
الشعب المصرى يكره إسرائيل جينيا ويشجع كل من ينال منها ولكنه أجمع على تأييد إيران وهذه ظاهرة تحتاج إلى تفسير.
ويلاحظ القارئ أننا نخص بالذكر الشعب المصرى وليس مصر كلها الشعب أثبت أنه له اتجاهات ويعبر عنها بحرية وليس بالضرورة أن ترضى الحكومة عن هذه الاتجاهات ولكن بخبرته فى متابعة الشعب المصرى أن هناك اتفاقا ضمنيا بين موقف الحكومة وموقف الشعب أو أن الشعب أجبر الحكومة على هذا الاتفاق الضمنى والدليل على ذلك أن الإعلام المصرى وهو إعلام موجه شأن كل إعلام عربى ليس فيه صخب الفرح الشعبى لصالح إيران ولكن معظم وسائل التواصل الاجتماعى توازت مع الإعلام المصرى فالإعلام لايؤيد إسرائيل ولايظهر الفرح فى تدمير تل أبيب ولكن الشعب تبادل التهانى بتدمير تل أبيب ربما لسببين
السبب الأول أن هذه الحالة عادت به إلى سنوات الصراع مع إسرائيل وهو يحب ذلك وكان آخر احتكاك عسكرى بين مصر وإسرائيل هى حرب التحرير في السادس من أكتوبر عام 1973. ولم يقتنع الشعب المصرى بالسلام مع إسرائيل وهو يدرك أن إسرائيل لا تحترم المعاهدات الدولية ولاتحترم القانون الدولى وانما تحترم القوة وكان يود الشعب أن يدخل الجيش المصرى تل أبيب ويدمرها تدميرا كاملا ولكن هناك قيود للحروب النظامية بين إسرائيل والدول العربية .
ولما قامت إيران بتدمير تل أبيب فرح المصريون تعويضاً عن دخول جيشهم للقيام بهذه المهمةفي هذه المرحلة.
السبب الثانى أن الشعب المصرى يكره إسرائيل جينياً ربما متأثر بصورة اليهود فى القرآن الكريم. وقليل من المصريين يدركون الفرق بين اليهودية والصهيونية علماً بأن ثقافة المصريين في العصر الناصرى كانت تركز على هذا التمييز.
فاليهودية شريعة أما الصهيونية فهى برنامج سياسى يهدف إلى تدمير العروبة وأولها مصر. وقد لوحظ أن فرح الشعب المصرى بتدمير إيران لتل أبيب يفهم منه أن هذا الشعب استشعر الخطر من إسرائيل وعادت به الأيام إلى يوسف وموسى وهما من أنبياء الله البرره ولكن بنى إسرائيل أساؤوا كثيرا إلى المصريين وتأمروا ضدهم مع الهكسوس ولذلك يميز المصريون بين موسى النبى والرسول وبين بنى إسرائيل وبعض المصريين يؤيدون عن غير بصيرة موقف فرعون مصر وصدقوا دعاية الفرعون ضد موسى .وقد فندت هذه النقطة فى كتاباتى حول هذا الموضوع .وقليل من المصريين يميز بين موسى وبنى إسرائيل اللعنة على بنى إسرائيل وكل الاحترام والاجلال لموسى وقد راقب المصريون موقف بنى إسرائيل من موسى وبقية الأنبياء فى القرآن الكريم واستخلصوا أن بنى إسرائيل أكرمهم الله وغفر لهم عدة مرات وأنهم كانوا يعتقدون أنهم أكثر ذكاءا من خالقهم والدليل على ذلك قصة السبت وقصة البقرة والمؤكد بهذه المناسبة أن فرعون التقط بذكائه هذا التمييز بين موسى وبنى إسرائيل رغم أنه بشر تأثر بما تأثر به البشر.
من ناحية أخرى فإن موقف الشعب المصرى من إيران موزع ومشتت للاسباب الآتية :
أولاً: جهل معظم الشعب بقصة الشيعة والسنة.
وثانياً: تأثر معظم الشعب المصرى بالدعايات المضادة للشيعة لدرجة أن عامته يعتقدون أن الشيعى هو الشيوعى وذلك تأثراً بالدعوة السلفية والجماعات الإسلامية عموما التى كانت بعضها يكفر الشيعة ولم تفظن هذه الجماعات إلى المؤامرة الكبرى على المسلمين وهى قصة الفتنة المؤامرة بين الشيعة والسنة.
ثالثاً: أن معظم المصريين يربطون بين الشيعة والحسين وآل البيت عموماً وكرس هذا الاعتقاد الحكم الفاطمى الذى استمر ثلاثة قرون لمصر وأنشأ الفاطميون الأزهر الشريف سنة 969 م والمصريون عموما يجلون الأزهر الشريف .
رابعاً: أن بعض المصريين الذين خدموا فى امارات الخليج يخلطون بين بعض الأفكار السلبية وبين الشيعة وبالنسبة للمصريين بالذات فأنهم تابعوا قيام الثوره الإسلامية فى إيران فى فبراير 1979 وتمنوا أن تنتصر هذه الثورة بتوجهاتها السياسية المناهضة لإسرائيل والولايات المتحدة فى أن تكون اضافة للعالم الإسلامى وقطعاً معظم المصريين لايؤيدون توجه السادات المعادى لهذه الثورة فقبل الثورة كان شاه إيران صديقاً لإسرائيل وكان جمال عبدالناصر عدوا للشاه وهناك بعض الوثائق التى تظهر أن جمال عبدالناصر بدعمه لمعارضى الشاه وخاصة فى العراق زمن إقامة الخومينى فى العراق عام 1964 كان يناصر الثورة الإسلامية ولذلك فإن حسن نصر لله رحمه الله كان ناصريا حتى النخاع وقد بحثت فى هذا الموضوع وقدمت حلقة كاملة منذ عدة سنوات فى قناة الميادين حول دور عبدالناصر فى مساندة الثورة ضد الشاه فقد كان باعث عبدالناصر سياسيا على اساس أن الشاه كان حليفا لأمريكا وإسرائيل فلما قامت الثورة وضع الثوار علم فلسطين فوق السفارة الإسرائيلية فى طهران وأخذوا كل الدبلوماسيين الأمريكيين رهائن لمدة 444 وحاولت أمريكا تحريرهم بكل الطرق ولكن فشلت واتفقت أمريكا وإيران الثورة على حل المشكلة من خلال وساطة الجزائر عام 1981 وقد كتبت عن هذا الموضوع بحوثاً كثيرة نشرتها فى المجلة المصرية للقانون الدولى عام 1982 وما بعدها.
خامساً: أن الربط فى الذهن المصرى بين المقاومة ضد إسرائيل دفع معظم الشعب المصرى إلى تأييد حزب الله ثم حماس التى قامت بعد حزب الله بخمس سنوات وأعجب المصرييون بجسارة ووطنية حزب الله الذى حرر بيروت والجنوب اللبنانى من الاحتلال الإسرائيلى رغم بعض التعقيدات فى الموقف العربى ولذلك اعتبرت إسرائيل وأمريكا حزب الله اليد الباطشة لإيران فى المنطقة خاصة ضد إسرائيل وبدأت بتقليم أظافر حزب الله الذى انضم متضامنا مع المقاومة الفلسطينية وأزعج إسرائيل بصواريخه التى كان يتابعها المصريون جميعا رغم نشاط الموساد بين مختلف الشعوب العربية وقبل أن تقدم إسرائيل على مهاجمة إيران كانت قد رتبت الساحة اللبنانية بحيث تتفادى ضربات حزب الله وفهم المصريون أن الهدف من الهجوم الإسرائيلى على إيران هو اطفاء وقمع الدولة التى تساند المقاومة كما أن المصريين يعلقون الأمل على انتصار إيران على إسرائيل خاصة أن سلوك إسرائيل فى غزة مع عجز المصريين عن انقاذ غزة أدى إلى توحش إسرائيل واستشعر المصريون خطر هذا التوحش على بلادهم.
سادساً: أن قيام حزب الله أزعج حلفاء الولايات المتحدة وإسرائيل من العرب خاصة بعض دول الخليج التى يسكن فيها ملايين الشيعة خاصة فى الاحساء وقد رأيت بنفسى عام 2006 عندما كنت مديراً تنفيذيا لمعهد البحرين للتنمية السياسية مدى تعلق الشيعة فى المنطقة كلها بإيران الثورة وأصبحت طهران القبلة السياسية والطائفية لكل شيعة المنطقة.
وكان رأيى ولايزال أن الشيعة جزء من الشعوب العربية وأن حسن معاملة الشيعة وفقاً للدستور يجنب الجميع الصدام بسبب الشيعة بين الدول العربية وإيران .
وبصرف النظر عن تحامل بعض الدول العربية على الشيعة مما يعتى ضمنياً العداء لإيران إلا أن الشيعة فى لبنان كانوا قبل حزب الله طائفة مهملة ضعيفة فى الخريطة الطائفية اللبنانية فكان السنة والمسيحيون الموارنه يسيطرون على الساحة السياسية فى لبنان ولذلك فإنشاء حزب الله وقيامه بتحرير بيروت من الاحتلال الإسرائيلى أظهر الطائفة الشيعية وقوه شكيمتها بين الطوائف الأخرى فى لبنان.
ولذلك فإن اتفاق الطائف عام 1989 لاحظ أن الطائفية هى السبب المباشر لتراجع الدولة اللبنانية ولكن للاسف أعرب عن أمل انتهاء الطائفية دون أن يضع برنامجا لذلك. وكان اللبنانيون بعد الحرب الاهلية اللبنانية الطويلة التى استمرت 15 عاما قد أجمعوا على استيعاب الدرس ولذلك فشلت محاولات إسرائيل الأخيرة فى الوقيعة بين الطوائف المختلفة فى لبنان. وهدف إسرائيل الاساسى هو اثارة الحرب الاهلية مرة أخرى ولكن وعى الشعب اللبنانى أنقذ لبنان حتى الآن من الحرب الأهلية.
من ناحية أخرى يجب على البعثات الإيرانية في الدول العربية أن تبدد الأوهام والخرافات حول الفكر الشيعى علماً بأن معظم المساهمات الفقهية من إيران وما جاورها البخارى الذى جمع الاحاديث النبوية من بخاري وغيره كثير.
وواجب المثقفين العرب أن يسهموا فى حملة هدفها بيان أن الفرق بين الشيعة والسنة فى الفكر.
فخمسة أمور تجمع المسلمين جميعا: الله واحد وقرآن واحد ونبى واحد وكعبة واحدة يتجه إليها المسلمون فى جميع الصلوات وأركان الإسلام واحدة . والأفكار السلبية عن الشيعة يجب التصدى لها وخير من تصدى لها هو الأمام الأكبر شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب عندما أصدر بيانا بمناسبة العدوان الإسرائيلى على إيران أيد فيه إيران وحث على وحدة الإسلام والمسلمين. ويبقى بعد ذلك بيان دور الأزهر فى هذا المجال عبر طريقه الطويل لأن الأزهر الذى أنشأه الفاطميون ليكون قلعة للفكر الشيعى وحده أصبح قلعة للإسلام والمسلمين حيث تتنوع الفرق الإسلامية وحدها الأدنى السلامه الفقهية.
وجدير بالذكر أن المعارضة الإيرانية انضمت إلى الحكومة في الدفاع عن إيران ويكفى إيران فخراً أنها تتصدى للمستوطنين الذين يخططون لهدم المسجد الأقصى وسوف ينضم المسلمون جميعاً إلى إيران فى هذه الملحمة التى تهدف إلى استنقاذ المسجد الأقصى المبارك أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين.
السفير د. عبدالله الأشعل كاتب ودبلوماسي مصري









