
يعد الواقع الاجتماعي والسياسي لأي مجتمع عملية مركبة تتطلب تجاوز التفسير السطحي للأزمات، والانتقال إلى تفكيك البنى العميقة المنتجة لها. وانطلاقا من المقولة النقدية
(لا تحلم بتغير من مجتمع يتنفس الفوضى…)
يمكن مقاربة الواقع الموريتاني من منظور سوسيولوجي يربط بين السلوكيات اليومية البسيطة وبين اختلالات السلطة والشرعية السياسية. فالفوضى هنا ليست حادثا عرضيا، بل نتيجة نسق اجتماعي وثقافي قابل للتحليل عبر عدد من النظريات الاجتماعية.
- الفوضى الاجتماعية ونظرية الاختلال الوظيفي
وفقا للنظرية الوظيفية، خاصة عند إميل دوركايم، يقوم المجتمع على منظومة من القواعد والمعايير التي تضمن تماسكه واستقراره. وعندما تضعف هذه المعايير، يدخل المجتمع في حالة الأنومي (اللامعيارية)، حيث يغيب الضبط الاجتماعي وتنتشر السلوكيات الفوضوية.
في الحالة الموريتانية، يمكن اعتبار مظاهر الإهمال، وغياب احترام النظام العام، وعدم الاكتراث بالقانون مؤشرات واضحة على حالة أنومي اجتماعية. فالفرد لا يشعر بأن سلوكه جزء من نظام كلي، بل يتعامل مع المجال العام بوصفه فضاء بلا مالك ولا رقيب.
- السلوك اليومي وإعادة إنتاج السلطة
تفسر نظرية إعادة الإنتاج الاجتماعي (كما طورها بيير بورديو) كيف تعاد إنتاج أنماط الهيمنة والسلطة عبر الممارسات اليومية العادية، وليس فقط عبر المؤسسات الرسمية. فالعادات، والذوق، وطريقة التعامل مع الفضاء العام، كلها تساهم في تكريس نمط معين من السلطة.
من هذا المنظور، فإن المجتمع الذي يتسامح مع الفوضى والإهمال يعيد – بشكل غير واعٍ – إنتاج سلطة غير كفؤة وغير خاضعة للمساءلة. فالقبول بالرداءة في السلوك اليومي يقود إلى القبول بها في القيادة السياسية.
- اختيار النخب ونظرية الفعل الاجتماعي
يرى ماكس فيبر أن الفعل الاجتماعي موجه بالمعنى الذي يمنحه الفرد لسلوكه. فإذا كان المعنى السائد في المجتمع لا يقدس الكفاءة ولا يعلي من قيمة المسؤولية، فإن الأفعال الجماعية – بما فيها الاختيار السياسي – ستتجه نحو منطق الولاءات والعلاقات لا نحو منطق العقلانية.
وبذلك يصبح العجز عن (وضع القمامة في مكانها المناسب) تعبيرا رمزيا عن غياب الفعل العقلاني، وهو ما ينعكس مباشرة على آليات اختيار النخب وتوزيع المناصب.
- التطبيع مع الفساد ونظرية الهيمنة
تنسجم العبارة (من يرضى الأوساخ تحت قدميه سيرضى حتما بالمفسدين فوق رأسه) مع منطق نظرية الهيمنة، التي ترى أن السيطرة لا تفرض بالقوة فقط، بل تمارس عبر القبول والاعتياد. فعندما يتطبع المجتمع مع القبح والفوضى، يفقد قدرته على المقاومة الرمزية والأخلاقية.
في هذا السياق، لا يعود الفساد أو سوء الحكم أمرا استثنائيا، بل يتحول إلى وضع طبيعي، وتفرغ مفاهيم الإصلاح والمحاسبة من مضمونها الحقيقي.
- التغيير من القاعدة – مقاربة التفاعل الرمزي
تؤكد نظرية التفاعل الرمزي أن المجتمع يبنى من خلال التفاعلات اليومية بين الأفراد، وأن التغيير الحقيقي يبدأ من إعادة تعريف الرموز والمعاني. فالقمامة هنا ليست مجرد نفايات، بل رمز للفوضى، كما أن احترام النظام رمز للكرامة والمسؤولية.
وعليه، فإن إصلاح الواقع الموريتاني لا يمكن أن يتحقق فقط عبر القوانين أو تغيير النخب، بل عبر إعادة بناء المعنى الذي يمنحه الفرد لسلوكه اليومي وعلاقته بالمجال العام.
يظهر التحليل السوسيولوجي أن الفوضى الاجتماعية في موريتانيا ليست مجرد مشكلة خدمية أو إدارية، بل هي نتيجة اختلالات عميقة في منظومة القيم والضبط الاجتماعي. ومن خلال النظريات الاجتماعية، يتضح أن المجتمع الذي يقبل الفوضى في حياته اليومية يساهم في إنتاج أزمة حكم وشرعية على مستوى الدولة.
إن التغيير الحقيقي يبدأ من القاعدة الاجتماعية، من إصلاح السلوك قبل إصلاح السلطة، ومن إعادة بناء الوعي قبل تبديل الوجوه.
قاسمقاسم صالح، عضو في حزب الحركة الشعبية التقدمية.









