشرأبت تجاهه الأعناق وأحضرت الأنفس وبشت له الوجوه احتراما وتقديرا لمآثر الرجل دون تكلف ولا خوف ولا طمع ! بل لمكانة الرجل ، التي قد اكتسبها بعمله لوطنه وكذا خدماته القيمة للناس !
فكتبه من سيدعي شرف صداقته للمغفور له راجيا بأن يكون أهلا لذلك الإدعاء وذلك في يوم السبت الموافق ١٦شوال /١٤٤٧ / و ٤ أبريل ٢.٢٦ م / ألويز فيل كنتاكي / الولايات المتحدة الآمريكية . 

ذ/ إسلمو محمد المختار ولد مانا .