الصراع بين الشرق والغرب في متاهة الحرب على إيران... هل هي نهاية متجددة لاحتكار السلاح النووي في الشرق الوسط ؟

أربعاء, 2026-02-18 03:56

متى تشن الولايات المتحدة وإسرائيل هجوما جديدا ولكن هذه المرة واسع النطاق على إيران وما احتمالية تحوله إلى حرب إقليمية واسعة ؟. هذا السؤال أصبح الأكثر تكرارا على الصعيد الدولي مع انتصاف شهر فبراير 2026 متفوقا في درجة التركيز العالمية على قضايا ومشاكل وتوترات أخرى. 

حالة يقين الكثير من الأوساط بحتمية حدوث هذه المواجهة تعود إلى الصعوبة القصوى إن لم يكن استحالة التوفيق بين مواقف إيران ومطالب كل من تل أبيب وواشنطن سوى إذا تراجع أحد الأطراف بشكل كامل وأعاد توجيه اختياراته بمائة وثمانين درجة وهو ما يرى فيه البعض انتحارا سياسيا. طهران يمكن أن تصل إلى اتفاق حل وسط بشأن برنامجها النووي بأسلوب مشابه للإتفاق الذي وقعته في هذا المجال مع إدارة الرئيس الأمريكي السابق أوباما. 

تم توقيع الإتفاق النووي، المعروف بـ"خطة العمل الشاملة المشتركة" (JCPOA)، في 14 يوليو 2015 بين طهران ومجموعة (5+1) خلال إدارة باراك أوباما. كان يهدف تقييد تقدم البرنامج النووي الإيراني مقابل رفع العقوبات الاقتصادية الغربية، حيث التزمت إيران بخفض مخزونها من اليورانيوم المخصب بنسبة 98 في المئة والإبقاء على مستوى تخصيب 3.67 في المئة، هذا الاتفاق انسحبت منه واشنطن حيث أعلن رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب رسميا خلال ولايته الرئاسية الأولى في يوم 8 مايو عام 2018 وفي تمام الساعة 2:00 ظهرا بتوقيت شرق الولايات المتحدة خروج بلاده من الاتفاق النووي مع إيران والانسحاب من خطة العمل الشاملة المشتركة، وإعادة فرض العقوبات على إيران - مع العلم أن العقوبات لم تكن قد رفعت اصلا-.

واشنطن وتل أبيب لا يريدان اتفاقا مشابها لما تم سنة 2015، بل يصران على تفكيك كل البرنامج النووي الإيراني والحد من برنامج الصواريخ الإيراني بحيث لا يتجاوز مداه 300 كيلومتر ضمانا لأمن إسرائيل، بالإضافة إلى وقف تعاون ودعم طهران لكل القوى المناهضة لإسرائيل –المقاومة الفلسطينية بكل أفرعها، حزب الله اللبناني والحوثيين في اليمن وغيرهم- وهي مطالب وصفها العديد من الملاحظين بالاستسلام الكامل لطهران، وهو مسار يقود عمليا إلى تصفية وتمزيق الدولة الإيرانية إلى أكثر من 5 دويلات. 

تعد إيران دولة ذات تنوع عرقي كبير، حيث يشكل الفرس حوالي 61 في المئة، بينما تتوزع النسبة الباقية بين آذريين (16 في المئة)، أكراد (10 في المئة)، لور (6 في المئة)، بلوش، عرب، وتركمان (حوالي 2 في المئة لكل منهم). وتطرح سيناريوهات تقسيمها على أسس عرقية (أذربيجان الحرة، كردستان إيران، بلوشستان، الأحواز، التركمانستان) كأحد التهديدات الجيوسياسية.

تجربة حرب الاثني عشر يوما بين إيران وكل من واشنطن وتل أبيب كما يطلق عليها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في الفترة من 13 حتى 24 من شهر يونيو 2025، كشفت في آن واحد نقط ضعف وقوة مختلف الأطراف، كما بينت حدود القوة العسكرية الأمريكية في مواجهة عملية تبدل موازين القوى على الصعيد الدولي. والأمر الذي يعتبر الأكثر أهمية هو أن هذه الحرب أظهرت استحالة تدمير برنامج إيران النووي بشكل فعال بسبب وجود أهم منشآته تحت سطح الأرض بأعماق لا تصلها الأسلحة الموجودة حاليا، وكذلك ضعف قدرة القوات الأمريكية في الدفاع عن قواعدها في الشرق الأوسط التي تضم زهاء 35 ألف جندي أمريكي، وهشاشة أجهزة الدفاع الإسرائيلية في مواجهة الصواريخ والمسيرات الإيرانية سواء بفضل تقدمها التقني أو بسب إتباع أسلوب الإغراق في الهجوم بحيث يصعب التصدي لكل المعدات المهاجمة.

الأوساط العسكرية العالمية غربية وشرقية قدرت أن حرب الاثني عشر يوما كانت محدود في حصيلتها الإيجابية لواشنطن وتل أبيب، في نفس الوقت تعتبر فاشلة لأنها عجزت عن تحقيق أهدافها الأساسية، حيث لم يتم شل القيادة الإيرانية سوى لفترة قصيرة ولم تصف القيادات العليا وتم تعويض القيادات التي صفيت ببدائل بسرعة، في حين تمكنت الأجهزة الإيرانية من كشف وتصفية أغلب الدوائر الداخلية والتنظيمات المدعومة من طرف الموساد والمخابرات المركزية الأمريكية والتي كانت مكلفة بإتمام عملية قلب النظام. 

نافذة تحقيق واشنطن مكاسب سريعة على الساحة الإيرانية فقدت في يونيو 2025 وأصبح البيت الأبيض أمام معضلة حرب طويلة مع إيران وتكبد خسائر بشرية ومادية تبدل صمت الداخل الأمريكي تجاه التوجهات العسكرية للرئيس ترامب في تعامله مع من يعتبرهم خصوما. ولكن إذا كان هذا التوجس أحد أسباب تأرجح مشاريع الحرب الأمريكية، فإن هناك تأثيرات معاكسة من جماعات الضغط خاصة لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (تسمى اختصارا أيباك) هي مجموعة ضغط تدافع عن السياسات المؤيدة لإسرائيل لدى السلطتين التشريعية والتنفيذية للولايات المتحدة. وهي إحدى منظمات الضغط العديدة المؤيدة لإسرائيل في الولايات المتحدة، تقول أيباك أن لديها أكثر من 5 مليون عضو و17 مكتبا إقليميا ومجموعة كبيرة من المانحين. 

تل أبيب تشعر أن وجودها مهدد بسبب التهديدات المتراكمة والتي تعتبر إيران أحد أهمها في الوقت الحاضر وتقدر أنه إلى لم تلحق طهران بمصير العراق وسوريا وليبيا وما يخطط له للبنان واليمن، فإن قوى أخرى مثل تركيا ستكون أكثر جرأة في تحدي الإرادات الأمريكية الإسرائيلية. 

بالنسبة لهؤلاء الذين يختلفون بشأن من يتحكم في سياسة واشنطن في الشرق الأوسط، تعتبر إسرائيل أحد أهم أسلحة الغرب في المواجهة الدائرة حول النظام العالمي وبالتالي فإن تفوقها أساسي للمعسكر الغربي وانتكاسها نصر للمعسكر الآخر. إيران بدورها تعتبر أحد القوى التي تعضد التحالف الصيني الروسي الكوري الشمالي في مواجهة الولايات المتحدة وحلف الناتو وهي ساحة مناسبة لاستنزاف الغرب والرد على تحدياته في أوكرانيا وتايوان وكوبا ومناطق أخرى في العالم. 

 

خطر وجودي

 

صرح مسؤول عسكري إسرائيلي، أن الصواريخ الباليستية الإيرانية “خطر وجودي” على تل أبيب. ونقلت هيئة البث العبرية الرسمية، يوم الأحد الأول من فبراير 2026، عن مسؤول عسكري “رفيع” لم تسمه، قوله: “لا تستطيع إسرائيل التعايش مع الصواريخ الباليستية لدى إيران".

وادعى أن الصواريخ الباليستية الإيرانية “خطر وجودي، وليست مجرد تحد عسكري محدود".

كما ادعى المسؤول الإسرائيلي أن “طهران كانت تمتلك، قبل جولات الهجوم الإسرائيلية الأخيرة، نحو ألفي صاروخ، وبدأت منذ ذلك الحين بإعادة الإنتاج وتوسيع المنظومات بوتيرة ملحوظة".

وقال إن “التقديرات تشير إلى قدرة إيران على إطلاق عشرات الصواريخ في وقت متزامن، ما يزيد من تعقيد أي سيناريو مواجهة مستقبلية”.

وبشأن نتائج أي عملية عسكرية محتملة ضد إيران، سواء كانت إسرائيلية أو أمريكية، قال المسؤول إنها “لن تكون كافية إذا ركزت على البرنامج النووي وحده، من دون معالجة بنية إطلاقالصواريخ ومخزونها وقدرات تصنيعها”.

ومحرضا على استهداف القدرات الصاروخية لإيران، أشار المسؤول إلى أن “التعامل الفعال مع التهديد يتطلب استهداف منظومات الإطلاق والبنية التحتية المرتبطة بها".

وبحسب هيئة البث، فإن هناك “شكوكا بشأن حجم وعمق أي ضربة أمريكية محتملة إذا تقرر تنفيذها”.

واعتبرت أن “نجاح أي تحرك عسكري يقاس بمدى قدرته على تقليص خطر الصواريخ، لا بمجرد توجيه ضربات رمزية”.

فيما ختم المسؤول العسكري حديثه بالقول إن “التهديد الصاروخي الإيراني لم يعد ملفا ثانويا، بل أصبح في صلب الحسابات الأمنية الإسرائيلية”.

ومساء السبت 31 يناير، نقلت هيئة البث عن مسؤول عسكري إسرائيلي لم تسمه، قوله إن الهجوم الأمريكي على إيران “تأخر بسبب انتظار وصول مزيد من القوات وتحسين قدرة إسرائيل الدفاعية”.

كما نقلت الهيئة عن مصادر أمنية لم تسمها، قولها إن مناقشات داخل القيادة العليا للجيش الإسرائيلي خلصت إلى أن واشنطن لا تزال في مرحلة استكمال نشر قواتها، وتحتاج إلى وقت إضافي قبل تنفيذ أي هجوم محتمل ضد إيران.

من جانبها أفادت صحيفة "معاريف" العبرية يوم الجمعة 13 فبراير 2026 أن سلاح الجو يقدر بأن إسرائيل قد تواجه 1800 صاروخ إيراني وأربع جبهات في آن واحد، في حال فشل المفاوضات النووية مع طهران واندلاع حرب في المنطقة.

وذكر المراسل العسكري في "معاريف" آفي أشكينازي في تقريره، إنه "في نهاية الأسبوع الماضي، طُلب من سلاح الجو العمل والهجوم بشكل متزامن تقريبا في ساحتي قتال: غزة ولبنان"، لافتا إلى أن "تشغيل سلاح الجو في هذه الساحات أمر روتيني ويتم بشكل يومي، لكن سلاح الجو يعمل ويستعد للاحتمال الوشيك لاستئناف القتال على أربع جبهات، سواء بشكل منفرد في كل ساحة أو في صيغة اتحاد الجبهات". 

ووفقا لأشكنازي، فإن "الجبهة الرابعة والمركزية في الوقت الراهن هي الجبهة الإيرانية"، مشيرا إلى أن "سلاح الجو مستثمر في هذه القصة منذ شهر ونيف بشكل كبير.

 

تركيا وسِباق التسلح النووي

 

فشل الغرب في محو البرنامج النووي الإيراني سيسرع عملية انهاء احتكار تل أبيب للسلاح النووي في الشرق الأوسط، ففي ظل الحديث حول الملف النووي الإيراني، برزت تصريحات وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، الذي حذر يوم الثلاثاء 10 فبراير 2026، من أن تركيا قد تجبر على الانخراط في سباق تسلح نووي بالمنطقة إذا أدى توسع القدرات النووية إلى الإخلال بالتوازن الإقليمي للقوى. 

وفي مقابلة مع قناة “سي إن إن ترك”، شدد فيدان على أن بلاده لا تسعى لخوض سباق نووي، لكنه أكد أن “هذا الطريق قد يصبح حتميا إذا تأثر الاستقرار الأمني الإقليمي نتيجة التطورات النووية”. 

كما أشار فيدان إلى أن تزايد الشكوك بشأن التزامات واشنطن قد يدفع نحو سباق تسلح نووي مستقبلي يمتد إلى أوروبا وآسيا، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية التي تضغط على التحالفات الأمنية التقليدية. وكان الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، قدصرح في شهر سبتمبر 2019، إنه لا يقبل وضعا يمكن فيه لدولأن تمتلك أسلحة نووية، بينما تمنع بلاده من ذلك. وانتقد إردوغانالضغوط التي تتعرض لها بلاده لعدم حيازة السلاح النووي.

وقال الدكتور سمير صالحة إن تصريحات فيدان حول “المظلومية النووية” التركية ليست جديدة، إذ سبق للرئيس رجب طيب أردوغان أن أبدى مواقف مشابهة في صيف 2019، مؤكداً على أن تركيا لا يمكن أن تبقى خارج المشهد النووي الإقليمي في ظل سعي بعض الدول لامتلاك هذه الأسلحة. من جانبه، أشار د.مصدق بور، مدير مركز الدراسات الاستراتيجية الإيرانية العربية، إلى أن المخاوف التركية ترتبط بما يصفه البعض بـ”غياب العدالة النووية”، في ظل امتلاك إسرائيل لرؤوس نووية دون أن تكون خاضعة للرقابة الدولية نفسها التي تطالب بها إيران. وتعكس هذه التصريحات، بحسب الخبراء، استجابة تركية لما يحدث على الأرض، مما عزز شعور أنقرة بضرورة التحرك. كما أن بعض المحللين يرون أن التصريحات التركية تأتي في سياق محاولات توسيع النفوذ الإقليمي وبناء تحالفات استراتيجية تشمل باكستان والسعودية وربما مصر، بهدف إيجاد توازن إقليمي أمام القوة الإسرائيلية.

 

هاجس إسرائيلي 

 

يوم 15 فبراير 2026 اعتبر يوفال شتاينتز، رئيس مجلس إدارة شركة "رافائيل"، التي تعد من أبرز أعمدة الصناعات العسكرية في إسرائيل، أنه يجب التأكد من أن "مصر وتركيا لا تطوران سلاحا نوويا في الخفاء".

وتطرق يوفال شتاينتز في مقابلة مع "ynet"، إلى مدى جاهزية إسرائيل لاحتمال انهيار المفاوضات الأمريكية الإيرانية الذي قد يؤدي إلى هجوم إيراني. وقال: "لا توجد جاهزية مثالية، لكننا مستعدون جيدا".

وزعم شتاينتز قائلا: "ليس لدينا خيار. فكلما سمحوا لإيران بالتعافي، سيزداد التهديد الموجه إلينا"، مضيفا: "من الأفضل لنا مواجهة تهديد الصواريخ الحالي، وهو أمر غير سار بتاتا وقد رأينا ذلك في حرب الـ 12 يوما، بدلا من السلاح النووي. أنا أفضل أن أكون تحت تهديد 10,000 صاروخ باليستي ولا قنبلة نووية واحدة".

ووفقاً لأقواله: "لدينا نظام دفاع متعدد الطبقات، وهو الأفضل في العالم. ولا يوجد وضع، خلافاً لمختلف التكهنات، تطلق فيه صواريخ نحونا ولا نعمل على اعتراضها".

وعن معركة مستقبلية، صرح رئيس مجلس إدارة "رافائيل" بالقول: "نحن أيضا استخلصنا الدروس، وكذلك الإيرانيون. هناك نقطة سلبية وأخرى إيجابية. السلبية هي أننا هذه المرة ربما لن نحقق عنصر المفاجأة. والإيجابية هي أنه يبدو في هذه المرة أن الأمريكيين لن يتحركوا لليلة واحدة فقط ضد موقع أو اثنين، بل ستكون هذه حربا أمريكية، وهم يمتلكون قواعد جوية قريبة جداً من إيران وحاملات طائرات، وهذا يتيح لهم عملية اصطياد مشتركة لأنظمة الصواريخ ومنصات الإطلاق".

وتطرق شتاينتز إلى تهديدات إضافية "يجب اليقظة تجاهها"، لافتا إلى أن "حجم استخدام المسيرات (الدرونات) فاجأنا في بداية حرب غزة. لكن يمكنني القول إننا استعدنا توازننا بسرعة كبيرة وابتكرنا وسائل دفاعية".

واستطرد: "دولة مثل دولتنا يجب أن تخشى من كل شيء، ولكن يجب النظر بتمعن شديد إلى دول أخرى في الشرق الأوسط، مثل تركيا أو مصر، والتأكد من أنها لا تطور سلاحا نوويا في الخفاء".

جدير بالذكر أن تقارير عبرية كانت قد أفادت في وقت سابق، بأن رئيس وزراء إسرائيل نتنياهو حذر خلال اجتماع مغلق مع لجنة الشؤون الخارجية والدفاع في الكنيست، من أن الجيش المصري يزداد قوة وينبغي مراقبته عن كثب.

 

  50 ألف مرتزق

 

في نطاق جهود تل أبيب لتخفيف المخاوف الداخلية من حروب أوسع وأخطر والحد من سعي الكثير من المستوطنين إلى الهجرة إلى دول غربية، كشف الجيش الإسرائيلي -في سابقة هي الأولى من نوعها- بيانات رسمية تفصيلية حول عدد الجنود الحاملين لجنسيات أجنبية لإشعار المستوطنين أن هناك دعم إضافي، وفقا لصحيفة يديعوت أحرونوت. 

وذكرت الصحيفة إن معطيات الجيش الإسرائيلي تظهر أن 50 ألفا و632 جنديا يحملون جنسيات أخرى إلى جانب الإسرائيلية.ووفق البيانات التي نشرتها الصحيفة، تضم صفوف الجيش 12 ألفا و135 جنديا يحملون الجنسية الأمريكية، وهي النسبة الأعلى بفارق كبير عن بقية الجنسيات، إضافة إلى أكثر من 6 آلاف و100 فرنسي، وما يزيد على 5 آلاف من دول الاتحاد السوفيتي سابقا. 

كما تشمل القائمة آلاف المجندين من ألمانيا وأوكرانيا وبريطانيا ورومانيا وبولندا وكندا ودول أميركا اللاتينية.

وتشير البيانات كذلك إلى وجود 4 آلاف و440 جنديا يحملون جنسيتين أجنبيتين بالإضافة إلى الإسرائيلية، و162 جنديا يحملون 3 جنسيات أجنبية أو أكثر. 

ومنذ اندلاع حرب الإبادة على قطاع غزة في السابع من أكتوبر 2023، استعان الجيش الإسرائيلي بعشرات آلاف الجنود الاجانب ومن مزدوجي ومتعددي الجنسية للمشاركة في العمليات، وهو ما فتح بابا واسعا أمام مساءلات قانونية محتملة في الخارج استنادا إلى مبدأ "الولاية القضائية العالمية" الذي يتيح محاكمة مرتكبي جرائم الحرب بغض النظر عن جنسياتهم أو مكان وقوع الجريمة.

وقد دعت منظمات دولية بارزة -بينها هيومن رايتس ووتش والعفو الدولية- إلى فتح تحقيقات مستقلة، وحثّت الحكومات الغربية على الاضطلاع بمسؤولياتها القانونية تجاه مواطنيها المنخرطين في الانتهاكات.

 

المتاهة 

 

بينما تضرب أخماس في أسداس بشأن الحرب المقبلة ضد إيران ذكرت شبكة "سي.بي.إس نيوز" الأمريكية يوم الأحد 15 فبراير 2026 نقلا عن مصدرين مطلعين أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أبلغ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في منتجع مار الاجو الخاص بترامب في بالم بيتش بفلوريدا يوم 29 ديسمبر 2025 بأنه سيدعم توجيه ضربات إسرائيلية لبرنامج الصواريخ الباليستية الإيراني إذا فشلت واشنطن وطهران في التوصل لاتفاق. 

من جانبه نقل موقع أكسيوس عن مسؤولين أمريكيين اثنين قولهما إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اتفق مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في اجتماع بالبيت الأبيض يوم الأربعاء 11 فبراير 2026 على ضرورة أن تعمل واشنطن على خفض صادرات النفط الإيرانية إلى الصين. 

ونقل أكسيوس يوم السبت 14 فبراير عن مسؤول أمريكي رفيع المستوى قوله “اتفقنا على أننا سنبذل قصارى جهدنا لممارسة أقصى قدر من الضغط على إيران، على سبيل المثال، فيما يتعلق بمبيعات النفط الإيراني إلى الصين”.

وتعد الصين التي لا تعترف بالعقوبات الأمريكية أكبر مستورد للنفط من إيران، إذ يذهب أكثر من 80 في المئة من صادرات النفط الإيراني إليها، كما أسست بكين وطهران نظاما تجاريا يعتمد في معظمه على اليوان الصيني وشبكة من الوسطاء لتجنب التعامل بالدولار.

لم يتم الكشف عن الوسائل التي تريد واشنطن اتباعها لخفض صادرات إيران النفطية غير أن بعض الأوساط الغربية تتحدث عن اعتراض سفن تنقل النفط الإيراني في المياه الدولية وهو تصرف يمكن أن يشعل مواجهة عسكرية عالمية خاصة أن الصين أرسلت منذ أسابيع مجموعة بحرية عسكرية تتابع تحركات الاسطول الأمريكي الذي أرسلته واشنطن إستعدادا للهجوم على إيران. 

 

لحظة السقوط 

 

جاء في بحث نشر على شبكة الانترنت يوم 9 فبراير 2026 أعده مازن النجار الباحث في التاريخ والاجتماع.

تتضاءل القوة الأمريكية مع تضافر عوامل التوسع الإمبراطوري المفرط، وفقدان ضبط النفس، والفشل العسكري، وانهيار الهيبة والمكانة، لتشكل انحدارا بنيويا تنبأت به نظرية الواقعية البنيوية منذ زمن طويل.

مستقبل الغرب وحضارته ومكانته العالمية وهيمنته الإمبريالية على العالم والنظام العالمي، ورؤيته الكونية وعالميته الثقافية والفكرية، شغلت مفكرين وفلاسفة وسياسيين، غربا وشرقا، على الأقل، منذ صدور كتاب الفيلسوف الألماني، أوزوالد شبنغلر، بعنوان: "سقوط الغرب"، في صيف 1918، عشية انتهاء الحرب العالمية الأولى بأهوالها وبشاعتها وتداعياتها.

لاحقا، امتد نقاش المفكرين إلى مآلات ومستقبل القوة الأمريكية، الركيزة الرئيسية لقوة الغرب الآن، وآفاق أفولها أو استمرارها بناء على تحليل عوامل القوة ومصادرها وبنيتها، ومسارات تآكلها وتدهورها أو تعزيزها.

ضمن النماذج التفسيرية الفاعلة في هذا المجال، تعد "مدرسة الواقعية البنيوية"، نظرية رئيسية في العلاقات الدولية، ترى أن البنية الفوضوية للنظام العالمي، وليس الطبيعة البشرية أو الأيديولوجيا، هي محرك سلوك الدول، مما يؤدي لتنافس وصراع أمني دائمين، حيث تعطي الدول الأولوية للبقاء في عالم قائم على الاعتماد على الذات.

ويركز هذا النهج على توزيع القوة، فالنظام الدولي ثنائي القطب مثلا، (المكون من قوتين عظميين) أكثر استقرارا من الأنظمة متعددة الأقطاب، ويفسر ظواهر مثل التنافس الأمريكي الصيني من خلال الضغوط النظامية لتحقيق توازن القوى.

تراكم القوة بما يتجاوز ضرورات الدفاع، يصبح استخدامها ضرورة بذاتها. بمرور الوقت، يصبح هذا الدافع لبسط القوة والنفوذ بالخارج غير ممكن الاستدامة. تتراكم التكاليف، وتشتد المقاومة، وتتآكل الأسس الداخلية، ويبدأ الانحدار، ليس فجأة، بل بنيويا.

في ضوء هذه الرؤية، نشرت مؤخرا دراسة لعالم السياسة الأمريكي البارز جون ميرشايمر، والفيلسوف السياسي الأمريكي بول غرينييه، والمفكر الأيرلندي شين فيتزجيرالد.

 

القوة وحدودها 

 

 يتذكر أحدهم ندوة دراسات عليا في نظرية العلاقات الدولية حضرها بجامعة كولومبيا أوائل الألفية الثانية. كان يدرسها البروفيسور الراحل كينيث والتز، أحد أبرز عقول السياسة الدولية في القرن العشرين، ورائد مدرسة الواقعية البنيوية.

وهو يتذكر المكان جيدا، وقد بدأ ضوء النهار يخفت. جلس ثمانية طلاب متقاربين حول الأستاذ الجليل، يستمعون إليه وهو يتحدث دون استخدام مسودات أو مذكرات، وبأسلوب بسيط.

كان النقاش جادا وهادئا ومتأنيا. تعمقنا في أفكاره، التي تركز على البنية لا النية، وعلى القوة لا الخطاب، وعلى حدود القوة لا الطموح. وتناول بالتفصيل القضايا الكبرى المتعلقة بالنظام الدولي الناشئ بعد أحداث 11 سبتمبر، وأزمات تلك الحقبة.

كان ذلك في أوائل عام 2003. كانت القوات الأمريكية متمركزة في أفغانستان، وكان غزو العراق وشيكا. ورغم أن قلة فقط أدركت ذلك، فإن حدود القوة الأمريكية كانت على وشك أن تختبر. وقفت الولايات المتحدة عند ما اعتبره الكثيرون ذروة التاريخ، منتصرة بعد الحرب الباردة، لا ينافسها أحد، ومقتنعة بأنها تعيش ما أسماه تشارلز كروتهامر "لحظة الأحادية القطبية".

مع ذلك، لم يبدِ والتز أي انبهار. وبهدوئه المعهود، حذر من أن الإمبراطوريات لا تنهار لضعفها، بل لأنها تصبح بالغة القوة.وجادل بأن الإمبراطورية كيان يراكم قوة هائلة تجعله مضطرا باستمرار للبحث عن ساحات خارجية لبسط نفوذه.

فتراكم القوة بما يتجاوز ضرورات الدفاع، يصبح استخدامها ضرورة بذاتها. بمرور الوقت، يصبح هذا الدافع لبسط القوة والنفوذ بالخارج غير ممكن الاستدامة. تتراكم التكاليف، وتشتد المقاومة، وتتآكل الأسس الداخلية، ويبدأ الانحدار، ليس فجأة، بل بنيويا.

استعرض والتز تاريخ الإمبراطوريات: المغول، والرومان، والعثمانيين، وبريطانيا، والسوفيات. كل منهم اعتقد أنه استثنائي، وأن هيمنته تعكس ديمومة لا ظرفا عابرا. كل منهم اندثر تاريخيا بنهاية المطاف. وحذر والتز آنذاك من أن الولايات المتحدة لن تكون استثناء! بعد عقدين ونيف، يبدو تحذيره تشخيصا أكثر منه تنظيرا.

 

منطق الانحدار بنيويا

 

لا تسقط الإمبراطوريات بين عشية وضحاها. انحدارها تفكك تدريجي لركائزها الحيوية الاقتصادية الأساسية، والتماسك السياسي، والمصداقية العسكرية، والشرعية الأخلاقية. تعلمنا الواقعية أن الانحدار في المقام الأول ليس فشلا أخلاقيا، بل بنيويا.

عبر بول كينيدي عن هذا بوضوح "مرعب" في كتابه الرائد: "صعود وسقوط القوى العظمى" (1988). تقول أطروحته الأساسية حول "التوسع الإمبراطوري المفرط" إنه عندما تتجاوز التزامات الدولة العسكرية قدرة قاعدتها الاقتصادية على تحملها، يصبح الفشل الإستراتيجي حتميا. فالقوة العسكرية لا يمكنها التعويض عن الصحة الاقتصادية الداخلية للأبد. وفي نهاية المطاف، يفرض اختلال التوازن نفسه.

تكمل واقعية والتز "البنيوية" تحليل كينيدي "المادي" للقوة الإمبراطورية. فنظام تهيمن عليه دولة واحدة يصبح مضطربا ليس لأن الآخرين عدوانيون، بل لأن القوة نفسها تستدعي المقاومة.

وكما لاحظ والتز، فإن اختلال توازن القوى لا يترك للدول الأضعف خيارا سوى التوحد ضد الدولة المهيمنة. فالهيمنة، بهذا المعنى، تزرع بذور انكشافها. من فيتنام إلى العراق، ومن ليبيا إلى أفغانستان، كان النمط الأمريكي ثابتا في نشر قوة ساحقة، سعيا وراء نتائج سياسية لا يمكن استدامتها.

إذا كان لا يزال ممكنا تأطير التجاوزات الأمريكية السابقة، رغم عدم معقوليتها، كمحاولات مضللة للحفاظ على النظام، فالتطورات الأخيرة تشير إلى تحول نوعي.

لا يمثل اعتقال الولايات المتحدة الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو مجرد تدخل آخر، بل هو انتقال من النفوذ إلى الاستحواذ.وقد أقر الرئيس ترمب نفسه بهذا التحول صراحة.

ففي المؤتمر الصحفي الذي أعقب اختطاف مادورو، صرح ترامب بوضوح أن الولايات المتحدة سوف "تدير" فنزويلا. لا تكمن جرأة هذا التصريح في عدوانيته فحسب، بل في صراحته أيضا. فلا وجود لأي تظاهر بالتعددية، ولا استناد للقانون الدولي، ولا ادعاء بالضرورة الإنسانية. إنها الإمبراطورية تتحدث بوضوح.

ولم تقتصر تهديدات ترامب على فنزويلا، بل لوح علنا أو هدد باتخاذ إجراءات قسرية ضد عدة دول ذات سيادة: كولومبيا، والمكسيك، وكوبا، وإيران، ونيجيريا، والدانمارك (عبر غرينلاند)، وفنزويلا نفسها. ليس هذا مجرد تجاوز خطابي، بل صراحة عقائدية، حيث السيادة مشروطة بإقرار أمريكا، وبات استخدام القوة روتينا.

 

مبدأ دونرو

 

مضى ترامب أبعد من ذلك، فأعاد تسمية "مبدأ مونرو" صراحة إلى "مبدأ دونرو". مبدأ مونرو الأصلي، بكل دلالاته الإمبريالية، تمت صياغته دفاعيا كتحذير من إعادة استعمار أوروبا للأمريكتين. أما "مبدأ دونرو" فيزيل حتى ورقة التوت تلك.

فهو يؤكد أن نصف الكوكب الغربي ليس مجرد منطقة نفوذ، بل هو مجال أمريكي حصري، ستمنع فيه واشنطن المنافسين من خارجه، وحددتهم الإدارة صراحة بالصين، وروسيا، من إمكانية نشر قواتهم أو السيطرة على أصول إستراتيجية.

في مواجهة تراجع نفوذها وتأثيرها عالميا، تحاول الولايات المتحدة إحكام قبضتها على ما تعتقد أنها -لا تزال- تستطيع الهيمنة عليه بشكل مطلق: أي جوارها القريب. وهذا ليس سلوك قوة مهيمنة واثقة، بل سلوك قوة تعزز خطوطها الحمراء الإمبريالية مع ضعف محيطها الخارجي.

والأهم أن تدعيم النفوذ في نصف الكوكب لا يعني بالضرورة تراجع المطامح الأمريكية تجاه روسيا، والصين، بل هو العكس تماما. فمع تراجع أولوية أوروبا على الصعيد الخطابي، تظل أمريكا ملتزمة باحتواء روسيا، والصين معا، رغم تناقض ذلك بنيويا.

تمتلك روسيا والصين قوة عسكرية هائلة بمناطق حيوية لأمنهما: المجال الجيوسياسي لما بعد الاتحاد السوفياتي بالنسبة لروسيا، وغرب المحيط الهادئ بالنسبة للصين. تتوقع الواقعية البنيوية أن القوى الكبرى ستخوض أشد المعارك، وأكثرها نجاحا، في مثل هذه الجبهات تحديدا.

وقد تنبأ بهذا المنطق جورج كينان، مهندس إستراتيجية الاحتواء الأمريكية خلال الحرب الباردة، الذي حذر عام 1997 من أن توسع حلف الناتو سيكون "الخطأ الأكثر فتكا في السياسة الأمريكية في حقبة ما بعد الحرب الباردة بأكملها"، وذلك لأن هذا التوسع تحديدا تجاهل كيفية استجابة القوى العظمى عندما تتعرض مصالحها الأمنية الأساسية للتحدي.

ويعد انتصار روسيا الوشيك في حرب (بالوكالة) تقودها الولايات المتحدة بأوكرانيا، مثالا واضحا على هذا المبدأ. مع ذلك، تستمر الإستراتيجية الأمريكية في تحدي روسيا، والصين بمناطق نفوذهما الأساسية، بينما تؤكد هيمنتها المطلقة في نصف الكوكب الغربي. هذا ليس منطق توازن القوى، بل هو إنكار إمبريالي للواقع.

 

قوة عسكرية بدون انتصار إستراتيجي

 

لا تزال الولايات المتحدة تمتلك موارد عسكرية لا مثيل لها: مئات القواعد العسكرية الخارجية؛ وميزانية دفاعية تتجاوز ميزانيات الدول العشر التالية مجتمعة، وتفوقا تكنولوجيا بمجالات متعددة من الضربات الدقيقة والمراقبة العالمية إلى الفضاء السيبراني والفضاء الخارجي. وبأي مقياس مادي، تبقى القوة العسكرية الأمريكية هائلة. ومع ذلك، تعجز القوة المقاسة بالعتاد العسكري باطراد عن أن تترجم لنجاح إستراتيجي.

لم يعد التناقض بين القدرة العسكرية الأمريكية والنتائج الإستراتيجية تناقضا نظريا، بل واقعا مجربا. فقد هزمت الولايات المتحدة بفيتنام، رغم تفوقها التكنولوجي الساحق. وفي كوريا، دفع التدخل الصيني القوات الأمريكية إلى خط العرض (38)، مما فرض جمودا إستراتيجيا لا يزال قائما حتى اليوم.

وفي أفغانستان، صمدت حركة طالبان أمام أقوى تحالف عسكري في القرن الحادي والعشرين، وهزمته، لتخرج منتصرة بعد عقدين من الاحتلال. في الآونة الأخيرة، أجبر الحوثيون في اليمن، وهم حركة ذات تسليح خفيف، البحرية الأمريكية على اتخاذ تموضع دفاعي، مما أدى لتعطيل الملاحة العالمية، وكشف حدود القوة القسرية الأمريكية حتى في البحر.

 

العراق وأفغانستان

 

لا مكان تجلى فيه هذا الفشل بشكل أوضح وأشمل من العراق وأفغانستان، وهما حربان استنزفتا معا أكثر من 6 تريليونات دولار وانتهتا بهزيمة إستراتيجية.

في كلتا الحالتين، حققت الولايات المتحدة تفوقا تكتيكيا ساحقا من خلال انهيار النظام سريعا، وسيادة ميدانية، وسيطرة جوية مطلقة، لتكتشف لاحقا أن كل ذلك لم يسفر عن نتائج سياسية مستدامة. لم تستطع القوة النارية تعويض التناقض السياسي، أو الجهل الثقافي، أو غياب أهداف إستراتيجية قابلة للتحقيق. تم تعريف النصر عملياتيا، لكنه لم يحسم سياسيا.

وقد أدرك هذا الفشل حتى النظام الذي أطاحت به الولايات المتحدة حينها في العراق. فبحسب جون نيكسون، محلل وكالة الاستخبارات المركزية الذي استجوب صدام حسين بعد القبض عليه، قال الزعيم العراقي بصراحة: "ستكتشفون أن حكم العراق ليس أمرا هينا… ستفشلون في العراق لأنكم لا تعرفون اللغة، ولا التاريخ، ولا تفهمون العقل العربي".

كانت هذه ملاحظة واقعية، وليست ثقافية. فالقوة الغاشمة لا تغني عن الشرعية السياسية، أو المعرفة المحلية، أو التماسك المجتمعي.

لم يكن الانسحاب الفوضوي من كابل في أغسطس 2021 مجرد إحراج لوجيستي أو فشلٍ في التنفيذ، بل كان تأكيدا رمزيا على الإرهاق الإمبراطوري. فبعد عشرين عاما من الاحتلال، انسحبت أقوى قوة عسكرية في العالم من بلد فشلت جوهريا في إعادة تشكيله، تاركة وراءها نظاما سياسيا انهار فورا بمجرد انسحاب القوات الأمريكية.

وقد جسدت هذه الحادثة حقيقة أعمق، وهي أن القدرة القسرية دون شرعية سياسية لا تنتج إلا امتثالا مؤقتا، لا سيطرة دائمة.

في الحالتين، لم يقاتل الطرف الأضعف لتحقيق مكاسب، بل لأجل البقاء- وهو تمييز حاسم في التاريخ. والدرس المستفاد هنا ليس أن القوة الأمريكية ضعيفة، بل القوة وحدها لا تحدد النتائج عندما يصبح الصراع وجوديا بالنسبة للطرف الأضعف.

فعندما تكون السيادة والكرامة والبقاء على المحك، أظهرت الشعوب الأقل حظا ماديا مرارا وتكرارا استعدادا لتحمل تكاليف تعجز الإمبراطوريات "الليبرالية" ما بعد الصناعية، بنيويا وسياسيا، عن تحملها. غالبا ما يتفوق الزمن والصبر والتماسك الاجتماعي على التكنولوجيا عندما تتحول الحرب إلى صراع على البقاء لا على المكاسب.

يظهر التاريخ أن الإمبراطوريات الآخذة في الانحدار غالبا ما تضاعف جهودها العسكرية، ليس لأن الحرب تجدي نفعا، بل لأن البدائل قد ضاقت عليها.

فعندما تفقد الدبلوماسية مصداقيتها، ويصبح الإصلاح الداخلي مستحيلا سياسيا، تصبح القوة هي الأداة الافتراضية. وكما أوضح أستاذ العلاقات الدولية بجامعة بوسطن والكولونيل المتقاعد في الجيش الأمريكي، أندرو باسيفيتش، باتت الولايات المتحدة تعتمد بشكل متزايد على القوة العسكرية بديلا عن الإستراتيجية، فتخلط بين النشاط والغاية، وبين الحركة والاتجاه.

هذا الإدمان على القوة لا يحافظ على الإمبراطورية، بل يسرع انهيارها باستنزاف الموارد، وتصلب المقاومة، وتقويض الشرعية في الداخل والخارج.

وبهذا المعنى، تشبه الهيمنة العسكرية الأمريكية اليوم هيمنة إمبراطوريات أخرى بمراحلها الأخيرة: مهيبة في مظهرها، لا مثيل لها في حجمها، لكنها تتراجع فاعليتها باطراد في التأثير على النتائج المهمة. لا تزال القوة هائلة، لكن عوائدها تتضاءل وتكاليفها تتراكم.

 

عمر نجيب

[email protected]