طهران تعيد بناء قبضة الحرب!

أربعاء, 2026-08-12 19:53

في تأريخ الجمهورية الإسلامية الجديد، لم تعد التغييرات في قمة القيادة العسكرية رد فعل متسرعاً على خسائر الحرب. هي عملية منهجية يقودها الإمام السيد مجتبى الحسيني الخامنئي لإعادة صياغة هرم السلطة، وتوحيد مركز التخطيط الاستراتيجي مع القيادة العملياتية، وتثبيت تفوق خيار الحرب داخل بنية القرار، مع إغلاق المنافذ التي سمحت سابقاً بالاختراقات والاغتيالات المتكررة.

أصدر القائد ستة مراسيم أعادت رسم قمة القيادة بعد أشهر من العمل بتعيينات مؤقتة أو غير معلنة رسمياً. عُيّن علي عبد اللهي رئيساً لهيئة الأركان، وكُلّف صراحة باستكمال دمج هيئة الأركان العامة مع مقر خاتم الأنبياء، أعلى قيادة عملياتية مشتركة في زمن الحرب. هذا الدمج ليس تفصيلاً إدارياً. هيئة الأركان تتولى التخطيط والسياسات وإعداد القوات، بينما يقود مقر خاتم الأنبياء العمليات الفعلية. جمعهما يقرب القرار الاستراتيجي من التنفيذ الميداني داخل قيادة واحدة متماسكة. عبد اللهي كان يقود المقر منذ عام 2025، وأدار خلال الحرب تنسيق الجيش والحرس والعمليات الصاروخية واستخدام مضيق هرمز ورقة عسكرية فاعلة. انتقاله يجعله الجسر الطبيعي لهذه العملية المؤسسية.

التشكيلة الجديدة يسيطر عليها خيار استمرار الحرب بوضوح. الضابط الوحيد القادم من الجيش النظامي (أرتش) هو كيومرث حيدري، وقد عُيّن في منصب نائب رئيس الأركان لا في مركز القيادة الأول. ثُبّت أحمد وحيدي قائداً عاماً للحرس ورُقّي إلى رتبة لواء، وعُيّن مصطفى إيزدي نائباً له، وهو مسؤول سابق عن قيادة التهديدات السيبرانية والجديدة. ثُبّت علي عظمائي قائداً لبحرية الحرس، بما يمنح أهمية خاصة للجبهة البحرية وإدارة الضغط في مضيق هرمز. عاد حسين طائب، الرئيس السابق لاستخبارات الحرس وأحد رجال الشبكة الأمنية المحيطة بالقائد، إلى الواجهة قائداً للباسيج. بالتوازي جُمعت لمحسن رضائي صفتان مؤثرتان: أمين المجلس الأعلى للأمن القومي وممثل القائد فيه، فيضع شخصية تأريخية من الحرس عند نقطة الربط بين الحرب والدبلوماسية والسياسة الداخلية.

هذه التعيينات تعني أن الجمهورية الإسلامية في عهد الإمام مجتبى أصبحت أكثر شباباً في قيادتها العليا، وأكثر قوة في تماسكها المؤسسي، وأكثر تجربة في استيعاب دروس الحرب الأخيرة. الشاب هنا ليس عمراً فقط، بل جيلاً جديداً من القادة الذين جمعوا بين الخبرة الميدانية الطويلة والقدرة على إدارة التهديدات الهجينة والسيبرانية. ومع ذلك، التعيينات المعلنة ليست نهاية المطاف. تجري على قدم وساق تعيينات أخرى في أجهزة متعددة لم تُعلن بعد، تشمل جوانب استخبارية وإدارية وأمنية، بما يعكس سعياً شاملاً لإغلاق كل المنافذ التي نفذ منها الاختراق سابقاً وسمحت باغتيالات قيادات حساسة.

الاستراتيجية واضحة ومترابطة: توحيد مركز التخطيط مع القيادة العملياتية، وتقليص المسافة بينهما لاستجابة أسرع وأكثر دقة في أثناء المواجهة. الغلبة الفعلية لخيار الحرب تتحول إلى بنية رسمية مستدامة، مع تراجع نسبي لدور دعاة تغليب الخيار الديبلوماسي و حتى الجيش النظامي في المراكز الأولى. طهران تنتقل من إدارة طارئة للخسائر والاغتيالات إلى سلسلة قيادة أكثر استقراراً وديمومة. التركيز على الردع الأقصى والعمليات الهجومية والتهديدات الهجينة لا يشير إلى استعداد لتسوية سريعة، بل إلى إعادة بناء القدرة على مواصلة المواجهة من موقع قوة. تعيين عبد اللهي وعظمائي ورضائي يعزز موقع المسؤولين المرتبطين باستخدام المضيق أداة ضغط عسكرية وتفاوضية في آن واحد. وجود رضائي ممثلاً للقائد وأميناً للمجلس يمنح المؤسسة العسكرية قدرة أكبر على مراقبة المسار الدبلوماسي أو ضبط إيقاعه.

استبدال محمد باقر ذو القدر يبعث رسالة واضحة إلى القيادة السياسية بأن استمرار الحصار والقصف من دون مكاسب ملموسة قد يؤدي إلى انتقال إدارة الحرب مباشرة إلى يد القائد والعسكريين. أما عودة طائب إلى قيادة الباسيج فتعني الاستعداد لاحتمال اضطرابات مدفوعة من الخارج مستغلة تداعيات الحرب والأزمة الاقتصادية، وليس مواجهة العدو الخارجي فقط. كُلّف طائب بتقوية شبكة استخبارات شعبية، لا برفع الجاهزية التعبوية فحسب. طُلب منه توسيع الانتشار بين الفئات الاجتماعية وفي الأحياء، وجعل المسجد مركز النشاط المحلي. هذا يحول الباسيج من قوة تعبئة واحتياط تقليدية إلى شبكة إنذار مبكر وجمع معلومات موزعة داخل المجتمع، تربط القاعدة بالقيادة بشكل عضوي، وتغلق الثغرات التي استغلتها أجهزة العدو سابقاً في عمليات الاختراق والاغتيال.

عدم حسم بعض المناصب الاستخبارية ومكافحة التجسس حتى الآن يترك نقطة تحتاج متابعة دقيقة ومستمرة. الرواية التي تتحدث عن اجتماع القائد مع الرئيس بزشكيان تشير إلى أن إعادة تشكيل المؤسسات العسكرية والأمنية، وربما وزارتي الدفاع والاستخبارات، كانت حاضرة إلى جانب الملفات المعلنة. إذا استمر هذا المسار بهدوء وانضباط، فإن الجمهورية الإسلامية تنتقل تدريجياً إلى نموذج أكثر تماسكاً عسكرياً، يقوده الحرس برعاية الإمام، مع الحفاظ على التوازنات الضرورية بين المؤسسات.

الرسالة المباشرة التي يحملها هذا الترتيب المهني واضحة: الاستمرار في دمج التخطيط بالتنفيذ دون تردد، وتعزيز الشبكة الشعبية للمعلومات كخط دفاع أول، وإغلاق كل ثغرة أمنية فور اكتشافها، والحفاظ على التفوق العملياتي للحرس داخل هرم القرار. بهذه الرؤية الدقيقة والمتدرجة تُبنى إيران أقوى وأكثر قدرة على الردع في المرحلة المقبلة، وتغلق صفحة الاختراقات السابقة إلى الأبد.

نجاح محمد علي باحث متخصص في الشؤون الإيرانية والإقليمية